


روكب اليوم
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان نادي ليدز يونايتد الإنجليزي يشتري قمصان لاعبيه البيضاء من متجر محلي، يتولى صاحبه تطريز شعار الفريق عليها قبل المباريات. اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، أصبحت شركات الملابس الرياضية تدفع مئات الملايين للأندية والاتحادات الوطنية مقابل حق تصنيع قمصانها، فيما تقدر قيمة بعض العقود الحديثة بنحو مليار جنيه إسترليني.
ففي يوليو/تموز 2025، جدد مانشستر سيتي الإنجليزي شراكته مع شركة “بوما” الألمانية في اتفاق قدرت قيمته بأكثر من مليار دولار أمريكي على مدى 10 سنوات، بينما توصل الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى اتفاق مع شركة “نايكي” الأمريكية يدر عليه أكثر من 100 مليون يورو سنويا، اعتبارا من موسم (2026-2027).
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listلم يعد القميص مجرد ملابس يستخدمها اللاعبون خلال المباريات، بعدما تحول إلى منتج تجاري يباع لملايين المشجعين حول العالم، ومساحة إعلانية تتنافس عليها الشركات، وأداة تسويقية تستفيد من شعبية الأندية والمنتخبات ونجومها.
تستفيد الأندية الكبرى اليوم من ثلاثة مصادر مرتبطة بالقمصان، هي عقود تصنيع الملابس، ورعاية المساحات الإعلانية، وعوائد بيع المنتجات الرسمية. وتمثل هذه الأنشطة جزءا من إيرادات تجارية بلغت 5.3 مليارات يورو لأغنى 20 ناديا في العالم خلال موسم (2024-2025)، وفقا لتقرير شركة “ديلويت” للاستشارات المالية، وإن كانت الحصيلة تشمل أنشطة تجارية أخرى.
لكن العلاقة بين الشركات والمنتخبات تختلف عن نظيرتها مع الأندية، إذ يسمح الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بظهور شعار الشركة المصنعة على قميص المنتخب، بينما يحظر الإعلانات التجارية للرعاة على ملابس المباريات، مما دفع الاتحادات الوطنية إلى استثمار قمصان التدريب والأنشطة التسويقية الأخرى ضمن الحدود التي تسمح بها اللوائح.
ويرتبط هذا التحول بتاريخ طويل من القرارات التجارية والتنظيمية، بدأ عندما أدركت شركات الملابس أن بإمكانها بيع قمصان مطابقة لما يرتديه اللاعبون، قبل أن ترفع عمليات انتشار البث التلفزيوني وانفتاح الأسواق الدولية من قيمة الظهور على القميص، وتدخل الشركات في منافسة متزايدة للحصول على حقوق تصنيعه أو الإعلان عليه.
كيف بدأت الأندية تتقاضى أموالا مقابل القمصان؟
في عام 1973، عرض بيرت باتريك، مالك شركة “أدميرال” البريطانية للملابس الرياضية، على مدرب ليدز يونايتد دون ريفي اتفاقا لم يكن مألوفا في كرة القدم الإنجليزية آنذاك.
فبدلا من استمرار النادي في شراء الملابس من الموردين، اقترح باتريك أن تتولى شركته تصميم قمصان حصرية لليدز، والحصول على حق إنتاج نسخ مطابقة لبيعها للمشجعين، مقابل دفع مبلغ مالي للنادي.
وكان ليدز يشتري قمصانه البيضاء من متجر “جيمس فرو سبورتس أوتفترز”، الذي يديره لاعب سابق في النادي، ويتولى تطريز شعاره عليها، دون وجود اتفاق تجاري حصري مع شركة للملابس الرياضية.
ووافق ريفي على المقترح، مع اشتراط الحفاظ على اللون الأبيض للقميص الأساسي، بينما حصلت “أدميرال” على حرية أوسع في تصميم الملابس الاحتياطية وملابس التدريب.
ووفقا لدراسة أكاديمية نشرت عام 2015 في دورية “سبورت إن هيستوري”، فقد دفعت الشركة 10 آلاف جنيه إسترليني مقابل الحقوق الحصرية لتصنيع الملابس وبيعها، مع احتساب حصة للنادي بنسبة 5% من المبيعات ضمن الترتيبات المالية.
واستفادت “أدميرال” من قانون حقوق الملكية الفكرية البريطاني الصادر عام 1968 لحماية تصاميم القمصان، ومنع الشركات المنافسة من إنتاج نسخ مطابقة دون ترخيص.
وجاء الاتفاق في توقيت مناسب، إذ توج ليدز بلقب الدوري الإنجليزي موسم (1973-1974)، مما ساعد على زيادة الطلب على القمصان الرسمية، ولا سيما بين المشجعين الصغار الراغبين في ارتداء الملابس التي يستخدمها لاعبوهم المفضلون.
وكانت أهمية الصفقة تتجاوز قيمتها المالية، بعدما منحت الشركة حق استغلال تصميم مرتبط بناد جماهيري، وحصل ليدز على دخل من بيع منتج لم يكن يستثمره تجاريا بصورة منظمة.
وسرعان ما اتجهت الأندية الإنجليزية الأخرى إلى إبرام عقود مماثلة، لتصبح حقوق تصنيع الملابس وتسويقها موردا ماليا قائما بذاته، بعدما كانت تكلفتها تدخل ضمن مصروفات الفرق.
لكن الاتفاق كان يتعلق بشعار الشركة المصنعة وحقوق بيع المنتجات، بينما كان نوع آخر من الرعاية يبدأ بالظهور في أوروبا، يقوم على دفع الشركات التجارية مقابل الإعلان على صدور قمصان اللاعبين.
غزال على صدر القميص يفتح سوق الإعلانات
شهدت كرة القدم الأوروبية تجارب مبكرة للإعلان التجاري على القمصان، من بينها وضع شعار شركة جعة على ملابس أوستريا فيينا النمساوي عام 1966، وفقا للاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”.
لكن التحول الأبرز في ألمانيا بدأ عام 1973، عندما دخل نادي آينتراخت براونشفايغ في خلاف مع الاتحاد المحلي بسبب رغبته في الإعلان لشركة “ياغرمايستر” للمشروبات الكحولية.
ففي 9 يناير/كانون الثاني من ذلك العام، وافق أعضاء النادي على استبدال صورة الأسد الأحمر الموجودة في شعاره برأس غزال مأخوذ من العلامة التجارية للشركة، بعد اتفاق مع مديرها غونتر ماست.
وصوت 145 عضوا لمصلحة القرار، مقابل 7 معارضين و3 ممتنعين، بعدما وافقت الشركة على دفع 500 ألف مارك ألماني للنادي على مدى 5 سنوات، بواقع 100 ألف مارك سنويا.
وحاول براونشفايغ تجاوز الحظر الذي كان يفرضه الاتحاد الألماني على الإعلانات التجارية، من خلال اعتبار الغزال جزءا من الشعار الرسمي للنادي، لكن الخلاف استمر عدة أسابيع بشأن قانونية استخدامه وحجمه.
وفي 24 مارس/آذار 1973، ظهر براونشفايغ لأول مرة بالشعار الجديد خلال مباراة أمام شالكه انتهت بالتعادل (1-1)، بعدما سمح الاتحاد باستخدام الغزال بقطر 14 سنتيمترا، مع إضافة الحرفين الأولين من اسم النادي.
وبعد نحو 7 أشهر، عدل الاتحاد الألماني لوائحه وسمح رسميا بالإعلانات التجارية على القمصان، لتنتقل الفكرة تدريجيا إلى الأندية الأخرى.
وفي إنجلترا، اصطدم نادي كيتيرينغ تاون بقيود مماثلة عام 1976، بعدما وضع اسم شركة محلية لإطارات السيارات على قمصانه، قبل أن يأمره الاتحاد الإنجليزي بإزالة الإعلان.
وبعد السماح بالرعاية التجارية عام 1977، توسعت الاتفاقات بين الأندية والشركات، وكان من أبرزها تعاقد ليفربول مع “هيتاشي” اليابانية للإلكترونيات عام 1979، بقيمة تقارب 50 ألف جنيه إسترليني سنويا.
وتزامن انتشار هذه العقود مع زيادة البث التلفزيوني للمباريات، مما رفع قيمة ظهور الشعارات التجارية، بعدما أصبحت الشركة قادرة على الوصول إلى جمهور يتجاوز المشجعين الموجودين في المدرجات.
كيف دخلت المنتخبات الوطنية سوق القمصان؟
لم تكن المنتخبات بعيدة عن التحول التجاري، لكنها احتفظت بعلاقة مختلفة مع شركات الملابس، ارتبطت في بدايتها بتوفير المعدات أكثر من ارتباطها بحقوق التسويق والرعاية.
ففي البرازيل، كانت شركة “أثليتا” المحلية من أبرز موردي ملابس المنتخب خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وارتبط اسمها بالألقاب الثلاثة الأولى التي حققها المنتخب في كأس العالم أعوام 1958 و1962 و1970.
ويوثق متحف كرة القدم البرازيلي أن المنتخب استخدم ملابس من شركتي “أثليتا” و”أمبرو” خلال مونديال المكسيك عام 1970، بل جرى التناوب بين منتجات الشركتين خلال بعض المباريات، بينما ارتدى اللاعبون قمصان “أمبرو” في النهائي أمام إيطاليا.
وكانت صناعة القمصان آنذاك أقرب إلى التوريد التقليدي، قبل أن تبدأ الشركات في تطوير منتجات تحمل هوية المنتخبات ويمكن تسويق نسخ منها للجماهير.
وفي إنجلترا، امتد نشاط شركة “أدميرال” من الأندية إلى المنتخب الوطني عام 1974، عندما توصلت إلى اتفاق مع الاتحاد الإنجليزي لتصنيع ملابسه وطرح نسخ تجارية تحمل شعار الشركة.
وتذكر “أدميرال” في سجلها التاريخي أنها دفعت 25 ألف دولار سنويا بموجب اتفاق مدته 5 سنوات، لتصبح من الشركات الرائدة في تسويق قمصان المنتخبات بوصفها منتجات رسمية يمكن للمشجعين شراؤها.
وفي ألمانيا، ارتبط اسم المنتخب بعلامة “أديداس” منذ خمسينيات القرن الماضي، مع وجود فترات استخدمت فيها ملابس شركات أخرى، لتصبح الخطوط الثلاثة إحدى السمات المرتبطة بتاريخ المنتخب وانتصاراته الكبرى.
لكن الشراكات بين الاتحادات الوطنية وشركات الملابس ظلت أقل قيمة من العقود الحديثة، قبل أن يزداد الاهتمام التجاري بقوة المنتخبات صاحبة الانتشار العالمي، وخصوصا تلك التي تضم نجوما مشهورين وتشارك بانتظام في كأس العالم.
البرازيل وفرنسا وألمانيا.. صفقات بمئات الملايين
كانت البرازيل من المنتخبات التي شهدت انتقالا مبكرا نحو العقود التجارية الكبرى، بعدما توصل اتحادها إلى اتفاق مع شركة “نايكي” عام 1996، بقيمة بلغت 200 مليون دولار على مدى 10 سنوات.
وجاء الاتفاق بعد تتويج البرازيل بلقب كأس العالم 1994، في وقت كانت فيه الشركة الأمريكية تسعى إلى توسيع حضورها في كرة القدم ومنافسة الشركات الأوروبية المسيطرة على سوق الملابس الرياضية.
وقبل الاتفاق، كان الاتحاد البرازيلي يرتبط بعقد مع شركة “أمبرو” تبلغ قيمته نحو 1.5 مليون دولار سنويا، وفقا لما نشرته صحيفة “فوليا دي ساو باولو” البرازيلية في أكتوبر/تشرين الأول 1996.
وبعد نحو 28 عاما، أعلن الاتحاد البرازيلي في ديسمبر/كانون الأول 2024 تمديد شراكته مع “نايكي” حتى عام 2038، في اتفاق يبدأ تطبيق شروطه الجديدة مطلع 2027.
وذكرت شبكة “غلوبو” البرازيلية أن العقد يتضمن 100 مليون دولار سنويا كدفعة ثابتة، إضافة إلى مكافآت ومتغيرات مالية أخرى، بينما أكد الاتحاد أنه سيحصل للمرة الأولى على عوائد مرتبطة بمبيعات قمصان المنتخب، إلى جانب حقوق ترخيص تسمح بتوسيع شبكة المتاجر الرسمية حول العالم.
وفي أوروبا، شهدت المنافسة بين الشركات المصنعة محطة بارزة عام 2024، عندما أعلن الاتحاد الألماني لكرة القدم إنهاء شراكته التاريخية مع “أديداس” اعتبارا من نهاية 2026، والتعاقد مع منافستها الأمريكية “نايكي” خلال الفترة من 2027 إلى 2034.
وأثار القرار جدلا واسعا في ألمانيا، بسبب العلاقة الطويلة بين المنتخب و”أديداس”، التي ارتبطت بإنجازاته في كأس العالم لأكثر من 7 عقود.
لكن الاتحاد الألماني برر اختياره بأن “نايكي” قدمت العرض الأفضل من الناحيتين المالية والتجارية، في وقت قدرت فيه تقارير صحفية قيمة العقد بنحو 100 مليون يورو سنويا، أي ضعف المبلغ الذي كانت تدفعه “أديداس” تقريبا.
ولم تكن فرنسا بعيدة عن المنافسة نفسها، إذ أعلن اتحادها في مايو/أيار 2024 تجديد الشراكة مع “نايكي” حتى عام 2034، بعدما فازت الشركة بعقد جديد يبدأ موسم 2026-2027.
وأكد رئيس الاتحاد الفرنسي فيليب ديالو أن قيمة الاتفاق تتجاوز 100 مليون يورو سنويا، أي أكثر من ضعف قيمة العقد السابق، الذي كانت تقديرات الصحافة الفرنسية تضعه بين 40 و50 مليون يورو سنويا.
وتوضح هذه الأرقام أن عقود قمصان المنتخبات أصبحت موردا ماليا كبيرا للاتحادات، رغم أن شركات الملابس لا تحصل على الحق في وضع شعارات تجارية إضافية على قمصان المباريات كما يحدث في الأندية.
فكيف تدفع الشركات هذه المبالغ مقابل قمصان لا يسمح أساسا باستخدامها للإعلانات التجارية التقليدية؟
لماذا لا تحمل قمصان المنتخبات إعلانات الرعاة؟
يعود اختلاف قمصان المنتخبات عن الأندية إلى القواعد التي تنظم الإعلان التجاري في المباريات الدولية، والفصل بين شعار الشركة المصنعة للملابس وشعارات الجهات الراعية للاتحاد الوطني.
فوفقا للمادة 12 من لوائح معدات “فيفا” لعام 2025، يحظر وضع إعلانات الرعاة أو أي إعلانات تجارية لأطراف أخرى على قمصان المنتخبات ومعدات اللعب المستخدمة في المسابقات والمباريات الدولية الودية.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم القاعدة نفسها في المادة 26 من لوائح المعدات لعام 2026، التي تسمح بإعلانات الرعاة على قمصان الأندية في مسابقاته، وتحظرها على قمصان المنتخبات المشاركة في البطولات الأوروبية.
ولا يعني ذلك منع جميع العلامات التجارية من الظهور على القميص، إذ تسمح اللوائح بوضع شعار الشركة المصنعة، ضمن شروط محددة تتعلق بالحجم والموقع وعدد مرات الظهور.
ولهذا يظهر شعار “نايكي” على قمصان البرازيل وفرنسا، أو شعار “أديداس” على قمصان ألمانيا والأرجنتين، بينما لا يسمح بوضع شعارات شركات الطيران والبنوك والاتصالات التي ترعى الاتحادات الوطنية في الموقع نفسه الذي تستخدمه هذه الشركات على قمصان الأندية.
ويحمل هذا التمييز بعدا تجاريا يتجاوز شكل القميص، إذ يحتفظ منظمو المسابقات الدولية بحقوق الرعاية المرتبطة ببطولاتهم، بما يشمل الإعلانات داخل الملاعب والمساحات التسويقية المحيطة بالمباريات.
ولو سمح لكل اتحاد وطني بإظهار جميع رعاته على قمصان المنتخب في كأس العالم، لأمكن أن تظهر في البطولة علامات تجارية تنافس الشركات التي اشترت حقوق رعاية المسابقة من “فيفا”، مما يضعف قيمة الحصرية التي يحصل عليها الرعاة الرسميون.
ولهذا تفصل اللوائح بين الحقوق التجارية التي يملكها الاتحاد الوطني، والحقوق التي يحتفظ بها منظم البطولة، مع استثناء محدد لشعار الشركة المصنعة، التي تتولى توفير الملابس والمعدات الرياضية.
ويحافظ هذا النظام أيضا على الطابع الوطني لقميص المنتخب، الذي يرتبط بألوان البلاد وشعار الاتحاد وأرقام اللاعبين، دون أن يتحول إلى مساحة تضم أسماء عدة شركات كما يحدث في قمصان الأندية.
لكن حظر الإعلانات على قمصان المباريات لم يمنع الاتحادات الوطنية من الاستفادة من رعاتها تجاريا، وإنما دفعها إلى تطوير مساحات تسويقية أخرى، من أبرزها ملابس التدريب.
لماذا تظهر الرعايات على قمصان تدريبات المنتخبات؟
تسمح اللوائح المنظمة لبعض أنشطة المنتخبات بظهور شعارات الرعاة التجاريين على الملابس غير المستخدمة في المباريات، ومنها قمصان التدريب والسترات، لكن درجة السماح تختلف بحسب البطولة ومرحلتها وطبيعة النشاط.
ومن أبرز الأمثلة المنتخب الإنجليزي، الذي جدد اتحاده لكرة القدم في يناير/كانون الثاني 2025 اتفاق الرعاية مع شركة الاتصالات “إي إي” (EE) لمدة 4 سنوات.
وأعلن الاتحاد أن شعار الشركة سيستمر في الظهور على ملابس التدريب الخاصة بمنتخبات إنجلترا الـ24، بما يشمل منتخبي الرجال والسيدات والفئات العمرية والفرق المخصصة للاعبين ذوي الإعاقة، حتى عام 2028.
وتمتد هذه الرعاية إلى أنشطة أخرى، تشمل ملعب ويمبلي ومركز سانت جورج بارك التدريبي وبرامج تطوير كرة القدم، مما يمنح الشركة حضورا تجاريا مستمرا حتى خارج المباريات الدولية.
غير أن ظهور شعارات الرعاة على ملابس التدريب ليس مسموحا في جميع المناسبات، وهي نقطة تحددها لوائح كل بطولة بصورة مستقلة.
فوفقا للمادة 26 من لوائح “يويفا”، يسمح بإعلانات الرعاة على الملابس غير المستخدمة في المباريات خلال تصفيات كأس أوروبا، ومرحلة الدوري من دوري الأمم الأوروبية، والتصفيات الأوروبية المؤهلة إلى كأس العالم، لكنه لا يسمح بها في جميع مراحل هذه المسابقات.
وتنص لوائح كأس أوروبا 2028 على خلو المعدات المستخدمة خلال البطولة النهائية من إعلانات الرعاة، بما يشمل الأنشطة الرسمية داخل الملاعب، والتدريبات التي يصنفها “يويفا” رسمية، والمؤتمرات الصحفية الرسمية.
وتفرض “فيفا” قيودا مماثلة خلال كأس العالم، إذ نصت لوائح مونديال 2026 على حظر العلامات التجارية للأطراف الثالثة في الملاعب ومواقع التدريب والأنشطة الإعلامية الرسمية، مع استثناءات محددة، من بينها الملابس المستخدمة خلال الحصص التدريبية غير الرسمية، وشعارات الشركات المصنعة المعتمدة.
ويعني ذلك أن القميص التدريبي قد يحمل شعار أحد رعاة الاتحاد الوطني خلال المعسكرات العادية أو الأنشطة التي تسمح بها اللوائح، ثم يخلو من الإعلان نفسه عند المشاركة في تدريب رسمي خلال بطولة دولية.
وتتيح هذه الآلية للاتحادات بيع حقوق رعاية مستقلة لملابس التدريب، مع المحافظة على الفصل بين الرعايات الخاصة بكل منتخب والحقوق التجارية التي يبيعها منظمو البطولات الدولية.
التلفزيون يحول القمصان إلى إعلانات عالمية
كان انتشار البث التلفزيوني من أبرز العوامل التي رفعت قيمة عقود الملابس والرعاية، بعدما أصبحت شعارات الشركات تظهر أمام ملايين المشاهدين خلال المباريات الكبرى.
فمع توسع تغطية الدوريات الأوروبية خلال الثمانينيات والتسعينيات، ثم إعادة تنظيم دوري أبطال أوروبا عام 1992، ازدادت أهمية الأندية التي تشارك بانتظام في المنافسات القارية، لأنها توفر للرعاة فرصا متكررة للظهور في أسواق متعددة.
وساعد انتقال النجوم بين الأندية الكبرى على زيادة الطلب على القمصان الرسمية، إذ أصبح بإمكان المشجع متابعة لاعب من بلد آخر وشراء قميصه عبر شبكات التوزيع الدولية، ثم لاحقا عبر المتاجر الإلكترونية.
وتكرر التأثير نفسه مع المنتخبات خلال كأس العالم، التي تمنح شركات الملابس فرصة للظهور على قمصان أشهر اللاعبين أمام جمهور عالمي.
وكان هذا الانتشار أحد أسباب المنافسة بين “نايكي” و”أديداس” و”بوما” على العقود الكبرى، إذ لم تعد قيمة الاتفاق ترتبط بكمية الملابس التي تحتاج إليها الفرق، وإنما بحجم الجمهور المتوقع وصول العلامة التجارية إليه، وعدد المنتجات التي يمكن بيعها.
وفي المقابل، بدأت الأندية تستفيد من هذه الشعبية عبر بيع المساحات الإعلانية الموجودة على القمصان للشركات الراغبة في الوصول إلى الجماهير نفسها.
ومن أبرز الأمثلة برشلونة، الذي حافظ طوال عقود على تقليد الامتناع عن وضع إعلانات تجارية مدفوعة على صدر قميصه، قبل أن يبدأ شراكة إنسانية مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” عام 2006.
وكان النادي يدفع للمنظمة نحو 1.5 مليون يورو سنويا، قبل أن يعلن عام 2010 اتفاقا تجاريا مع مؤسسة قطر، تضمن 30 مليون يورو سنويا لرعاية القميص خلال خمسة مواسم، ضمن حزمة حقوق تجارية أوسع.
وأظهر الاتفاق حجم القيمة التي أصبحت تمثلها المساحة الإعلانية على قميص ناد عالمي، خصوصا مع وجود نجوم مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي، والنجاحات الرياضية التي حققها برشلونة خلال تلك المرحلة.
من 10 آلاف جنيه إلى عقود المليار
تقدم الاتفاقات الحديثة بين الأندية وشركات الملابس صورة واضحة عن التغير في حجم الصناعة.
ففي يوليو/تموز 2023، جدد مانشستر يونايتد تعاقده مع “أديداس” لمدة 10 سنوات، في صفقة تبلغ قيمتها المضمونة 900 مليون جنيه إسترليني، مع إمكانية تعديل المدفوعات وفقا لشروط تعاقدية ترتبط بالأداء الرياضي وعوامل أخرى.
وبعد عامين، أعلن مانشستر سيتي تمديد شراكته مع “بوما”، في اتفاق قدرت وكالة رويترز قيمته بمليار جنيه إسترليني على مدى 10 سنوات على الأقل، بمتوسط 100 مليون جنيه سنويا.
وكان الاتفاق السابق بين الطرفين، الذي بدأ عام 2019، تبلغ قيمته نحو 65 مليون جنيه سنويا، مما يعكس ارتفاع التقييم التجاري لمانشستر سيتي خلال فترة شهدت تتويجه بألقاب محلية متتالية وإحرازه دوري أبطال أوروبا عام 2023.
أما برشلونة، فقد جدد شراكته مع “نايكي” في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قبل أن يعلن تفاصيل النموذج التجاري الجديد في فبراير/شباط 2025، الذي يشمل تطوير المبيعات المباشرة والتجارة الإلكترونية وتوسيع أنشطة الترخيص.
ولم يكشف النادي القيمة المالية الإجمالية للاتفاق بسبب بند السرية، لكنه وصفه بأنه أكبر عقد رعاية في تاريخه.
وتعكس هذه العقود المنافسة بين الشركات للحصول على حقوق الإنتاج والتوزيع واستغلال العلامات التجارية للأندية، في مقابل دفعات مالية ثابتة ومتغيرة، وحصص من المبيعات وفقا لبنود كل اتفاق.
لكن حصول النادي على عقد تصنيع بمئات الملايين لا يعني أنه يحتفظ بكامل الإيرادات الناتجة عن بيع القمصان للمشجعين.
من يحصل على ثمن القميص؟
تختلف طريقة توزيع إيرادات القمصان وفقا للعقود، لكن النموذج الشائع يقوم على دفع الشركة المصنعة مبلغا ثابتا مقابل حقوق التصنيع والتسويق، مع إمكانية حصول النادي على نسب إضافية من المبيعات أو مكافآت عند تجاوز مستويات محددة.
وتتحمل الشركة المصنعة تكاليف الإنتاج والتوزيع والتسويق، إلى جانب مخاطر تراكم المخزون وتراجع الطلب على بعض المنتجات.
وبحسب تقارير متخصصة في اقتصاد كرة القدم، تتراوح الحصة المباشرة للأندية من مبيعات القمصان غالبا بين نسب محدودة من الإيرادات، مع وجود استثناءات تمنح بعض الأندية الكبيرة حصصا أعلى وفق قوة علامتها التجارية.
وتفسر هذه الآلية لماذا لا تكفي مبيعات قمصان لاعب مشهور، بالضرورة، لتعويض قيمة انتقاله، خلافا للاعتقاد الشائع بأن النادي يحصل على معظم الأموال التي يدفعها المشجعون مقابل القمصان التي تحمل اسم اللاعب الجديد.
وتختلف الإيرادات التي يحتفظ بها النادي أيضا وفقا لقنوات البيع، سواء جرت عبر متاجره الرسمية أو متاجر الشركة المصنعة أو موزعين مستقلين.
ولهذا اتجهت أندية كبرى إلى تعزيز سيطرتها على المبيعات المباشرة، كما فعل برشلونة من خلال شركة “برشلونة للتراخيص والمنتجات”، التي يتطلع عبرها إلى رفع إيرادات البيع بالتجزئة والتراخيص إلى 200 مليون يورو سنويا على المدى القصير، وتجاوز 300 مليون يورو على المدى المتوسط.
وتبقى هذه الأرقام أهدافا تجارية معلنة، لكنها توضح أهمية السوق التي نشأت حول المنتجات الرسمية للأندية، بعد توسعها من القمصان المستخدمة في المباريات إلى الملابس اليومية والإكسسوارات والمنتجات الموجهة لفئات عمرية مختلفة.
القميص يدخل عالم الموضة والموسيقى
اتسعت سوق القمصان خلال السنوات الأخيرة لتشمل مستهلكين لا يشترونها بالضرورة لمتابعة المباريات، وإنما لارتباط تصاميمها بالموضة والموسيقى والثقافة الشبابية.
وكان باريس سان جيرمان الفرنسي من الأندية التي استثمرت هذا الاتجاه، بعدما وسع تعاونه مع علامة “جوردان” التابعة لشركة “نايكي”، ليشمل منتجات تجمع بين الملابس الرياضية والأزياء اليومية.
وطرح النادي مجموعة فاخرة خلال أسبوع الموضة في باريس في يناير/كانون الثاني 2025، تضمنت قميصا رابعا للفريق ومنتجات أخرى مخصصة للاستخدام خارج الملاعب.
واتجه برشلونة إلى نموذج مختلف عبر شراكته مع منصة “سبوتيفاي” الموسيقية، التي بدأت عام 2022، وأتاحت استخدام المساحة الإعلانية على صدر القميص للترويج لفنانين ومجموعات موسيقية خلال مباريات مختارة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الطرفان تعاونا مع الفنان الأمريكي تايلر ذا كرياتور، لتقديم قميص يحمل شعار علامته للأزياء “غولف وانغ” خلال مباراة الكلاسيكو أمام ريال مدريد المقررة في 25 من الشهر نفسه، إلى جانب مجموعة ملابس حصرية.
وشمل المشروع إصدار 1899 قميصا، في إشارة إلى سنة تأسيس برشلونة، مع طرح نسخة خاصة باللاعبين بسعر يقارب 500 يورو.
وأظهرت هذه التجربة كيف أصبحت الأندية تستخدم القميص لتوسيع نشاطها التجاري خارج كرة القدم، بعدما بات بمقدورها بيع منتجات محدودة الإصدار بأسعار أعلى من القمصان التقليدية، والاستفادة من جماهير الفنانين والعلامات المرتبطة بهم.
هل تستفيد جميع الأندية والمنتخبات من هذه الصناعة؟
رغم ارتفاع قيمة العقود إلى مستويات غير مسبوقة، فإن المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين الأندية والاتحادات الوطنية، إذ تتمتع الجهات ذات الشعبية العالمية بقدرة تفاوضية أكبر من نظيراتها الأقل انتشارا.
فالأندية التي تشارك بانتظام في البطولات القارية، وتضم لاعبين مشهورين، وتملك قواعد جماهيرية في أسواق متعددة، تستطيع الحصول على عقود تصنيع ورعاية أعلى قيمة، كما تتمتع بفرص أكبر لبيع منتجاتها خارج بلدانها.
وينطبق المنطق نفسه على المنتخبات الوطنية، إذ تتيح الشعبية العالمية لمنتخبات مثل البرازيل وفرنسا وألمانيا والأرجنتين الحصول على اتفاقات كبيرة مع شركات الملابس، بينما تكتفي اتحادات أخرى بمبالغ أقل أو بعقود توريد تتناسب مع حجم جمهورها وأسواقها المحتملة.
وتتصل هذه الفجوة بعلاقة متبادلة بين النجاح الرياضي والنمو التجاري، إذ يساعد تحقيق الألقاب والتعاقد مع النجوم على زيادة الطلب على القمصان، بينما تتيح الإيرادات الجديدة للأندية والاتحادات توسيع استثماراتها في اللاعبين والبنية التحتية وبرامج التطوير.
لكن نمو هذه الصناعة ترافق أيضا مع ارتفاع أسعار المنتجات الرسمية، واتساع تجارة القمصان المقلدة، مما يثير تساؤلات بشأن قدرة المشجعين على شراء الملابس التي ترتديها فرقهم المفضلة.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه شركات الملابس على دفع مئات الملايين مقابل حقوق التصنيع والتسويق، تواصل الجهات المنظمة لكرة القدم تحديد المساحات التي يمكن استغلالها تجاريا، سواء على قمصان الأندية أو ملابس المنتخبات أو المنتجات الموجهة للمشجعين.
وبعد أكثر من نصف قرن على اتفاق ليدز يونايتد مع “أدميرال”، أصبحت الشركات تدفع مقابل تصنيع الملابس التي كانت الأندية تشتريها من المتاجر، وتدفع شركات أخرى مقابل الإعلان عليها، ثم يدفع المشجع ثمن اقتناء نسخته الخاصة.
أما المنتخبات، فقد وصلت عقود تصنيع ملابسها إلى مستويات مالية مماثلة لبعض أكبر صفقات الأندية، رغم استمرار القيود التي تمنع الرعاة التجاريين من الظهور على قمصان المباريات.
ويكشف اختلاف النموذجين أن القيمة التجارية للقميص لم تعد مرتبطة بعدد المباريات التي يرتديه فيها اللاعب، وإنما بحجم الجمهور الذي يمكن الوصول إليه، وعدد المنتجات التي يمكن بيعها، والحقوق التسويقية التي تستطيع الأندية والاتحادات تحويلها إلى إيرادات.