نتجربة “إيراسموس”.. هذا هو النموذج الذي تحتاجه تركيا والعالم العربي


روكب اليوم

التحولات التي شهدتها تركيا خلال العشرين عاما الماضية، وما ولّدته من ثقة متزايدة بقدرتها على أن تكون صاحبة دور ومشروع في العقود المقبلة، لا تمر من دون متابعة في العالم. أما في الفضاء العربي والإسلامي، فإن التجربة التركية لا تُتابع من باب الفضول وحده، بل لأنها تبعث لدى قطاعات واسعة آمالا حقيقية بإمكان النهوض والتقدم وصناعة نموذج مختلف.

قد يكون جانب من هذا التحول ثمرة لما راكمه الوسط الأكاديمي التركي من خبرات ومعارف، لكن الأهم أن يكون فضاؤنا الجامعي قادرا على مواكبة هذا الصعود بصورة أكثر فاعلية، وأن يتقدم عليه أحيانا في مجاله، لا أن يبقى مجرد شاهد عليه. وهنا تحديدا تصبح قدرة الجامعات على التفاعل مع حركة تركيا الصاعدة جزءا من مسؤوليتها، ومعيارا من معايير أدائها.

وإذا كانت علاقات تركيا بالعالم العربي قد توسعت في السياسة والاقتصاد والصناعات الدفاعية والثقافة، فإن السؤال عن موقع الجامعات داخل هذا المشهد يصبح أكثر إلحاحا. لماذا لا يتشكل بين الجانبين فضاء أكاديمي تتحرك فيه المعرفة والطلاب والأساتذة والباحثون بصورة أكثر كثافة، وتتحول فيه الأبحاث المشتركة إلى مسار مؤسسي دائم؟ ولماذا لا تستعيد هذه الجغرافيا، التي عرفت تاريخيا تواصلا علميا وثقافيا واسعا، قدرتها على إنتاج منظومة معرفية حديثة تليق بإمكاناتها؟

أمام تركيا اليوم فرصة لنقل رصيدها المتراكم في تدويل التعليم العالي إلى مستوى جديد. نحن لا نتحدث فقط عن جامعات تستقبل أعدادا أكبر من الطلاب الأجانب، بل عن نموذج يقوم على الحركة المتبادلة، وتقاسم إمكانات البحث، والإنتاج المشترك للمعرفة.

وما جرى أخيرا في أنقرة يشير إلى أن هذا التصور بدأ يقترب من المجال العملي.

كنت قد تناولت في هذه الزاوية، قبل مدة، جملة من القضايا المتعلقة بالجامعة، وتوقفت في أحد المقالات عند القيود الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على الطلاب الأجانب. فالجامعة الأمريكية لم تصنع تفوقها العلمي والتكنولوجي بمواردها الداخلية فقط، بل بقدرتها، على مدى نحو قرن، على اجتذاب ألمع العقول من مختلف أنحاء العالم. وإذا كانت واشنطن تتجه اليوم إلى سياسات أكثر تقييدا، فإن ذلك لا بد أن يؤثر في مسارات الحركة الأكاديمية العالمية.

تركيا ليست بعيدة عن هذا التحول. عدد الطلاب الدوليين فيها يقترب من 380 ألفا، لكن قيمة التجربة لا تكمن في الرقم وحده. في سوريا وبنغلاديش وأفغانستان والسودان وغيرها، نلتقي كثيرا بخريجين من الجامعات التركية يشغلون اليوم مواقع مهمة في بلدانهم. بعضهم أكاديمي، وبعضهم بيروقراطي أو صحفي أو رجل أعمال أو سياسي. هؤلاء لا يعودون إلى بلدانهم بشهادة جامعية فقط، بل بشبكة من العلاقات وبخبرة اجتماعية وثقافية كاملة اكتسبوها في تركيا.

أظهرت تجربة إيراسموس في أوروبا كيف يمكن للحركة الجامعية أن تترك أثرا يتجاوز التعليم نفسه، فتُنتج معرفة متبادلة وشبكات بشرية طويلة الأمد. وليس ثمة ما يمنع تركيا والعالم العربي من تطوير نموذج خاص بهما، أكثر ملاءمة لحاجاتهما وأقرب إلى واقعهما

في هذا السياق جاء الخبر اللافت من مجلس التعليم العالي التركي.

ففي 2 سبتمبر/أيلول، اجتمع رئيس المجلس، البروفيسور الدكتور إرول أوزفار، في أنقرة مع ممثلي جامعة الدول العربية وسفراء عدد من الدول العربية، ضمن اجتماع تشاوري للتعليم العالي هدفه إطلاق مرحلة أكثر مؤسسية في التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجالات التعليم العالي والعلوم والبحث العلمي.

المطروح يتجاوز العموميات المعتادة. هناك حديث عن زيادة حركة الطلاب والأكاديميين والباحثين والكوادر الإدارية، وتطوير برامج مشتركة للبكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وإنشاء مراكز بحث وشبكات علمية مشتركة، فضلا عن التعاون في ضمان الجودة والاعتماد والاعتراف بالشهادات ومعادلتها.

أما المجالات المقترحة للتعاون فهي من صميم القضايا التي ستحدد مستقبل المنطقة: الذكاء الاصطناعي، والعلوم الصحية، والهندسة، والطاقة المتجددة، والموارد المائية، والزراعة، والأمن الغذائي، وتغير المناخ، والتحول الرقمي.

واللافت كذلك تأكيد أوزفار أن الأبحاث المشتركة لا ينبغي أن تبقى حبيسة المختبرات، بل أن تتحول إلى تقنيات جديدة، وقدرات إنتاجية، وفرص عمل نوعية، ومنفعة اجتماعية. هذا الفهم مهم، لأنه يضع البحث العلمي في صلب التنمية لا في هامشها.

ولضمان استمرارية هذا المسار، تقرر أن يُعقد منتدى التعليم العالي التركي-العربي مرة كل سنتين على الأقل، بالتناوب بين تركيا وإحدى الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، إلى جانب تشكيل مجموعة عمل مشتركة من ستة أعضاء، ثلاثة من كل طرف، تتولى إعداد خطة عمل تحدد الأولويات، والأنشطة, والمؤسسات المشاركة، ومصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ.

القيمة الأساسية لهذه الخطوة تظهر عند مقارنتها بطبيعة العلاقات القائمة اليوم بين تركيا والعالم العربي.

فالتجارة تتوسع، والسياحة تنمو، والتعاون السياسي والأمني والدفاعي يتعمق، لكن العلاقات الجامعية لا تزال دون المستوى نفسه من التنظيم والتكامل. وإذا نظرنا إلى تركيا والعالم العربي معا، فنحن أمام فضاء يضم مئات الجامعات، وملايين الطلاب، وكتلة بشرية وعلمية ضخمة لم تُستثمر بعد بالقدر الكافي.

كما أن التحديات التي تواجهها هذه الجغرافيا مشتركة إلى حد بعيد. شح المياه، والأمن الغذائي، والطاقة، والتحضر، والهجرة، وتغير المناخ، والتحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، كلها قضايا تتجاوز قدرة جامعة واحدة أو دولة واحدة على معالجتها منفردة. هنا تصبح برامج البحث المشترك ضرورة عملية، لا مجرد عنوان للتعاون.

المجالات المقترحة للتعاون هي من صميم القضايا التي ستحدد مستقبل المنطقة: الذكاء الاصطناعي، والعلوم الصحية، والهندسة، والطاقة المتجددة، والموارد المائية، والزراعة، والأمن الغذائي، وتغير المناخ، والتحول الرقمي

وهذا يفرض بدوره تطوير نظرة تركيا إلى التعليم العالي الدولي. استقطاب الطلاب مهم، لكنه لا يكفي. وقد قلت من قبل إن الطالب القادم إلى تركيا لا ينبغي اختزاله في خانة “الطالب الأجنبي” بمنطق الهجرة والأمن، بل يجب النظر إليه بوصفه شريكا محتملا لتركيا في المستقبل، أكاديميا واقتصاديا وثقافيا. والمرحلة المقبلة ينبغي أن تضيف إلى هذا البعد حركة أكاديمية متبادلة وإنتاجا مشتركا للمعرفة.

وليس هذا المسار بلا جذور تاريخية. إسطنبول ودمشق والقاهرة وبغداد وحلب والقدس ومكة والمدينة لم تكن يوما جزرا علمية منفصلة، بل كانت مراكز متصلة في فضاء واسع تحرك فيه العلماء والطلاب والكتب والأفكار. صحيح أن الجامعة الحديثة تعمل ضمن شروط مختلفة، لكن إعادة بناء قنوات حديثة ومؤسسية لهذا التواصل ليست أمرا خارج التاريخ ولا خارج الإمكان.

وقد أظهرت تجربة إيراسموس في أوروبا كيف يمكن للحركة الجامعية أن تترك أثرا يتجاوز التعليم نفسه، فتُنتج معرفة متبادلة وشبكات بشرية طويلة الأمد. وليس ثمة ما يمنع تركيا والعالم العربي من تطوير نموذج خاص بهما، أكثر ملاءمة لحاجاتهما وأقرب إلى واقعهما.

لهذا أرى أن المبادرة التي أطلقها مجلس التعليم العالي مع جامعة الدول العربية تستحق اهتماما جادا. نجاحها لن يظهر في عدد البروتوكولات الموقعة ولا في كثرة الاجتماعات، بل في البرامج المشتركة التي تبدأ فعلا، ومراكز البحث التي تعمل، والأساتذة والطلاب الذين يتحركون في الاتجاهين، والمعرفة التي تُنتج بصورة مشتركة وتتحول إلى أثر ملموس في حياة المجتمعات.

انفتاح الجامعات التركية على العالم جزء أصيل من انفتاح تركيا نفسها على العالم. وما بدأ مع العالم العربي يتيح فرصة لتحويل الروابط التاريخية والإنسانية القائمة إلى شراكة علمية مؤسسية.

المطلوب الآن أن تتعامل الجامعات مع هذه الخطوة بوصفها مجالا حقيقيا للعمل، لا مناسبة جديدة لإضافة بروتوكول آخر إلى الأرشيف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks