
وجاء هذا الموقف خلال مباحثات وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي مع نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتنسيق المواقف إزاء تطورات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى جانب ملفات الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي.
ويعكس التقارب بين القاهرة وأسمرة رغبة مشتركة في ترسيخ دور الدول المطلة على البحر الأحمر في صياغة مستقبل المنطقة، في ظل تصاعد التنافس الدولي والإقليمي على هذا الممر البحري الذي يمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ويشهد خلال السنوات الأخيرة تناميا في الحضور العسكري والأمني لقوى خارجية تسعى إلى ترسيخ نفوذها.
وتنظر القاهرة إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، نظرا لارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة العالمية، فيما تمثل إريتريا شريكا استراتيجيا بحكم امتلاكها أحد أطول السواحل على البحر الأحمر، وإشرافها على موانئ تقع بالقرب من أهم الممرات البحرية الدولية.
وشكل ملف أمن البحر الأحمر محورا رئيسيا في التفاهمات المصرية الإريترية، إذ شدد الجانبان على أن أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة ينبغي أن تنطلق من توافق الدول الساحلية، مع رفض محاولات فرض أدوار أو وجود عسكري من قبل دول غير مشاطئة.
وتأتي هذه الرسالة في وقت يشهد فيه البحر الأحمر والقرن الأفريقي تصاعدًا في التنافس بين قوى إقليمية ودولية، بعدما تحولت الموانئ والجزر والمواقع البحرية إلى عناصر أساسية في معادلات الأمن والاستراتيجية، خاصة في ظل تداعيات الحرب في اليمن، والأزمة السودانية، والتوترات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
وترى القاهرة أن ضمان استقرار البحر الأحمر يمر عبر تعزيز دور الدول المطلة عليه، بعيدا عن أي ترتيبات قد تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، وهو موقف يتقاطع مع الرؤية الإريترية التي تؤكد باستمرار أهمية احترام سيادة الدول وعدم فرض ترتيبات أمنية من خارج الإقليم.
ويحتل التعاون في مجالي الموانئ والنقل البحري مكانة متقدمة ضمن أجندة البلدين، انطلاقًا من إدراكهما أن الموقع الجغرافي للبحر الأحمر يمكن أن يشكل رافعة للتنمية الاقتصادية، وليس مجرد ساحة للتنافس العسكري.
وتزامنت المباحثات مع استعراض تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، حيث جددت القاهرة تأكيدها على دعم استقرار المنطقة، واحترام سيادة ووحدة أراضي دولها، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها تهديد الأمن الإقليمي.
وترى القاهرة أن دعم مؤسسات الدولة الوطنية في دول المنطقة يمثل الضمانة الأساسية للحفاظ على الاستقرار، وأن أي فراغ سياسي أو أمني قد يفتح المجال أمام تدخلات خارجية أو تمدد جماعات مسلحة تهدد أمن الملاحة وحركة التجارة الدولية.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية في اليمن والصومال والسودان والقرن الأفريقي، يبدو أن القاهرة وأسمرة تمضيان نحو تعميق شراكتهما باعتبارها جزءا من رؤية أوسع تهدف إلى حماية أمن البحر الأحمر، والحفاظ على توازناته الاستراتيجية، والحد من تحوله إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي.