مصر تقترب من شراء كمية قياسية من القمح المحلي بعد رفع الأسعار للمزارعين : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-11 17:04:00

تتجه مصر نحو تحقيق أكبر موسم توريد للقمح المحلي في تاريخها، بعد أن رفعت الحكومة أسعار الشراء للمزارعين ووسعت المساحات المزروعة، في خطوة تستهدف تقليص الاعتماد على الواردات وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية والميزانية العامة.

قال مزارعون وتجار ومسؤولون إن الحكومة اشترت بالفعل نحو 4.6 مليون طن متري من القمح المحلي منذ بدء موسم التوريد في منتصف أبريل نيسان، مقتربة من هدفها البالغ 5 ملايين طن قبل انتهاء الموسم في منتصف أغسطس آب، وفق رويترز.
وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في بيان يوم الأربعاء، أن الكمية الموردة حتى الآن تمثل أعلى مستوى تسجله منظومة توريد القمح في مصر، وتتجاوز إجمالي ما جمعته الحكومة في الموسم الماضي بأكمله.

مصر من أكبر مستوردي القمح عالمياً

تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، إذ تعتمد على الأسواق الخارجية لتغطية جانب كبير من احتياجاتها، ولا سيما برنامج الخبز المدعوم الذي يستفيد منه نحو 70 مليون شخص، ويجعل ذلك القمح سلعة استراتيجية شديدة الحساسية للبلاد، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار الغذاء العالمية وضغوط النقد الأجنبي.


جاء التحول هذا الموسم بعد سلسلة إجراءات بدأت في أغسطس آب الماضي، حين رفعت الحكومة المصرية سعر توريد القمح المحلي لموسم 2026 بنحو 7%، قبل أن تزيده مرة أخرى في مارس/آذار، قبيل الحصاد، إلى ما يعادل نحو 320 دولاراً للطن، وهو مستوى يفوق الأسعار العالمية للقمح المستورد من منطقة البحر الأسود.

وأظهرت بيانات بورصة لندن للأوراق المالية، الخميس، أن سعر القمح المستورد من البحر الأسود على أساس التسليم على ظهر السفينة يتراوح بين 234 و240 دولاراً للطن، ما يبرز الفارق الكبير بين السعر المحلي الذي تدفعه الحكومة للمزارعين والسعر المتاح في السوق العالمية.

قال حسين أبو صدام، وهو مزارع من محافظة المنيا في صعيد مصر، إن السعر الحكومي كان «مغرياً للغاية» وشجع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة وتسليم المحصول للدولة بدلاً من بيعه في السوق أو استخدامه كعلف.
وقال تاجر الحبوب هشام سليمان إن التسعير كان العامل الحاسم في زيادة التوريد، موضحاً أن الحكومة تشتري القمح من المزارعين بما يعادل نحو 323 دولاراً للطن، في حين أن المستورد يمكنه الحصول على القمح في مناقصات خارجية بأسعار أقل بكثير.

3.7 مليون فدان مساحة زراعة القمح بعد الزيادة

وبحسب رئيس قطاع الخدمات في وزارة الزراعة، أحمد إيدام، ارتفعت مساحة زراعة القمح هذا الموسم إلى نحو 3.7 مليون فدان، وهو أعلى مستوى مسجل، مقارنة بنحو 3.1 مليون فدان في الموسم الماضي. ويعادل الفدان المصري نحو 0.42 هكتار أو ما يزيد قليلاً على فدان أميركي واحد.

لم يكن السعر وحده وراء زيادة الكميات الموردة؛ فقد ساعدت الظروف الجوية المواتية وتحسن أصناف البذور في رفع الإنتاجية، وفقاً لمسؤولين وخبراء زراعيين، وقال أبو صدام إن إنتاجية مزرعته ارتفعت إلى نحو 24 أردباً للفدان، تعادل نحو 3.6 طن للفدان، مقارنة بنحو 22 أردباً في العام الماضي، مضيفاً أنه باع للحكومة نحو 600 أردب هذا الموسم مقابل نحو 450 أردباً في الموسم السابق.

وقال خبير اقتصادي في مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة، إن إنتاجية القمح في مصر ترتفع تدريجياً على مدى العقد الأخير، وإن الهدف هو الوصول إلى نحو 27 أردباً للفدان، أو قرابة 4 أطنان، مقارنة بمتوسط حالي يتراوح غالباً بين 18 و20 أردباً.

كما أسهم خفض الفاقد بعد الحصاد وتحسين عمليات النقل والتخزين في زيادة الكميات التي تصل إلى مراكز التجميع الحكومية، وفقاً للمسؤول نفسه، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على تصريح بالحديث علناً.

وتعكس زيادة التوريد المحلي محاولة أوسع من الحكومة المصرية لتأمين احتياجاتها من السلع الأساسية داخلياً بقدر أكبر، بعد سنوات من تعرض فاتورة الغذاء لضغوط متكررة بسبب الحرب في أوكرانيا، وتقلبات أسعار الشحن والحبوب، وتراجع قيمة الجنيه.

محصول القمح في أرض زراعية مصرية

مزارع القمح في مصر (شترستوك)

مكاسب شراء القمح المحلي

ورغم أن شراء القمح المحلي بسعر أعلى من السعر العالمي يزيد التكلفة المباشرة على الخزانة، فإنه يمنح الحكومة مكاسب أخرى، أبرزها تقليل الحاجة إلى تدبير الدولار لواردات القمح، وتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة محصول استراتيجي، وتحسين المخزون المستخدم في منظومة الخبز المدعوم.

لكن نجاح الموسم الحالي لا يعني أن مصر أصبحت أقل اعتماداً بصورة جوهرية على الخارج، فالفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك ما زالت كبيرة، في بلد يزيد فيه الطلب على الخبز والحبوب مع نمو السكان، ولذلك ستظل واردات القمح، خصوصاً من روسيا ومنطقة البحر الأسود، جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الغذائي المصري خلال السنوات المقبلة.

مع ذلك، يمثل موسم 2026 نقطة تحول مهمة في سياسة القمح المصرية: فبدلاً من الاعتماد فقط على المناقصات الدولية لتأمين الخبز المدعوم، تراهن الحكومة على مزيج من السعر التحفيزي، وتحسين الإنتاجية، وتقليص الفاقد، لرفع مساهمة المزارعين المحليين في واحدة من أكثر السلع حساسية اقتصادياً واجتماعياً في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks