
يشكّل حزب الله اللبناني، منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، حجر الزاوية في المشروع الإقليمي الإيراني المعروف إعلاميًا وسياسيًا بـ”محور المقاومة” , فقد تجاوزت أدواره حدود الصراع التقليدي مع إسرائيل، ليتحول إلى مركز تنسيق وإدارة للأذرع المسلحة الموالية لطهران في العراق وسوريا واليمن, ومن هنا، فإن أي تحرك جاد نحو نزع سلاح الحزب يُعتبر زلزالًا استراتيجيًا يضرب البنية الصلبة لهذا المحور ويعيد رسم توازنات المنطقة.
الحوثيون وحزب الله… تحالف يتجاوز الحدود
بالنسبة للحوثيين في اليمن، يُعد حزب الله أكثر من مجرد حليف سياسي أو إعلامي؛ فهو الشريان الذي يغذيهم بخبرات عسكرية وتقنية وإسناد إعلامي مباشر. من العاصمة بيروت، أُديرت عمليات تدريب قيادات وعناصر حوثية على أساليب القتال الحديثة، ونُقلت تقنيات تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما تم تأسيس منظومة دعائية حوثية تحاكي خطاب الحزب وأسلوبه في التحشيد والتعبئة. ولذلك، فإن أي خطوة تؤدي إلى تقليص القدرات العسكرية لحزب الله، تعني بالنسبة للحوثيين تجفيف أحد أهم منابع الدعم الاستراتيجي الذي يمدهم بأدوات البقاء والتمدد.
الحشد الشعبي… النموذج المستوحى من تجربة الحزب
أما على مستوى الحشد الشعبي في العراق، فإن المشهد لا يختلف كثيرًا. فحزب الله يُعد نموذجًا مُلهِمًا لهذه الفصائل، ومصدرًا لتبادل الخبرات في مجالات التسليح والتكتيك العسكري والحرب الإعلامية. إن ضرب الحزب أو تفكيك قوته سيُرسل رسائل مباشرة لهذه التنظيمات بأن الغطاء الإيراني قد يتعرض للاهتزاز في أي وقت، وأن البقاء كقوة مسلحة موازية للدولة ليس قدرًا حتميًا.
شبكة الإمداد الإقليمية… العمود السري للقوة
إن نزع سلاح حزب الله لا يُختزل في إبعاد أسلحته الثقيلة أو تحجيم ترسانته الصاروخية؛ بل هو عملية معقدة تهدف إلى تفكيك شبكة إمداد واتصال إقليمية تربط بين إيران وسوريا ولبنان والعراق واليمن. هذه الشبكة تشمل مسارات تهريب الأسلحة عبر البر والبحر والجو، وتبادل الخبراء والمستشارين، وتنسيق العمليات الميدانية عبر غرف قيادة مشتركة. وإذا انهارت الحلقة اللبنانية، فإن الحوثيين والحشد الشعبي سيفقدون جزءًا كبيرًا من قدرتهم على العمل كأذرع إقليمية متكاملة ضمن المشروع الإيراني.
الرسالة السياسية… لا سلاح خارج سلطة الدولة
الأبعاد السياسية لهذه الخطوة لا تقل أهمية عن أبعادها العسكرية. فهي تحمل رسالة واضحة بأن نموذج “الدولة داخل الدولة” الذي ترسخ في لبنان لعقود يمكن تفكيكه، وأن السلطة الحصرية على السلاح يجب أن تكون للدولة الوطنية. بالنسبة للحوثيين، فإن هذا التطور يفتح الباب أمام إمكانية تطبيق النموذج نفسه في اليمن، سواء من خلال ضغوط داخلية متصاعدة أو عبر تدخلات إقليمية ودولية تهدف لإنهاء سطوتهم العسكرية.
تحليل استراتيجي: تداعيات نزع سلاح حزب الله على اليمن والعراق
إذا دخل مشروع نزع سلاح حزب الله حيز التنفيذ، فإن التأثير المباشر سينعكس على بنية “محور المقاومة” ككل، وخاصة على الساحتين اليمنية والعراقية.
في اليمن، يعتمد الحوثيون على الدعم اللوجستي والتقني الذي يصلهم عبر قنوات مرتبطة مباشرة بالحزب، سواء من خلال تدريب كوادرهم في لبنان، أو عبر وسطاء في سوريا والعراق. سقوط حزب الله عسكريًا سيجعل الحوثيين أكثر عزلة، ويجبرهم على البحث عن بدائل أقل كفاءة وأكثر تكلفة، مما يضعف قدرتهم على تطوير أسلحة نوعية أو شن عمليات هجومية بعيدة المدى.
في العراق، سيؤدي تحجيم حزب الله إلى تقليص قدرات الحشد الشعبي على التنسيق مع طهران، إذ يلعب الحزب دور “حلقة الوصل الميدانية” التي تترجم الاستراتيجية الإيرانية إلى خطط تنفيذية على الأرض. غياب هذا الدور سيزيد من اعتماد فصائل الحشد على القنوات الإيرانية المباشرة، ما يبطئ سرعة القرار ويضعف مرونتها الميدانية.
على المستوى الإقليمي، فإن نزع سلاح الحزب سيكون بمثابة اختبار أولي لمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض نموذج “حصر السلاح بيد الدولة” في مناطق النزاع. نجاح التجربة في لبنان سيعزز الضغوط على القوى المسلحة غير النظامية في اليمن والعراق، ويمنح خصوم الحوثيين والحشد الشعبي ورقة سياسية قوية للمطالبة بتطبيق السيناريو ذاته.
الخلاصة… إعادة رسم الخريطة الأمنية للمنطقة
في المحصلة، فإن أي تحرك جاد لنزع سلاح حزب الله سيعيد رسم الخريطة الأمنية في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع يكون فيها الحوثيون والحشد الشعبي أضعف تنظيميًا وأقل قدرة على فرض نفوذهم خارج إطار الدولة.