روكب اليوم
2026-10-29 11:17:00

مع ذلك كان قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير متوقعاً على نطاق واسع، ويعود ذلك إلى أن تعديل أسعار الفائدة يُعد أداة خشنة؛ قد تلحق ضرراً جسيماً بالاقتصاد إذا استُخدمت في توقيت غير مناسب.
وفي مؤتمر صحفي عُقد أمس الأربعاء، قال كيفن وورش، رئيس الاحتياطي الفيدرالي: «تتغلغل أسعار الفائدة في كل تفاصيل الاقتصاد؛ فهي تؤثر على كل شيء».
وكان مسؤولو البنك المركزي قد رفعوا أسعار الفائدة في الشهر الماضي للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهم يرغبون الآن في الانتظار قليلاً لمراقبة استجابة الاقتصاد قبل توجيه ضربة أخرى له عبر رفع إضافي للفائدة.
وأشار وورش إلى أنه يشعر بالتفاؤل إزاء انخفاض توقعات التضخم منذ أن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر أيلول.
مع ذلك، فإن الاحتياطي الفيدرالي يخوض مخاطرة كبيرة بانتظاره هذا؛ إذ يواجه خطر تكرار خطأ عام 2021، حين افترض آنذاك أن «وحش التضخم» يمكن القضاء عليه بمجرد تجاهله، وهو افتراض ثبت أنه كان خطأً كارثياً.
ربما يكون الوضع هذه المرة مختلفاً، وقد يتبين لاحقاً أن التريث وعدم التسرع كان قراراً حكيماً، أو ربما يضطر البنك المركزي في ديسمبر كانون الأول إلى إخضاع الاقتصاد لـ«علاج بالصدمة»، كان من الممكن تجنبه لو تم رفع أسعار الفائدة في أكتوبر تشرين الأول.
لماذا لم يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة؟
رفع أسعار الفائدة يزيد من تكاليف الاقتراض على الشركات، ما يقلل من الأموال المتاحة لديها لتوظيف عمالة جديدة، وقد يكون هذا الوقت محفوفاً بالمخاطر للعبث بسوق العمل؛ فالاقتصاد الأميركي أضاف خلال الشهرين السابقين عدداً من الوظائف يقل بـ60 ألف وظيفة عما كان يُعتقد سابقاً، وقد شهد الاقتصاد الأميركي خسارة صافية في عدد الوظائف خلال سبعة أشهر من الأشهر الستة عشر الماضية.
ورغم أن معدل البطالة عند مستوى جيد يبلغ 4.2%، يصف الاقتصاديون الوضع الحالي للاقتصاد بأنه يتسم بـ«انخفاض معدلات التوظيف، وانخفاض معدلات التسريح»، وبعبارة أخرى، قد لا تكون وظيفتك الحالية مُهددة، لكن إذا قررت ترك عملك، فقد تجد صعوبة في العثور على وظيفة جديدة.
ورغم تراجعها قليلاً منذ ذلك الحين لتعود إلى مستويات منتصف سبتمبر، فإن بقاء العوائد مرتفعة نسبياً يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة للحركة؛ إذ إن تأثيرها يشبه تأثير أسعار الفائدة التي يحددها البنك المركزي، حيث تسهم في إبطاء الاقتصاد والحد من التضخم.
كما أن الاحتياطي الفيدرالي لا يفضل مفاجأة المستثمرين، حتى في ظل النهج الجديد الذي يتبعه «وورش» والقائم على إبقاء الأسواق في حالة ترقب وتخمين.
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لبورصة شيكاغو التجارية (CME)، كانت الأسواق تتوقع بنسبة 91% أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير؛ لذا فإن أي زيادة كانت ستؤدي على الأرجح إلى إعادة توازن مؤلمة في الأسواق.
أما عن التوقيت، فربما تأثر قرار الاحتياطي الفيدرالي، ولو جزئياً، بالانتخابات المقبلة، وصرح نارايانا كوشيرلاكوتا، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، أن البنك تردد في رفع أسعار الفائدة رغبةً منه في تجنب انتقادات الرئيس دونالد ترامب.
لماذا قد يكون قرار الإبقاء على أسعار الفائدة خطأً؟
عادةً لا يتدخل الاحتياطي الفيدرالي عندما تنجم الضغوط التضخمية عن صدمات في جانب العرض، مثل أزمة الطاقة التي تسببت فيها الحرب مع إيران؛ فهذه الصدمات تكون بطبيعتها مؤقتة، ويصعب التنبؤ بها، ولا تتأثر بتغيرات أسعار الفائدة.
لكن صدمات العرض قد تؤدي أحياناً إلى مشكلات أكبر يمكن للاحتياطي الفيدرالي المساعدة في معالجتها، وهو أمر يدركه البنك جيداً، فقد مر بهذه التجربة مؤخراً.
وفي نهاية المطاف، نجح الاحتياطي الفيدرالي في كبح جماح التضخم وخفضه إلى مستويات أكثر قابلية للسيطرة، ولكن لم يحدث ذلك إلا بعد أن بلغت أسعار المستهلكين ذروتها عند معدل سنوي قدره 9.1%، وهو أعلى مستوى لها منذ أربعة عقود.
وقد لا يختلف الوضع هذه المرة؛ فالتضخم بدأ بالفعل في الامتداد إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد.
في تقرير تضخم أسعار المستهلك لشهر سبتمبر، أُعلن عن ارتفاع مفاجئ في تكاليف السكن والإيجارات؛ وهي عامل رئيسي في التضخم كانت وتيرته قد تباطأت خلال فصلي الربيع والصيف، كما جاءت تكاليف الخدمات الأخرى المتعلقة بالسكن أعلى من المتوقع؛ وتميل هذه الأسعار إلى الصعود والبقاء مرتفعة.
ومن العوامل الأخرى التي تغذي التضخم الاستثمارات في مراكز البيانات والتقنيات الداعمة للذكاء الاصطناعي، والتي دفعت بالاقتصاد نحو وتيرة متسارعة للغاية، وقد انعكس ذلك على ارتفاع أسعار الكهرباء، ومواد البناء، وأجور الأيدي العاملة، والأجهزة التقنية الشخصية كالهواتف الذكية والحواسيب المحمولة.
وقد يزداد الارتفاع في أسعار الطاقة، إذا نفذ ترامب تهديده بتصعيد الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، ما قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات أعلى.
وهنا يبرز تشبيه «الضفدع في الماء المغلي»؛ فقرارات رفع أسعار الفائدة لا تظهر آثارها إلا بعد فترة، كما أن التغييرات الحادة في أسعار الفائدة قد تلحق أضراراً جسيمة بالنظام المالي والأسواق والاقتصاد.
لكن للأسف يميل «الضفدع الاقتصادي» إلى البقاء في الإناء إذا ما ارتفعت درجة الحرارة تدريجياً، ولكنه يفشل في النجاة بعد غليان الماء.