من يجني أرباح طفرة الذكاء الاصطناعي؟.. خادم واحد يكشف خريطة الرابحين : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-17 16:51:00

1708893

لا تتوزع مكاسب طفرة الذكاء الاصطناعي بالضرورة على جميع الشركات والدول التي تسهم في بنائها. فبينما تبدأ سلسلة الإنتاج من المعادن والمواد الأولية، وتمر عبر تصنيع الرقائق والذاكرة وتجميع الخوادم، تتركز حصة كبيرة من القيمة الاقتصادية في الشركات التي تمتلك التكنولوجيا والتصميم والقدرة على التحكم في المكونات الأكثر تعقيدًا.

وتقدم دراسة بحثية حديثة، أعدها لوكاس هايدمان ونيكولا مايستر، مثالًا ملموسًا على هذه الفجوة، من خلال تتبع القيمة المضافة في خادم متقدم للذكاء الاصطناعي من طراز NVIDIA GB200 NVL72، تبلغ قيمته التقديرية نحو 3.3 مليون دولار.
ونُشرت الدراسة على منصة الأبحاث SSRN في 9 أكتوبر 2026، كما عرضت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» نتائجها في 13 أكتوبر، ضمن نقاش أوسع حول توزيع مكاسب التجارة والتكنولوجيا بين الاقتصادات.

إنفيديا تستحوذ على الحصة الأكبر من القيمة

بحسب الدراسة، تستحوذ شركة إنفيديا على نحو 67% من القيمة المضافة التي أمكن تتبعها في الخادم، مقابل 6.7% لموردي الذاكرة والتخزين، و4.9% لشركة TSMC المتخصصة في تصنيع الرقائق، و4% لشركات التجميع والاختبار، وفق تقديرات الباحثين.

وتشمل مجموعة موردي الذاكرة والتخزين شركات مثل إس كيه هاينكس SK Hynix وسامسونغ وميكرون Micron وسان ديسك SanDisk وكيوكسيا Kioxia، بينما تضم مجموعة التجميع والاختبار شركات مثل فوكسكون Foxconn وكوانتا Quanta وويسترون Wistron وويوين Wiwynn.

وتوضح هذه النتائج أن المشاركة في تصنيع المنتج لا تعني بالضرورة الحصول على حصة مماثلة من قيمته الاقتصادية. فالشركات التي تصمم المعالجات المتقدمة أو تمتلك التكنولوجيا اللازمة لتشغيلها قد تحصل على حصة أكبر من القيمة مقارنة بالشركات التي تؤدي مهام التصنيع أو التجميع.

لكن هذه النسب تخص الخادم محل الدراسة، ولا تمثل حصصًا ثابتة لكل شركة في صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها.

أين تذهب الأموال داخل سلسلة الإنتاج؟

لا يتكون خادم الذكاء الاصطناعي من الرقائق وحدها، بل من منظومة مترابطة تشمل المعالجات المتقدمة، والذاكرة عالية النطاق الترددي، والتخزين، ومعدات الاتصال، والطاقة والتبريد، إلى جانب أعمال التصنيع والتجميع.

وتأتي أهمية هذه المكونات من أن تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب قدرة حوسبة مرتفعة، وسرعة كبيرة في نقل البيانات، وإمدادات كهرباء موثوقة، وأنظمة لتبديد الحرارة.

وفي تحليلها لتوزيع القيمة المضافة داخل الخادم، وجدت الدراسة أن الأرباح التشغيلية بعد الضريبة تمثل نحو 68.2% من القيمة المضافة التي جرى تتبعها، في حين تبلغ حصة تعويضات العاملين نحو 14%، والضرائب على دخل الشركات 12.4%، واستهلاك رأس المال 5.3%، وفق تصنيف الباحثين.

ولا تعني هذه الأرقام أن 68.2% من سعر بيع الخادم أرباح صافية؛ فهي نسب محسوبة من القيمة المضافة التي شملها التحليل، وليس من سعر البيع النهائي البالغ 3.3 مليون دولار.

كما أن القيمة المضافة ليست مرادفًا للإيرادات أو الأرباح، بل تقيس القيمة التي أضافتها الأنشطة الاقتصادية بعد احتساب المدخلات الوسيطة وفق منهجية الدراسة.

طفرة تتجاوز حدود قطاع التكنولوجيا

لا تقتصر أهمية هذا التفاوت على الشركات المنتجة للرقائق، إذ تتزامن طفرة الذكاء الاصطناعي مع توسع التجارة العالمية في المنتجات التي تمكّن تشغيل تطبيقاته، من الخوادم وأشباه الموصلات إلى معدات الاتصال.

وأظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية أن السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومنها الرقائق والخوادم، أسهمت بنحو 42% من نمو قيمة تجارة السلع العالمية خلال 2025، رغم أنها مثلت قرابة سدس التجارة العالمية للسلع.

وفي تحديثها الصادر في 8 أكتوبر 2026، قالت المنظمة إن هذه السلع أسهمت بنحو 47% من نمو قيمة تجارة السلع العالمية في النصف الأول من 2026، مع ارتفاع قيمة تجارتها 67% على أساس سنوي خلال الفترة نفسها.

وتشير هذه البيانات إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح محركًا مهمًا للتجارة العالمية، لكنها لا تعني أن جميع الشركات أو الاقتصادات المشاركة في هذه التجارة تحقق المكاسب نفسها.

فقد ترتفع صادرات دولة ما من المعادن أو المكونات المستخدمة في مراكز البيانات، من دون أن ترتفع حصتها من القيمة المضافة بالقدر نفسه، إذا ظلت أنشطتها تتركز في مراحل الإنتاج الأقل تعقيدًا.

هل يكفي امتلاك المعادن للدخول إلى سباق الذكاء الاصطناعي؟

بالنسبة إلى الاقتصادات النامية، تطرح هذه النتائج سؤالًا يتجاوز حجم الاستثمارات المعلنة: ما الأنشطة التي ستنفذها الشركات المحلية داخل سلسلة القيمة، وما المهارات والتكنولوجيا التي ستكتسبها من مشاركتها؟

فامتلاك النحاس أو السيليكون أو غيرهما من المواد الخام لا يضمن وحده الحصول على حصة كبيرة من العوائد. وتزداد أهمية القدرة على تطوير الموردين المحليين، وتأهيل العمالة، وجذب الأنشطة الصناعية والتقنية الأعلى قيمة، إلى جانب بناء منظومات للبحث والتطوير.

وتشير أونكتاد إلى أن جذب الاستثمارات ينبغي أن يترافق مع تطوير قدرات الشركات المحلية وتأهيلها للقيام بمهام أعلى قيمة. غير أن الانتقال من توريد المواد الأولية إلى إنتاج مكونات متقدمة للذكاء الاصطناعي يظل مسارًا معقدًا يتطلب رأس مال وخبرات وتكنولوجيا وعلاقات تجارية مستقرة.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك مجالًا لبحث فرص بناء سلاسل توريد وخدمات مرتبطة بمراكز البيانات، والطاقة، والتبريد، والاتصالات، والمهارات الرقمية. لكن تحويل هذه الفرص إلى قيمة محلية فعلية يتطلب تقييمًا لكل مشروع، بدل افتراض أن إنشاء مركز بيانات أو استيراد معدات متقدمة يكفي وحده لضمان عوائد اقتصادية واسعة.

الرهان ليس على دخول السلسلة فقط

تكشف دراسة الخادم أن السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط من يشارك في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بل من يمتلك التكنولوجيا والمهارات والقدرة على تحويل هذه المشاركة إلى قيمة مضافة وأرباح ووظائف ذات أجور أعلى.

ومع استمرار توسع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، قد تتسع الفرص أمام مزيد من الشركات والاقتصادات. لكن توزيع المكاسب سيظل مرتبطًا بموقع كل طرف داخل سلسلة الإنتاج، وبقدرته على الانتقال إلى الأنشطة التي تمنحه دورًا أكبر في التصميم والابتكار والتصنيع المتقدم.

ففي اقتصاد الذكاء الاصطناعي، قد يكون تصدير المزيد من المكونات علامة على نمو التجارة، لكنه لا يكفي وحده للإجابة عن السؤال الأهم: من يحصل على القيمة التي تصنعها هذه التجارة؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks