










روكب اليوم
في يونيو/حزيران 1963، جلست “فالنتينا تيريشكوفا ” (Valentina Tereshkova) داخل مركبة “فوستوك 6 ” السوفيتية، لتصبح أول امرأة تغادر الأرض إلى الفضاء. لم تكن مجرد رائدة فضاء تكسر حاجزا بشريا؛ فقد حملت معها إلى المدار سؤالا ظل طويلا يخص الرجال: هل يمكن للمرأة أن تكون جزءا من مستقبل الفضاء؟
وبعد أكثر من 6 عقود، لم يعد حضور النساء في الفضاء يقتصر على من يجلسن داخل المركبات، بل صارت أسماؤهن أيضا تحلق فوق الأرض، وتدور حول الكواكب، وتسير على أسطحها، وتطل من التلسكوبات إلى أعماق الكون.
واللافت أن هذه الأسماء لا تأتي من بلد واحد ولا من ثقافة واحدة. فمن العالمات الحقيقيات مثل “نانسي غريس رومان “، و “روزاليند فرانكلين “، و “كارولين هيرشل “، و “فيرا روبين “، إلى الملكات والإلهات والأميرات في الأساطير الصينية واليابانية واليونانية، أصبحت الأسماء المؤنثة جزءا من قاموس الاستكشاف الفضائي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listمن أول امرأة في المدار إلى نساء يحملن أسماء المركبات
كانت “تيريشكوفا ” أول امرأة تصل إلى الفضاء، لكن الاتحاد السوفيتي لم يسم مركبته باسمها. وبعدها بسنوات، أصبحت “سفيتلانا سافيتسكايا ” أول امرأة تزور محطة فضائية عام 1982، ثم أول امرأة تنفذ نشاطا خارج المركبة عام 1984.
تكشف هذه المفارقة شيئا مهما، هو أن النساء كن حاضرات في تاريخ الرحلات الفضائية قبل أن تصبح أسماؤهن حاضرة على المركبات نفسها.
وفي الولايات المتحدة، ظهرت لاحقا أسماء رائدات فضاء وعالمات على مركبات الإمداد والأقمار الصناعية. فقد حملت مركبات “سيغنوس ” أسماء رائدات فضاء مثل “جانيس فوس “، و “سالي رايد “، و “كالبانا تشاولا “، إلى جانب عالمة الرياضيات “كاثرين جونسون “.
لكن التحول الأهم حدث عندما بدأت المركبات العلمية نفسها تحمل أسماء نساء ارتبطن بالعلم الذي جاءت المركبة لدراسته.
روزاليند فرانكلين.. امرأة تنتظر على المريخ
في أوروبا، يصعب تجاهل اسم “روزاليند فرانكلين ” (Rosalind Franklin)، فقد اختارت وكالة الفضاء الأوروبية اسم العالمة البريطانية لمركبتها الجوالة في برنامج “إكسومارس ” (ExoMars) التي صممت للبحث عن آثار الحياة القديمة على المريخ والحفر في باطن سطحه.
ولم يكن الاسم مجرد تكريم عابر، فقد اختير “روزاليند فرانكلين ” من بين أكثر من 36 ألف اقتراح قدمها مواطنون من الدول الأعضاء في وكالة الفضاء الأوروبية، تكريما للعالمة التي أسهم عملها في علم البلورات بالأشعة السينية في كشف بنية الحمض النووي.
وهنا يصبح الاسم جزءا من رسالة المركبة نفسها: امرأة درست بنية الحياة على الأرض، تحمل اسمها آلة تبحث عن آثار الحياة على عالم آخر.
أما في مجال التلسكوبات، فتأتي “نانسي غريس رومان ” (Nancy Grace Roman) في موقع استثنائي. فقد أصبحت أول رئيسة فلك في ناسا وإحدى أبرز من دفعوا باتجاه إنشاء برنامج الفلك الفضائي، كما ارتبط اسمها مباشرة بالجهود التي جعلت تلسكوب هابل ممكنا.
وبعد إطلاق تلسكوبها في 30 أغسطس/آب 2026، أصبح اسمها مرتبطا بمرصد فضائي سيبحث في الطاقة المظلمة والمادة المظلمة والكواكب خارج المجموعة الشمسية. لكن رومان ليست بداية القصة، بل فصل حديث منها.
كارولين هيرشل.. حين أصبحت السماء تحمل أسماء النساء
قبل “نانسي رومان ” بزمن طويل، كانت “كارولين هيرشل ” (Caroline Herschel) تنظر إلى السماء من أوروبا في القرن الثامن عشر، وتعمل مع شقيقها “وليام هيرشل “، قبل أن تصبح واحدة من أبرز الفلكيات في عصرها.
اكتشفت “كارولين ” عددا من المذنبات والأجرام السماوية، وأسهمت في إعداد فهارس فلكية مهمة. واليوم، يحمل أحد الأقمار الصناعية اسمها، في إشارة إلى امرأة لم تكتف بالنظر إلى السماء، بل ساعدت في توسيع خريطة ما يعرفه البشر عنها.
ولا تقف القائمة عند “كارولين هيرشل “، فقد ظهرت أسماء عالمات بارزات في منشآت ومشروعات فلكية حديثة. تحمل “فيرا روبين ” (Vera Rubin) اسم مرصد “فيرا روبين ” في تشيلي، وهو المرصد الذي ينفذ مسحا واسعا للسماء الجنوبية ضمن مشروع “مسح الإرث للزمان والمكان ” (LSST). وقد جاء إطلاق اسمها تكريما لإسهاماتها في كشف الأدلة الرصدية على وجود المادة المظلمة.
أما “هنرييتا ليفيت ” (Henrietta Leavitt)، فلم يثبت أنها تحمل اسما لمهمة فضائية أو مرصد رئيسي بالمعنى نفسه، لكن إرثها حاضر بقوة في علم الفلك الحديث؛ فقد كرمها الاتحاد الفلكي الدولي (IAU) عام 2025 عندما خصص قائمة المصطلحات الفلكية العالمية بلغة الإشارة لها ولزميلتها “آني جمب كانون “، تقديرا لدورهما في تطوير فهم النجوم.
أما “سيسيليا باين-غابوشكين ” (Cecilia Payne-Gaposchkin)، فالأدق ألا يقال إن اسمها أطلق على مهمة أو مرصد فضائي رئيسي. لكن اسمها حاضر في تاريخ علم الفلك بوصفها صاحبة العمل الذي أثبت أن النجوم تتكون أساسا من الهيدروجين والهيليوم، ولذلك تبقى واحدة من العالمات اللواتي غيّرن فهمنا لطبيعة النجوم وتركيب الكون.
وهكذا، لا تحمل جميع العالمات أسماء مراصد أو مركبات فضائية، لكن تكريمهن اتخذ أشكالا مختلفة: من منشآت فلكية تحمل أسماءهن، مثل مرصد “فيرا روبين “، إلى تخليد إرثهن العلمي في المؤسسات والبرامج الفلكية الحديثة.
الثريا.. فتاة عربية صعد اسمها إلى الفضاء
وللعرب أيضا حكاياتهم النسائية في السماء. فالثريا (Pleiades)، وهي عنقود نجمي مفتوح في كوكبة الثور، لم تكن عند العرب مجرد مجموعة من النجوم، بل حضرت في المخيال العربي بوصفها امرأة، ودخلت في حكاية شعبية شهيرة مع نجم الدبران الذي يبدو في السماء كأنه يتبعها، ولذلك سمي الدبران، أي التابع، وكان يريد خطبتها.
واليوم يحمل اسم الثريا بعدا يتجاوز الشعر والحكاية؛ إذ أصبح اسما لمنظومة أقمار صناعية للاتصالات، لتنتقل كلمة عربية قديمة ارتبطت بفتاة في المخيال العربي، وبعنقود نجمي في السماء، إلى عالم الفضاء الحديث.
الصين.. حين تصعد الالهات الى القمر
لكن قصة “النساء في الفضاء ” لا تخص العالمات وحدهن. ففي الصين، دخلت النساء الأسطوريات إلى برنامج استكشاف القمر. فقد سميت سلسلة المهمات القمرية الصينية “تشانغ آه ” (Chang’e) نسبة إلى الشخصية الأسطورية التي تقول الحكاية الصينية إنها عاشت على القمر.
أما القمر الصناعي الصيني المخصص لرصد الشمس، “شي خه ” (Xihe)، فيحمل اسم إلهة الشمس في الأساطير الصينية.
وهنا يظهر اختلاف ثقافي لافت؛ ففي حين تستخدم البرامج الغربية أسماء عالمات حقيقيات لتخليد إنجاز علمي، تستدعي الصين شخصيات نسائية أسطورية راسخة في الذاكرة الثقافية لتسمية آلات تذهب إلى القمر والشمس.
وفي اليابان، حمل المسبار القمري “كاغويا ” (Kaguya) اسم أميرة القمر في “حكاية قاطع الخيزران “، إحدى أقدم الحكايات اليابانية. وهكذا أصبحت أميرة أسطورية، لا عالمة حقيقية، جزءا من تاريخ استكشاف القمر.
الإلهات في مدارات الكواكب
والأمر أقدم من عصر الصواريخ نفسه. فالكثير من أسماء المهمات الفضائية المؤنثة مستمد من الأساطير القديمة.
فهناك أرتميس ” (Artemis)، إلهة القمر والصيد في الأساطير اليونانية، التي اختارت ناسا اسمها لبرنامج العودة البشرية إلى القمر.
وهناك “جونو ” (Juno)، الإلهة الرومانية التي أصبح اسمها عنوانا لمهمة ناسا التي درست المشتري، وأوروبا (Europa)، إحدى الشخصيات الأسطورية التي تحمل اسمها مهمة “يوروبا كليبر ” المتجهة لدراسة القمر الجليدي للمشتري.
كما نجد “هيرا ” (Hera)، ملكة الآلهة في الأساطير اليونانية، التي أعطت اسمها لمهمة وكالة الفضاء الأوروبية لدراسة الكويكب ديمورفوس بعد تجربة “دارت “.
أما “غايا ” (Gaia)، فهي إلهة الأرض في الميثولوجيا اليونانية، وقد أصبح اسمها عنوانا لأحد أهم مشروعات رسم خريطة نجوم مجرتنا.
وتظهر “باندورا ” (Pandora)، و “سيليني ” (Selene)، و “فينيرا ” (Venera)، وأسماء أخرى ذات جذور أسطورية أو لغوية مؤنثة في تاريخ مهمات استكشاف النظام الشمسي.
لكن ليس كل اسم مؤنث هو بالضرورة اسم امرأة. فبعض الأسماء تشير إلى كواكب أو أقمار أو مفاهيم أو كلمات، ولذلك فإن ظهور صيغة مؤنثة لا يعني تلقائيا تكريما لامرأة حقيقية أو أسطورية.
من هيباتيا إلى ماري كوري.. السماء تتذكر عالماتها
وفي العقود الأخيرة، اتسعت الدائرة أكثر، فبعض الأقمار الصناعية والمشروعات حملت أسماء نساء من تاريخ العلوم، مثل “هيباتيا “، الفلكية والفيلسوفة من الإسكندرية القديمة، و “ماري كوري “، الرائدة في دراسة النشاط الإشعاعي، و “صوفي جيرمان “، و “إيمي نويثر “، و “ليز مايتنر “، وغيرهن.
وهنا تتحول تسمية المركبة إلى نوع من كتابة التاريخ: فكلما أرسلت البشرية آلة جديدة إلى السماء، كان بإمكانها أن تختار اسما يذكر الأجيال بأن العلم لم يكن يوما حكرا على الرجال.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو قصة “نانسي رومان ” منفصلة عن الماضي. فتلسكوبها يقف في سلسلة طويلة تبدأ بعالمات نظرن إلى السماء من مراصد أرضية، وتضم رائدات غادرن الأرض، وعالمات صممن وحللن البيانات، وشخصيات أسطورية تخيلتها الحضارات القديمة وهي تعيش في القمر والسماء.
حين يصبح الاسم نفسه رسالة
ربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في القصة. فقبل عصر الفضاء، رفعت الحضارات القديمة أسماء نسائها إلى السماء عبر الأساطير كإلهات، وأميرات، وشخصيات خارقة عاشت في القصص.
ثم جاء العلم الحديث، فبدأت النساء الحقيقيات بالصعود إلى السماء أمثال “تيريشكوفا ” في “فوستوك 6 “، و “سافيتسكايا ” في محطة الفضاء، وعالمات وفلكيات يعملن خلف كل جيل جديد من المراصد والمركبات.
واليوم، تجتمع الصورتان؛ المرأة الأسطورية والمرأة الحقيقية، القديمة والحديثة، الخيال العلمي والتاريخ العلمي، في أسماء تتحرك فعليا بين الكواكب.
لكن الطموح لم يعد أن تحمل مركبة اسم امرأة فحسب، بل الطموح الأكبر أن تصبح النساء أنفسهن جزءا طبيعيا من كل طبقات المشروع الفضائي: من الفكرة والتصميم والهندسة، إلى قيادة المهمات، وتحليل البيانات، والسير على القمر والمريخ، وبناء المراصد التي ستكشف عوالم لم ترها البشرية من قبل.
فالسماء التي امتلأت ذات يوم بإلهات النساء وأميراتهن في الحكايات، بدأت تمتلئ اليوم بأسمائهن الحقيقية أيضا. فمنذ تيريشكوفا عام 1963، شاركت أكثر من 100 امرأة في رحلات فضائية، توزعت بين الرحلات المدارية المستقلة، ومحطتي “مير ” و “تيانغونغ “، ورحلات المكوك والرحلات التجارية، وصولا إلى الرحلات القمرية الحديثة.
ومن “تشانغ آه ” و “كاغويا ” في الأسطورة، إلى “تيريشكوفا ” و “رومان ” و “روزاليند فرانكلين ” و “هيرشل ” و “روبين ” في التاريخ، يبدو أن المرأة لم تعد مجرد شخصية في قصة الفضاء؛ بل أصبحت واحدة من كاتبات قصته.