

روكب اليوم
Published On 13/10/2026
|آخر تحديث: 13:09 (توقيت مكة)
من التلغراف الذي نقل الأوامر إلى جبهات القتال، إلى الشبكات الرقمية التي تربط مليارات المستخدمين اليوم، ارتبط تطور الاتصالات بمحطات تاريخية دفعت فيها الحروب والصراعات الدول إلى تسريع أبحاثها التقنية، فقد رفعت المواجهات العسكرية أهمية نقل المعلومات بسرعة ودفعت نحو حماية الرسائل من الاعتراض ومعالجة البيانات بكفاءة والحفاظ على الاتصال رغم تعطل البنية التحتية.
فلم تكن الحروب المصدر الوحيد لهذه الابتكارات، لكنها وفرت تمويلا وأوجدت تحديات دفعت إلى تطوير تقنيات سبقت بعضها الاستخدامات المدنية بسنوات، قبل أن تنتقل تطبيقات منها إلى الجامعات والشركات والحياة اليومية.
من التلغراف إلى الاتصالات اللاسلكية
سبقت تقنيات التلغراف والهاتف الحربين العالميتين بعقود، لكن الحروب وسعت استخداماتها العسكرية وأظهرت أهمية الاتصال السريع في إدارة العمليات، فخلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، اعتمدت الجيوش على خطوط الهاتف والتلغراف لنقل الأوامر بين مراكز القيادة والجبهات، خصوصا في ساحات القتال الممتدة عبر الخنادق.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوواجهت هذه الوسائل قيودا واضحة، إذ كان القصف يقطع الأسلاك، كما تطلب تمديدها وصيانتها في مناطق القتال وقتا وجهدا، وأسهمت هذه المشكلات في تعزيز الاهتمام بالاتصالات اللاسلكية التي أتاحت نقل الرسائل دون الحاجة إلى خطوط مادية تصل بين جميع المواقع.
ومع تطور أجهزة الراديو، ازدادت قدرة القوات البرية والبحرية والجوية على تبادل المعلومات أثناء الحركة، غير أن الإرسال اللاسلكي أوجد تحديات جديدة، أبرزها اعتراض الإشارات والتشويش عليها، ما جعل حماية الاتصالات جزءا أساسيا من التطور التقني.
وخلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ازدادت أهمية هذه التقنيات مع اتساع العمليات العسكرية وتعدد مسارح القتال، فلم يقتصر التطور على تحسين أجهزة الإرسال والاستقبال، بل امتد إلى أنظمة الكشف عن الأهداف ووسائل تشفير الرسائل ومعالجتها.
الرادار والتشفير.. سباق لمعالجة المعلومات
كان الرادار من أبرز التقنيات التي اكتسبت أهمية عسكرية كبيرة قبيل الحرب العالمية الثانية وخلالها، وطورت بريطانيا شبكة تشين هوم (Chain Home)، التي دخلت الخدمة عام 1938، للكشف عن الطائرات القادمة باستخدام موجات الراديو، وأسهمت الشبكة في تحسين قدرة الدفاعات البريطانية على رصد الهجمات الجوية والاستعداد لها.
ومع تقدم الحرب، تطورت أنظمة الرادار وتوسعت تطبيقاتها، بما في ذلك استخدامات جوية وبحرية، وانتقلت مبادئ هذه التقنية لاحقا إلى مجالات مدنية، مثل الملاحة الجوية والبحرية والأرصاد الجوية، ما يوضح كيف يمكن للحاجة العسكرية أن تسرّع تطوير تقنية تتسع استخداماتها بعد ذلك.
وفي مجال آخر، فرضت حماية الاتصالات تحديا متزايدا على الجيوش، فقد استخدمت ألمانيا آلة إنغما (Enigma) لتشفير الرسائل، فيما عمل علماء رياضيات ومهندسون في مركز بلتشلي بارك البريطاني على فك الشفرات، وسبقت ذلك جهود بولندية مهمة في تحليل إنغما، ونقلت نتائج منها إلى الحلفاء عام 1939.
ومع تزايد حجم الرسائل وتعقيدها، ظهرت الحاجة إلى استخدام الآلات لتسريع تحليل البيانات، حيث طوّر المهندس البريطاني تومي فلاورز حاسوب كولوسوس (Colossus)، الذي استخدم عام 1944 للمساعدة في تحليل الشفرات الألمانية الناتجة عن آلة لورنتس.
كان كولوسوس حاسوبا إلكترونيا رقميا قابلا للبرمجة، لكنه صمم لمهمة متخصصة، ولم يكن حاسوبا عاما بالمعنى الحديث، ومع ذلك، مثل استخدامه خطوة مهمة في توظيف الإلكترونيات لمعالجة المعلومات بسرعة، في وقت كانت فيه السرية والقدرة على تحليل الرسائل عاملين مؤثرين في العمليات العسكرية.
الحرب الباردة.. الطريق نحو شبكات الحواسيب
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل التنافس بين القوى الكبرى إلى الحرب الباردة، التي شهدت سباقا نوويا وتوسعا في الأبحاث العلمية والعسكرية، وأصبحت الحواسيب مهمة للحسابات المعقدة وتحليل البيانات، لكن ارتفاع تكلفتها وصعوبة الوصول إليها عن بعد حدّا من مشاركة الموارد الحاسوبية بين المؤسسات.
في هذا السياق، أنشأت الولايات المتحدة وكالة المشاريع البحثية المتقدمة إيه آر بي إيه (ARPA) عام 1958 لدعم الأبحاث المتقدمة ذات الأهمية الإستراتيجية، وخلال الستينيات، تزايد الاهتمام بربط الحواسيب في الجامعات ومراكز الأبحاث، بما يتيح تبادل البيانات والاستفادة من الموارد المتاحة في مواقع مختلفة.
وتوضح جمعية الإنترنت أن تطوير الشبكات لم يكن نتيجة مشروع واحد، فقد أسهمت أبحاث متوازية في الولايات المتحدة وبريطانيا في بلورة مفهوم تبديل الحزم، فدرس الباحث الأمريكي بول باران شبكات اتصالات موزعة، فيما طور البريطاني دونالد ديفيز أفكارا مستقلة لنقل البيانات في وحدات صغيرة تعرف باسم الحزم.
وتقوم تقنية تبديل الحزم على تقسيم البيانات إلى أجزاء صغيرة ترسل عبر الشبكة، ثم يعاد تجميعها عند وصولها إلى وجهتها، وأتاح هذا النهج استخدام موارد الشبكة بكفاءة أكبر، بدل الاعتماد دائما على مسار اتصال مخصص طوال مدة التواصل.
ورغم ارتباط بعض الأبحاث بمخاوف عسكرية تتعلق باستمرارية الاتصالات، فإن القول إن الإنترنت اخترع ببساطة لمواجهة ضربة نووية يختزل تاريخا أكثر تعقيدا، فقد ارتبط مشروع الشبكة أيضا بمشاركة الموارد الحاسوبية وتبادل البيانات بين الباحثين، بينما أسهمت أبحاث الشبكات الموزعة في تطوير أفكار عن المرونة في مواجهة الأعطال.
أربانت.. إحدى اللبنات الأساسية للإنترنت
في عام 1969، بدأت شبكة أربانت (ARPANET) العمل بأربع عقد حاسوبية في مؤسسات بحثية أمريكية، ووفقا لوكالة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة الأمريكية، أرسل أول اتصال بين حاسوبين على الشبكة في 29 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، بين جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس ومعهد ستانفورد للأبحاث.
أتاحت الشبكة للباحثين تبادل البيانات والاستفادة من الحواسيب البعيدة، ومع توسعها، أصبحت بيئة لاختبار أساليب جديدة في الاتصال، وظهر البريد الإلكتروني أحد أبرز تطبيقاتها في سنواتها الأولى.
لكن أربانت لم تكن الإنترنت بصورته الحالية، فقد احتاج ربط الشبكات المختلفة إلى بروتوكولات موحدة، وعمل الباحثان روبرت كان وفينت سيرف خلال السبعينيات على تطوير بروتوكولات التحكم في الإرسال والإنترنت (TCP/IP)، التي سمحت بتبادل البيانات بين شبكات متنوعة، واعتمدت أربانت هذه البروتوكولات في 1 يناير/كانون الثاني 1983، وهي محطة أساسية في تطور الإنترنت.
ومع انتشار الشبكات وتوسع استخداماتها الأكاديمية والتجارية، تراجعت أهمية أربانت تدريجيا، وأُوقفت عام 1989، ولم يكن الانتقال إلى الإنترنت العالمي نتيجة خطوة واحدة، بل حصيلة أبحاث متراكمة وتعاون بين مؤسسات حكومية وجامعات وشركات، إلى جانب تطور البنية التحتية للحواسيب والاتصالات.
من الاستخدام العسكري إلى الحياة اليومية
انتقلت تقنيات عدة ارتبط تطورها بالحروب إلى مجالات مدنية، لكن انتقالها لم يكن مباشرا أو متطابقا في جميع الحالات، فقد توسعت استخدامات الرادار في الطيران والملاحة والأرصاد الجوية، وأسهمت تجارب الحوسبة العسكرية في إبراز إمكانات معالجة المعلومات إلكترونيا. أما الإنترنت، فاحتاج إلى تطوير معايير مشتركة وبنية تحتية وشبكات مفتوحة للتواصل بين أنظمة مختلفة.
وتوضح هذه الرحلة أن الحروب لم تخترع جميع تقنيات الاتصالات، لكنها زادت الضغط لتطوير وسائل أسرع وأكثر أمانا ومرونة، فقد بدأت بعض الابتكارات بأهداف عسكرية محددة، ثم اتسعت تطبيقاتها مع تقدم البحث العلمي وتغير احتياجات المجتمع والاقتصاد.
في المحصلة، لم يظهر الإنترنت بوصفه اختراعا عسكريا مكتملا انتقل إلى الجمهور، بل نتاج مسار طويل تداخلت فيه متطلبات الدفاع مع البحث الأكاديمي والابتكار الصناعي، ومن خطوط الهاتف في الخنادق إلى الشبكات الرقمية العالمية، تكشف هذه التجربة كيف يمكن للصراعات أن تسرع التطور التقني، فيما يعتمد تحويل نتائجه إلى منفعة عامة على تعاون علمي ومؤسسي يتجاوز ساحات القتال.