
روكب اليوم
تستهدف الضربات الأمريكية تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة في هرمز، لكن الجغرافيا والرد الإقليمي يفرضان كلفة مرتفعة على رهان الضغط العسكري والاقتصادي لإحداث تغيير داخل طهران.
وتتسع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على أكثر من جبهة، من الضربات على مواقع الحرس الثوري قرب الساحل الإيراني ومضيق هرمز، إلى الردود التي طالت أهدافا وقواعد مرتبطة بالوجود الأمريكي في دول بالمنطقة. وفي خلفية التصعيد، لا يبدو الصراع محصورا في تبادل الضربات، بل يمتد إلى اختبار قدرة كل طرف على فرض شروطه السياسية عبر الضغط العسكري والاقتصادي.
وفي حين تراهن واشنطن على إضعاف أدوات الردع الإيرانية، خصوصا في البحر، يطرح الخبير الإستراتيجي والأمني اللواء محمد عبد الواحد 3 سيناريوهات محتملة للضغط على النظام في طهران:
- الضغط الاقتصادي لتحريك الشارع
- استثمار المناطق الحدودية
- إمكان التصدع داخل مؤسسات الحكم والأمن
لكن هذه السيناريوهات لا تتحرك في فراغ. فالضربات الأمريكية التي تستهدف تقليص القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة تفتح في المقابل، بابا لرد إيراني أوسع يرفع كلفة الحرب على القواعد الأمريكية ودول الإقليم وأسواق الطاقة.
هرمز.. الهدف العسكري وحدود القوة
وبحسب موقع “أكسيوس ” (Axios)، نقلا عن مسؤولين أمريكيين، استهدفت الضربات نحو 100 موقع داخل إيران، بعد هجوم صاروخي على قاعدة أمريكية في الأردن. وشملت الضربات مناطق ساحلية وجزرا قريبة من المضيق، من بينها بندر عباس وقشم وهرمز وجاسك، إلى جانب مواقع في محافظات إيرانية أخرى.
وتشير النافذة العسكرية نقلا عن معهد دراسات الحرب، إلى تدمير منصات إطلاق صواريخ من طراز فجر-5 في جزيرة لارك كانت معدة لزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز. كما استهدفت الضربات مراكز قيادة وسيطرة ورادارات ودفاعات جوية، في مسعى لتقليص قدرة إيران على رصد السفن وتوجيه الصواريخ أو إدارة عمليات بحرية ضد الملاحة.
ولا يحتاج تعطيل الملاحة، وفق قراءة العميد الركن المتقاعد حسن جوني، إلى إغلاق كامل للمضيق أو مواجهة بحرية واسعة. فمجرد تهديد موثوق بالصواريخ أو المسيّرات أو الألغام قد يدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تعليق العبور، لأن النقل التجاري يحتاج إلى مستوى عال من الاستقرار والأمان.
وهنا تتضح معضلة واشنطن، في أنها تستطيع إضعاف بعض القدرات الإيرانية، لكنها لا تضمن إزالة قدرة طهران على إنتاج الخطر نفسه، خصوصا في معركة غير متماثلة تمنح الجغرافيا فيها الطرف الأضعف أدوات ضغط لا تتناسب مع حجمه العسكري التقليدي.
السيناريو الأول: إنهاك الداخل وتحريك الشارع
يرى اللواء محمد عبد الواحد أن العقوبات والضغوط الاقتصادية تمثل مدخلا أساسيا لتهيئة مناخ داخلي ضاغط على النظام الإيراني، عبر تراجع القدرة المعيشية وتوسيع حالة السخط الاجتماعي.
ويتصل هذا المسار برهان على أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى احتجاجات واسعة قد تربك القرار في طهران. لكنه يضع عليه قيدا أساسيا وهو أن الحراك الشعبي لا يتحرك بالوتيرة نفسها في ظروف الحرب.
ففي وقت التهديد الخارجي، تميل السلطة إلى تشديد الإجراءات الأمنية وتعبئة خطاب الدفاع عن الدولة، بينما قد يتراجع استعداد قطاعات من المجتمع للاحتجاج خشية الفوضى أو رفضا للظهور في موقع يفسر على أنه خدمة للخصم الخارجي.
لذلك، لا ينفي هذا السيناريو وجود ضغوط اقتصادية أو احتقان داخلي، لكنه يعني أن تحويل السخط إلى فعل سياسي منظم ليس نتيجة تلقائية للعقوبات. وقد تكون الحرب نفسها عاملا يمنح السلطة وقتا إضافيا لتقوية التماسك الداخلي بدل إضعافه.
2- الحدود والمعارضة المسلحة
السيناريو الثاني، بحسب عبد الواحد، يرتبط باحتمال توظيف الأطراف الحدودية لإرباك السيطرة الأمنية الإيرانية، خاصة في المناطق التي تتداخل فيها الجغرافيا المعقدة مع وجود جماعات معارضة أو مسلحة.
ويطرح الخبير أن تركيز أي ضربات محتملة على مناطق الحدود، وخصوصا جهة كردستان العراق، قد يحمل دلالة على محاولة إضعاف حرس الحدود والأمن الداخلي، بما يفتح مجالا لتسلل قوى معارضة مسلحة إلى الداخل.
لكن هذا الطرح يبقى تقديرا أمنيا للخبير، وليس دليلا على وجود خطة أمريكية معلنة أو تحرك ميداني مؤكد رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب السابقة حول ذلك. كما أن دفع الصراع نحو الحدود يحمل مخاطر تتجاوز إيران نفسها، لأن أي نشاط مسلح عابر للحدود يمكن أن يفرض أعباء أمنية وسياسية على دول الجوار.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن توسيع الضغط خارج المركز الإيراني قد يحول المواجهة من صراع بين واشنطن وطهران إلى أزمة أمنية إقليمية أكثر تعقيدا.
3- التمرد العسكري أم تماسك المؤسسة؟
أما السيناريو الثالث فيتعلق باحتمال نشوء تمرد أو انقسام من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية تحت ضغط الحرب والعقوبات والخسائر. لكن عبد الواحد يستبعد انقلابا عسكريا مباشرا في المرحلة الحالية، ويرى أن الظروف داخل المؤسسة العسكرية لا تبدو مهيأة لتحرك من هذا النوع.
ولا يعني ذلك أن الضغوط لا تترك أثرا على بنية الحكم، لكنها قد تظهر في صورة خلافات بشأن إدارة الحرب أو الاقتصاد أو حدود التفاوض، لا في شكل انهيار سريع أو تغيير فوري في النظام.
وهذا يضعف التصورات التي تقدم الضغط العسكري بوصفه طريقا مختصرا لتغيير الحكم في طهران. فالأنظمة التي تواجه تهديدا خارجيا قد تدخل في صراعات داخلية، لكنها قد تميل أيضا إلى مزيد من الانضباط الأمني والتماسك المؤقت.
الرد الإقليمي.. كلفة لا تبقى داخل إيران
لم تقتصر المعركة على الساحل الإيراني وهرمز. فبحسب التحليل العسكري، أعلنت إيران استهداف قواعد أو مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة في البحرين والكويت والأردن وأربيل بالعراق.
وأعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة الشيخ عيسى في البحرين وقاعدة علي السالم في الكويت، في حين تحدثت بيانات رسمية في دول بالمنطقة عن اعتراض صواريخ ومسيّرات. كما عرض التقرير معلومات عن اعتراض الدفاعات الأردنية صواريخ استهدفت مناطق ومنشآت عسكرية داخل المملكة.
وتكشف هذه الردود أن طهران تحاول نقل كلفة المواجهة إلى المجال الإقليمي. فبدلا من حصر الضغط داخل أراضيها، تسعى إلى تذكير واشنطن وحلفائها بأن القواعد المنتشرة في المنطقة يمكن أن تصبح جزءا من المعركة.
وهذا ما يزيد صعوبة الرهان على الحسم العسكري. فالضربات قد تضعف قدرات إيرانية محددة، لكنها تفتح أيضا احتمالات رد موزع جغرافيا، تتأثر به دول الخليج والعراق والأردن، فضلا عن حركة الطاقة والشحن.
بين هرمز والتفاوض
وتكشف معركة هرمز حدود فكرة الضغط الصرف. فالولايات المتحدة تملك قدرة كبيرة على ضرب المنشآت العسكرية والبنى المرتبطة بالتهديد البحري، لكن إيران تحتفظ بأدوات تجعل من أمن الملاحة ملفا سياسيا وعسكريا في آن واحد.
وفي هذا السياق، تبدو الوساطات الإقليمية ومحاولات خفض التصعيد جزءا من المعادلة، لا مجرد تفصيل دبلوماسي. فقد أعلنت قطر وجود جهود لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإعادة فتح مضيق هرمز.
وبينما تتبادل واشنطن وطهران الضربات، لا تبدو السيناريوهات الثلاثة التي يطرحها عبد الواحد طريقا مضمونا لتغيير النظام في طهران. فالضغط الاقتصادي قد لا يحرك الشارع في زمن الحرب، والحدود قد تفتح فوضى إقليمية، والانقلاب العسكري يبقى مستبعدا في تقدير الخبير.
لذلك، قد يكون الهدف الأكثر واقعية من الضغط العسكري والاقتصادي هو دفع طهران إلى تفاوض بشروط جديدة، لا صناعة تغيير سريع داخل بنية الحكم. وفي هذه المعادلة، يبقى هرمز أكثر من ممر بحري: إنه ورقة تحدد حدود القوة وكلفة التصعيد وفرص العودة إلى السياسة.