روكب اليوم
2026-07-12 08:27:00

يقول تقرير لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة إن كييف نجحت في تحويل الهجمات على منشآت الطاقة من عمليات متفرقة تهدف إلى تقليص إيرادات النفط الروسي إلى استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تقويض قدرة موسكو على تشغيل مصافيها، وإحداث نقص في الوقود داخل السوق المحلية، وتغيير هيكل صادراتها النفطية، بما يمتد أثره إلى الأسواق العالمية.
ويرى المعهد أن هذه الهجمات باتت تمثل أحد أهم المتغيرات المؤثرة في سوق الطاقة خلال عام 2026، خاصة أنها تتزامن مع اضطرابات إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يزيد هشاشة أسواق المنتجات النفطية العالمية ويحد من قدرة السوق على تعويض أي نقص جديد.
ذكرت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، الأسبوع الماضي، أنها استهدفت مصافي نفط، ومحطة نفطية، ومستودعاً للنفط في أنحاء متفرقة من روسيا، إضافة إلى ناقلات في بحر آزوف، في وقتٍ لا تظهر فيه كييف أي مؤشرات على تخفيف حملتها التي تستهدف قطاع الطاقة الروسي.
وأضافت هيئة الأركان، عبر تطبيق تيليغرام، أن مصفاة إيلسكي في إقليم كراسنودار، وهي واحدة من أكبر المصافي في جنوب روسيا، اشتعلت فيها النيران، كما تعرض مجمع أوست-لوغا لتكرير النفط في منطقة لينينغراد لضربة أيضاً. ويُعد كلا الموقعين من الأهداف المتكررة للهجمات الأوكرانية.
كما جاء في البيان أن محطة نفطية ومستودعاً للنفط في منطقة روستوف تعرضا أيضاً لضربات أسفرت عن وقوع انفجارات واندلاع حرائق.
وبعد أشهر من الحملة الأوكرانية الواسعة التي ألحقت أضراراً بمنشآت النفط الروسية الرئيسية والبنية اللوجستية المرتبطة بها، اضطرت موسكو إلى حظر صادرات الديزل لضمان تلبية احتياجات السوق المحلية.
ووفقاً لمصدرين في قطاع الطاقة وحسابات أجرتها رويترز، تراجع إنتاج البنزين المحلي إلى مستوى يعادل نحو 65% فقط من مستواه المعتاد نتيجة لهذه الضربات.
استراتيجية أوكرانية جديدة تستهدف قطاع التكرير
ويرى تقرير أكسفورد للطاقة أن الهجمات الأوكرانية شهدت تحولاً جذرياً منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، فبعد أن ركزت في البداية على خطوط الأنابيب ومحطات الضخ وخزانات التخزين والموانئ النفطية بهدف تقليص عائدات روسيا من صادرات الخام، أصبحت المصافي الهدف الرئيسي للهجمات، في محاولة لإحداث اضطرابات مباشرة في سوق الوقود الروسية.
وبدأت أولى الهجمات الواسعة على المصافي خلال عام 2024، إلا أن وتيرتها تسارعت بصورة كبيرة منذ النصف الثاني من عام 2025، قبل أن تبلغ أعلى مستوياتها خلال الأشهر الأخيرة.
ويقول المعهد إن شهر يونيو سجل أعلى كثافة للهجمات منذ بداية الحرب، بعدما تعرضت 13 مصفاة و12 منشأة أخرى للطاقة لهجمات ناجحة خلال أقل من شهر، ليصبح متوسط الهجمات يقارب استهداف منشأة طاقة روسية واحدة يومياً.
كما تعرضت 24 مصفاة روسية للهجوم منذ بداية عام 2026 من أصل 34 مصفاة في البلاد، وهو ما يمثل نحو 81% من إجمالي طاقة التكرير الروسية.
الهدف لم يعد التعطيل المؤقت
وبحسب المعهد، لم تعد أوكرانيا تستهدف مجرد إلحاق أضرار بالمصافي، وإنما تسعى إلى إبقائها خارج الخدمة أطول فترة ممكنة، «فبدلاً من استهداف وحدات التقطير الأولية التي يمكن إصلاحها خلال أيام أو أسابيع، أصبحت المسيّرات تركز على الوحدات الثانوية والثالثية المسؤولة عن إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، مثل وحدات التكسير الهيدروجيني والإصلاح الحفزي، وهي وحدات تعتمد على معدات متطورة يصعب استبدالها في ظل العقوبات الغربية».
ويضيف معهد أكسفورد للطاقة أن كييف تعتمد أيضاً على إعادة استهداف المصافي نفسها قبل انتهاء عمليات الإصلاح، وهو ما يحول الأعطال المؤقتة إلى توقفات تشغيلية طويلة، ويقلص قدرة روسيا على استعادة طاقتها التكريرية، وفي الوقت نفسه، توسع نطاق الهجمات مع ارتفاع مدى الطائرات المسيّرة إلى نحو 1750 كيلومتراً، مقارنة بنحو 600 كيلومتر فقط في بداية الحرب، ما جعل معظم المصافي الروسية ضمن دائرة الاستهداف.
أزمة وقود داخل روسيا
ويؤكد التقرير أن انعكاسات هذه الهجمات بدأت تظهر بوضوح داخل السوق الروسية، فقد تراجعت معدلات تشغيل المصافي من نحو 4.6 مليون برميل يومياً في مارس إلى 3.7 مليون برميل يومياً في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين، كما انخفض إنتاج البنزين بنسبة 24% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وتراجع إنتاج وقود الطائرات بنسبة 23%، بينما هبط إنتاج الديزل بنحو 20.
ويرى المعهد أن تلك التراجعات أدت إلى ظهور نقص في الوقود داخل عشرات المناطق الروسية، ما دفع السلطات إلى فرض قيود على مبيعات الوقود، ومنح القطاع الزراعي أولوية في الإمدادات، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وطوابير الانتظار في العديد من محطات الوقود، وتلك هذه التطورات تعكس انتقال آثار الحرب من ساحات القتال إلى الحياة اليومية داخل روسيا، بعدما أصبحت أزمة الوقود تمثل تحدياً اقتصادياً داخلياً متزايداً.
الصادرات تتغير.. والخام يحل محل المنتجات
وبحسب التقرير، لم تتوقف تداعيات الهجمات عند السوق المحلية، بل امتدت إلى تجارة النفط الروسية فمع تراجع قدرة المصافي على معالجة الخام، انخفضت صادرات المنتجات النفطية بنحو 700 ألف برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2026، في حين ارتفعت صادرات النفط الخام بنحو 900 ألف برميل يومياً خلال الفترة نفسها، بعدما جرى تحويل الخام غير القابل للتكرير إلى الأسواق العالمية.
لكن المعهد يرى أن هذا التحول لا يعوض النقص في المنتجات النفطية، لأن زيادة صادرات الخام لا يمكنها تعويض تراجع إمدادات الديزل والبنزين ووقود الطائرات، وهي المنتجات التي تحتاج إليها الأسواق بصورة مباشرة، وفي الوقت نفسه، اضطرت موسكو إلى تمديد حظر تصدير البنزين ووقود الطائرات، وفرض قيود على صادرات الديزل، رغم أن روسيا تعد أحد أكبر مورديه عالمياً، بل بدأت أيضاً دراسة استيراد بعض المنتجات النفطية لتعويض النقص المحلي.
أسواق الطاقة تواجه ضغوطاً إضافية
ويقول معهد أكسفورد للطاقة إن توقيت هذه التطورات يزيد أهميتها، إذ تتزامن مع استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، ما يقلص الخيارات المتاحة أمام الأسواق العالمية، فانخفاض صادرات المنتجات النفطية الروسية يدفع الأسواق التقليدية، مثل تركيا والبرازيل ودول شمال وغرب إفريقيا، إلى البحث عن إمدادات بديلة، وهو ما يزيد المنافسة على البراميل المتاحة في البحر المتوسط وحوض الأطلسي وآسيا.
كما أن انخفاض توفر الديزل والبنزين يدعم استمرار قوة هوامش أرباح المصافي، حتى مع تحسن أوضاع سوق النفط الخام تدريجياً.