روكب اليوم
2026-09-29 08:33:00
(روكب اليوم)– شكّلت عجائب أوغندا الطبيعية مصدر إلهام للمسافرين لألفي عام، إذ تتمتع البلاد بتنوع مذهل من جبالها المكسوة بالثلوج وصولاً إلى شواطئها الاستوائية. مع ذلك، ظلّت مناطقها الداخلية محاطة بالغموض.
لطالما ساد الاعتقاد بأنّ أوغندا هي منبع أطول نهر في العالم، إذ تعود التكهنات حول مصدر نهر النيل إلى عام 150 ميلادي، عندما ادّعى عالم الفلك والجغرافيا اليوناني بطليموس أنّ النهر ينبع من بحيرتين توأمين تقعان في “جبال القمر”.
حاولت أجيال من التجار والمبشرين والمستعمرين تتبع مسار النهر، لكنهم واجهوا عوائق حالت دون تقدمهم، تمثلت في مستنقعات، وشلالات، ومنحدرات مائية يستحيل عبورها.
في منتصف القرن الـ 19، أصبح اكتشاف منبع النهر هاجساً للمستكشفين من العصر الفيكتوري، الذين تنافسوا للعثور عليه.

في نهاية المطاف، حُدِّد موقع “شلالات ريبون” (Ripon Falls)، التي تقع في أوغندا حالياً، باعتباره المنبع، ما منح هذا الموقع الهادئ على ضفاف بحيرة فيكتوريا مكانة مميزة، ليزدهر لاحقاً كوجهة سياحية بارزة.
لكن الواقع الجغرافي كان أكثر تعقيداً، إذ يُغذَّى نهر النيل عبر شبكة واسعة من الروافد التي تمتد في عمق أراضي رواندا وبوروندي.
مع أنّ الجزء الأكبر من مياه النهر يأتي من النيل الأزرق في إثيوبيا، إلا أنّ تدفقاً هائلاً لمياه النيل الأبيض يبدأ من هنا، حيث تندفع المياه من بحيرة فيكتوريا تحت قمم جبلية، لتُعيد إلى الأذهان روايات بطليموس القديمة.

طرأت تغيرات كبيرة على الموقع الذي حُدِّد سابقاً كمنبع للنهر خلال القرن الماضي، إذ أدّى إنشاء سد لتوليد الطاقة الكهرومائية، واكتمل بناؤه عام 1954، إلى غمر معظم الشلالات بالمياه.
مؤخرًا، تسبّب سد “بوجاجالي” عام 2012 في غمر جزء من النهر كان يُعد وجهة شهيرة لرياضة التجديف.
ويضم الموقع متجراً عائماً للهدايا التذكارية ومنصة صغيرة للالتقاط الصور.
لا يقلّل كل هذا من روعة التجربة المتمثلة في عبور بحيرة فيكتوريا لمشاهدة الموقع الذي تدعي أوغندا أنّه منبع النهر.
بالنسبة لمعلم شهير مثل منابع نهر النيل، لا تزال ضفاف النهر القريبة محتفظة بطابعها الطبيعي بعيداً عن الزحف العمراني التجاري.

ويقول مدير شركة “Jinja Tours” التي تنظم رحلات سياحية في المنطقة إيدي كيريا: “تتميز المنطقة المحيطة بجينجا بجمال خاص يجذب السياح، ويتوافد الآلاف منهم لمشاهدة منبع النيل والتعرف على قصته وتاريخه”.

لا تزال بلدة جينجا تحتفظ بطابع المراكز الاستعمارية القديمة المُتربة على طول شارعها الرئيسي، حيث تفوق أعداد متاجر الأدوات والمعدات، ومحلات خدمات الهواتف المحمولة، والمتاجر المحلية الصغيرة أعداد متاجر الهدايا التذكارية.
كما يستطيع الزوار رؤية الآثار المتبقية للجالية الهندية التي ازدهرت هنا في القرن الـ 19 قبل أن يأمر الديكتاتور عيدي أمين بطرد أفرادها في السبعينيات، ومن بينها المعابد الهندوسية القديمة التي لا تزال قائمة.
أمّا “جبال القمر” الحقيقية، فهي ليست تلك التي تحيط ببحيرة فيكتوريا، بل هي قمم جبال “روينزوري” الجليدية الواقعة على الحدود مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، على بعد حوالي 390 كيلومترًا إلى الغرب.
تضم السلسلة جبل “ستانلي”، ثالث أعلى قمة في إفريقيا، الذي يعلو فوق حديقة وطنية تحتضن نباتات وحيوانات غير متواجدة في أي مكان آخر حول العالم.

يجدر التوقف أيضًا عند غابة “مابيرا”، الموجودة في موقع استراتيجي بين كمبالا وبلدة جينجا. وهي محمية استوائية تمتد على مساحة 300 كيلومتر مربع تقريبًا وتضم أكثر من 300 نوع من الأشجار.
ويقول شاليف وانغوبو، الذي يعمل مرشداً سياحياً للمواقع الطبيعية في أوغندا: “تُعد هذه الغابة أكبر كتلة حرجية في منطقة حوض بحيرة فيكتوريا، التي تشمل أوغندا، وكينيا، وتنزانيا، وبوروندي، ورواندا”.
هناك، اتخذت جهود الحفاظ على البيئة طابعاً فنياً لمكافحة قطع الأشجار غير القانوني، إذ قام فنانون برسم وجوه على جذوع الأشجار الأكثر عرضة للخطر نظراً لقربها من الطريق السريع، لمنحها حضوراً لافتاً.

في شلالات “سيزيبوا” القريبة، يتجلى البُعد الروحي بشكل واضح.
تتميز هذه الشلالات، التي يسهل الوصول إليها من كمبالا، بارتباطها الوثيق بالأساطير المحلية، فهي تُعد موقعاً يحظى بالتبجيل والقدسية بقدر ما تُعد معلماً طبيعياً خلاباً.
ويقول وانغوبو: “من الناحية الثقافية، يُعتقد أنّ الشلالات وُلدت فحسب” كما يُولد البشر، مضيفًا: “تنتشر رواية بأنّ النهر عبارة عن توأم”.
تنصّ الأسطورة أنّ امرأة تُدعى ناكونغو تيباتوسا تركت زوجها بعد خلاف دار بينهما، ومن ثمّ أنجبت توأماً على هيئة نهرين: “سيزيبوا” و”موبيا”.
شكّل نهر “موبيا” شلالاً خاصاً به أثناء شق طريقه نحو بحيرة فيكتوريا، بينما احتاج نهر “سيزيبوا” إلى المساعدة لشق مساره، وجاءت هذه المساعدة على هيئة روح متجسدة في صورة ثعبان.
يُقال إنّ هذه الروح، بهيئتها تلك، تتردد على كهف يقع بالقرب من الشلال، وتوضع له القرابين يوميًا.
يقع الكهف على المسار المؤدي إلى قمة الشلالات، بينما يوجد على الجانب الآخر الموقع الذي أقام فيه ملك بوغندا، كاباكا موانغا، معسكراً عام 1889، في فترة شهدت مقاومة شديدة للاستعمار.
إلى الشمال، يشق نهر النيل طريقه بقوة عبر صدع يبلغ اتساعه 6 أمتار عند شلالات “مورشيسون”، لينحدر بعدها بقوة داخل أخدود مهيب.
أمضى المستكشفون في العصر الفيكتوري عقوداً وهم يحاولون تحديد منبع نهر النيل بدقة، لكن السفر عبر بحيرات أوغندا وغاباتها وقممها الجبلية يكشف أنّ البلاد حاضنة للعديد من العجائب الطبيعية الأخرى.