مراقبون: انشقاقات الدعم السريع تكشف تناقضات سلطة بورتسودان


روكب اليوم
2026-05-22 11:06:00

1 1870986

فالشخصيات نفسها التي ظلت تقدم لعدة أشهر باعتبارها وجها لـ”التمرد” ومرتبطة بانتهاكات واسعة، تحولت فجأة بعد انشقاقها إلى مادة احتفاء داخل المنصات الإعلامية الموالية للجيش، في مشهد كشف حجم التناقضات داخل الخطاب السياسي والعسكري الدائر حول الحرب.

ومنذ اندلاع الصراع في السودان، ظل ملف الانشقاقات العسكرية يُقدَّم داخل إعلام الجيش باعتباره اختراقاً استراتيجياً من شأنه تغيير ميزان القوى.

 لكن الوقائع الميدانية، وطبيعة القيادات التي انتقلت من قوات الدعم السريع إلى صفوف الجيش، أظهرت أن المشهد أكثر تعقيداً من الدعاية المتداولة، وأن المتهمين أنفسهم بقوا كما هم، بينما تغيّرت فقط الجهة التي يقاتلون تحت رايتها.

 انشقاقات تربك سردية الحرب

وفي هذا السياق، قللت قيادات في قوات الدعم السريع من أهمية انضمام عدد من قادتها السابقين إلى الجيش السوداني، مؤكدة أن هؤلاء “لا يمتلكون أي تأثير حقيقي على المشهدين السياسي أو العسكري”، وأن انشقاقهم “لن يغيّر المشهد العسكري”. 

وكان النور القبة قد أعلن انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني في 11 أبريل الماضي، قبل أن يصل إلى مدينة دنقلا شمالي السودان في 19 من الشهر نفسه، حيث استقبله قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

واستقبل الرجل الذي كان حتى وقت قريب جزءا من القوة التي يخوض الجيش حربه ضدها، هذه المرة باعتباره حليفا جديدا، في مشهد عكس التحولات السريعة داخل معسكر الحرب.

وبعده بثلاثة أسابيع، لحق به علي رزق الله الشهير بـ”السافنا”، فيما كان أبو عاقلة كيكل، القائد السابق لمنطقة ولاية الجزيرة بقوات الدعم السريع، قد سبقهما بإعلان انشقاقه والانضمام إلى الجيش في نهاية العام 2024.

ورغم الاحتفاء الإعلامي الذي حظي به هؤلاء داخل المنصات الموالية للجيش، فإن انضمامهم لم يُنهِ الاتهامات الخطيرة الموجهة إليهم، بل أعاد فتح ملفات الانتهاكات التي ارتُكبت خلال وجودهم ضمن قوات الدعم السريع، وأثار تساؤلات واسعة حول معايير المحاسبة داخل معسكر الجيش نفسه.

اتهامات تطارد المنشقين

وتقول مصادر متعددة، بينها قيادات في الدعم السريع، إن النور القبة ارتكب انتهاكات واسعة خلال فترة حصار مدينة الفاشر عندما كان ضمن صفوف الدعم السريع، مشيرة إلى تسريبات صوتية ظهرت مؤخراً ونُسبت إليه، تضمنت أوامر بقصف معسكر زمزم للنازحين واستهداف مدنيين.

كما تتهمه المصادر بالعمل لصالح الجيش قبل انشقاقه رسمياً، وبالتورط في ارتكاب انتهاكات بهدف توريط قوات الدعم السريع، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي كان يؤديه، وحدود العلاقة التي ربطته بقيادات داخل المؤسسة العسكرية قبل إعلان انضمامه العلني.

أما أبو عاقلة كيكل، قائد ما يُعرف بـ”قوات درع السودان”، فقد فرض الاتحاد الأوروبي عليه عقوبات في 18 يوليو 2025، بعد ثمانية أشهر من انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش، وذلك على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة شملت عمليات قتل ونهب ضد مدنيين في ولاية الجزيرة.

وحمّل الاتحاد الأوروبي كيكل مسؤولية مقتل عشرات المدنيين من سكان”الكنابي”، وهي تجمعات سكانية مهمشة تحيط بمدن رئيسية في ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي في السودان.

كما أشارت تقارير حقوقية إلى تورط قوات كيكل، إلى جانب كتيبة البراء، الجناح المسلح لتنظيم الإخوان، في عمليات تطهير عرقي وجرائم قتل على أساس الهوية، فضلاً عن إلقاء أشخاص أحياء في النهر وتنفيذ إعدامات ميدانية على الطرق العامة.

وهكذا، لم تختفِ الاتهامات بمجرد انتقال أصحابها إلى معسكر آخر، بل بقيت تلاحقهم، لتضع الجيش أمام معضلة سياسية وأخلاقية متصاعدة: كيف يمكن تقديم شخصيات متهمة بجرائم حرب باعتبارها مكاسب عسكرية دون أن ينهار الخطاب الذي بُنيت عليه الحرب نفسها؟

ارتباك في معسكر البرهان

هذه الاتهامات وضعت قيادة الجيش السوداني في موقف حرج، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات المرتبطة باستقبال واحتفاء المؤسسة العسكرية بقيادات متهمة بارتكاب جرائم حرب.

وفي محاولة لاحتواء الجدل، خرج قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتصريحات قال فيها إن مسألة”محاسبة أو إعفاء” المنضمين من قوات الدعم السريع إلى الجيش “ترجع إلى الأجهزة العدلية والشعب السوداني”.

لكن التصريحات فجّرت موجة واسعة من الجدل، وسط اتهامات بأنها كشفت عمق التناقضات داخل سردية السلطة العسكرية والسياسية في بورتسودان.

فالخطاب الرسمي للجيش ظل طوال الحرب يقوم على تقديم المعركة باعتبارها حرباً ضد “مليشيا إجرامية”، قبل أن يتحول بعض أبرز قادتها – فور انضمامهم للجيش – إلى شخصيات يجري الترويج لها وتقديمها كحلفاء وشركاء في المعركة نفسها.

واعتبر مراقبون أن تصريحات البرهان تعكس حجم الارتباك داخل تحالف الجيش، مشيرين إلى أن المشهد الحالي تحكمه اعتبارات إدارة التحالفات العسكرية والسياسية أكثر من اعتبارات العدالة والمحاسبة.

كما رأى كتّاب وسياسيون سودانيون أن التطورات الأخيرة وجهت ضربة قوية للسردية التعبوية التي تشكلت منذ اندلاع الحرب، والقائمة على تصوير قوات الدعم السريع كقوة “لا يمكن التفاهم أو التعايش معها تحت أي ظرف”، قبل أن يتحول بعض قادتها المنشقين إلى أدوات دعائية داخل المعسكر نفسه الذي ظل يهاجمهم.

ووصف مراقبون تصريحات البرهان بأنها محاولة لامتصاص الغضب الذي أعقب عودة بعض قيادات الدعم السريع المنشقة، وإعادة ضبط التوازن داخل معسكره السياسي، عبر إطلاق خطاب يوحي بالحزم والمحاسبة، من دون أن يترتب عليه بالضرورة أي إجراء عملي.

كما شككوا في إمكانية تحقيق أي عدالة فعلية في ظل غياب مؤسسات عدلية مستقلة، معتبرين أن النيابة والقضاء “يعملان داخل بيئة مسيّسة وتخضع بصورة مباشرة لنفوذ السلطة الأمنية والسياسية”.

العدالة الغائبة وانهيار السردية

وفي خضم الجدل حول انتقال قادة متهمين بارتكاب جرائم حرب من طرف إلى آخر، قالت مجموعة “محامو الطوارئ” في بيان إن “المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تظل قائمة ومتصلة بالفعل محل التجريم وقت ارتكابه، بصرف النظر عن أي تبدل لاحق في الانتماء العسكري”.

وأضافت المجموعة أن هذه المسؤولية “لا تُعاد صياغتها وفق التحولات اللاحقة، ولا تتأثر بها، ولا تنتفي بزوال الصفة التي كان المتهم يشغلها وقت ارتكاب الفعل، متى ما ثبتت عناصر الإسناد الجنائي المباشر أو غير المباشر ضمن سلسلة القيادة أو السيطرة الفعلية”.

ووصفت المجموعة إعادة إدماج الأفراد المتورطين في جرائم الحرب وانتقالهم من قوات إلى أخرى بأنه “يشكل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتقويضاً لحقوق الضحايا، واستمراراً لأنماط الانتهاك تحت غطاء الحرب، بما يمس جوهر العدالة نفسها”.

وفي المقابل، احتفت وسائل الإعلام التابعة للجيش السوداني والمتحالفة والداعمة له بالمنشقين، وقدمتهم باعتبارهم “غنائم سياسية وعسكرية”، رغم الاتهامات الخطيرة التي لا تزال تلاحقهم.

وفي هذا السياق، قال خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف “صمود”، على فيديو مسرب للمنشق علي رزق الله “السافنا”، قائلاً إن التسجيل يثير “تساؤلات جدية بشأن الروايات المتداولة حول ظروف انشقاقه وطبيعة الجهات الداعمة له”.

وأضاف خالد عمر أن التسريب يتناقض مع الروايات التي قُدمت سابقاً بشأن عودة “السافنا” ومواقفه الأخيرة، مشيراً إلى أن التسجيلات تضمنت حديثاً حول تلقي دعم مالي ومواقف مرتبطة بأطراف خارجية.

وقال إن هذه المعطيات “تفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التدخلات الخارجية وتأثيرها على مجريات الحرب”، داعياً إلى إعادة النظر في السرديات المتداولة بشأن أطراف النزاع.

وأضاف خالد عمر: “السافنا لم يعد مستسلماً أو تائباً كما روّجت أبواق معسكر الحرب، بل تباهى بالمبالغ المالية التي تلقاها مقابل تغيير موقفه”.

وتابع: “السافنا لم يخضع للدولة وسلطانها، بل على العكس، فهو يرى في حكومة البرهان مجموعة من الشحاذين”.

كما قال: “كشف السافنا أنه لا يتقاضى المال من حكومة البرهان، بل من جهات خارجية. فعن أي سيادة، وأي أمن قومي، وأي رفض للتدخل الخارجي، يحدثنا المدلسون الكذبة؟”.

خاتمة

وفي المحصلة، تبدو الانشقاقات التي روّج لها إعلام الجيش باعتبارها “اختراقات استراتيجية” أقرب إلى عبء سياسي وأخلاقي متصاعد، لا سيما مع انتقال شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة إلى معسكر يرفع شعارات “العدالة” و”استعادة الدولة”.

فالمتهمون أنفسهم لم يتغيروا، والاتهامات ذاتها ما تزال قائمة، لكن الرايات فقط هي التي تبدلت.

وبينما تستمر حملات الترويج الإعلامي للمنشقين، وتتسع دائرة الأسئلة حول مصير الضحايا، وحدود المحاسبة، تبدو الحرب في السودان وكأنها تُدار بمنطق تبديل المواقع لا بمنطق العدالة.

وفي حرب تتبدل فيها الولاءات بسرعة، يبدو أن معيار البراءة والإدانة لم يعد مرتبطاً بما ارتُكب من أفعال، بل بالموقع الذي يقف فيه المتهم اليوم.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks