مدن الخليج تقود التحول العالمي.. من «إدارة الأزمات» إلى استباقها : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-02-07 11:30:00

1689569

في حديثه إلى روكب اليوم الاقتصادية على هامش القمة العالمية للحكومات، قدّم أندريه سليمان، مدير في شركة رولان بيرغر للاستشارات الاستراتيجية، قراءة معمّقة للتحولات التي تواجه المدن في القرن الحادي والعشرين، انطلاقاً من مفهوم “الأزمات المتعددة” أو الـPolycrisis، وهو المفهوم الذي تناولته ورقة الشركة بعنوان Future-proofing cities in the age of polycrisis.

سليمان أوضح أن العالم لم يعد يتعامل مع أزمات منفصلة أو أحادية البعد، بل مع أزمات متزامنة ومتشابكة، قد تنطلق من شرارة سياسية أو صحية أو مناخية، ثم تتوسع بسرعة لتطال الاقتصاد، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، والسياسات الدفاعية، والعلاقات الدبلوماسية، وأشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة هو سرعة انتقال الأثر، بفعل الترابط العالمي، وحركة السفر الكثيفة، وسلاسة تدفقات رأس المال، والاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية.

من الأزمة المحلية إلى الحدث العالمي

في المقابلة، ضرب سليمان مثالاً بجائحة كوفيد-19، التي بدأت كأزمة صحية، ثم تحولت سريعاً إلى أزمة عالمية شملت الطيران، والسياحة، والاقتصاد، وامتدت آثارها إلى البعد الاجتماعي، وبحسبه؛ فإن هذا النمط بات متكرراً: حدث واحد يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى أزمة عالمية متعددة المستويات، وهو ما يجعل المدن في قلب هذه المعادلة.

وأوضح أن المدن اليوم تمثل “نقطة تقاطع” للأزمات، وهي الأكثر عرضة لتداعياتها، ليس لأنها سببها، بل لأنها المكان الذي تتكثف فيه آثارها. فالمدن، بحكم الكثافة السكانية، والبنية التحتية، والترابط الاقتصادي، تكون أول من يشعر بالصدمة، ومع تداخل الضغوط، قد تتشكل أزمة أكبر من مجموع أجزائها.

تجاوز مفهوم المرونة

انطلاقاً من هذا الواقع، شدد سليمان على أن الاكتفاء بمفهوم “المرونة” لم يعد كافياً. فالمرونة تعني القدرة على امتصاص الصدمة والتعافي بعدها، لكن التحدي الحقيقي اليوم هو الاستباق: كيف يمكن للمدن أن تستعد لأزمات لم تتشكل بعد، ولا يُعرف شكلها أو مسارها المستقبلي.

هنا يبرز مفهوم الاستشراف الحضري، الذي تضعه ورقة رولان بيرغر في صلب السياسات الحضرية، وبحسب سليمان؛ فإن المطلوب هو إدماج الاستشراف بشكل بنيوي في التخطيط الحضري، لا التعامل معه كأداة هامشية أو رد فعل متأخر، الاستشراف -كما يطرحه- يجب أن يصبح جزءاً من عملية صنع القرار، وليس مجرد تمرين نظري.

الاستشراف في صلب التخطيط والسياسات

أوضح سليمان أن الخطوة الأولى تكمن في ترسيخ مفهوم الاستباق داخل التخطيط الشامل للمدن، سواء في التخطيط العمراني، أو المالي، أو في صياغة السياسات العامة، فالتخطيط لم يعد معنيّاً فقط بتلبية احتياجات الحاضر، بل بتوقع التحديات المستقبلية والاستعداد لها مبكراً.

الخطوة الثانية، بحسب المقاربة المطروحة، تتعلق بالحوكمة الداخلية للمدن؛ إذ دعا سليمان إلى تطوير أنظمة تشغيل وإدارة تحتوي على وحدات أو فرق متخصصة في الاستشراف، تعمل على تحليل الاتجاهات، وبناء السيناريوهات، وتحديد نقاط الضعف المحتملة قبل تحوّلها إلى أزمات فعلية.

كما أشار إلى أهمية الأدوات الرقمية، ليس فقط كوسيلة لتحسين الخدمات، بل كأداة رقابية وتحليلية تتيح للمدن فهماً أعمق لكيفية عملها داخلياً، ولمسارات التفاعل الاقتصادي والاجتماعي داخلها، هذه الأدوات -برأيه- تشكل أساساً لأي قدرة حقيقية على الاستباق.

التكامل والتعاون بين الجهات

إلى جانب ذلك، شدد سليمان على أن استشراف الأزمات لا يمكن أن يكون مهمة منعزلة، فالمدن تحتاج إلى قنوات تواصل وتكامل مع الجهات الحكومية وغير الحكومية، محلياً وإقليمياً، لضمان تبادل المعلومات وتنسيق الاستجابات. فالأزمات المتعددة، بطبيعتها، لا تعترف بالحدود الإدارية أو المؤسسية.

المدن الخليجية كنموذج قابل للتقدم

وفي سياق الورقة، تُطرح مدن دول مجلس التعاون الخليجي كأحد أكثر النماذج جاهزية لتبني هذا التحول، فبحسب رولان بيرغر، تتمتع هذه المدن برؤية قيادية واضحة، وعقلية تضع التكنولوجيا في صلب التطوير، إضافة إلى توفر الموارد الرأسمالية اللازمة لتنفيذ التحولات المطلوبة، وهو ما يمنحها موقعاً متقدماً للانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها.

تحول ذهني قبل أن يكون مؤسسياً

تخلص الورقة، كما يعكس حديث سليمان، إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنشاء إدارات جديدة تحت مسمى “الاستشراف”، بل في إحداث تحول ذهني لدى صناع القرار، المطلوب هو التفكير المسبق، وتجاوز استراتيجيات تقليل المخاطر التقليدية، والانتقال إلى نماذج تخطيط تتعامل مع المستقبل بوصفه متغيراً مفتوحاً، لا امتداداً خطياً للحاضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks