هل تختفي طوابير المطارات بفضل الذكاء الاصطناعي؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-08-31 10:02:00

1704740

من البحث عن وجهة وحجز التذكرة إلى تسليم الأمتعة وعبور بوابات المطار، ثم الوصول إلى الفندق والتنقل داخل الوجهة، تمر رحلة المسافر عبر سلسلة طويلة من الأنظمة التي تعمل غالباً بعيداً عن الأنظار.

لكن قطاع السفر يتجه اليوم إلى تغيير أكثر جذرية: الانتقال من رقمنة كل مرحلة على حدة إلى ربط الرحلة كاملة، بحيث تتبادل شركات الطيران والمطارات والجهات الحدودية ومقدمو الخدمات المعلومات والقرارات بصورة شبه لحظية.
ويقول ماهر كوبا، نائب الرئيس التنفيذي لوحدة السفر والمدير الإداري لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في «أماديوس»، في مقابلة مع روكب اليوم الاقتصادية، إن الشركة توفّر التكنولوجيا التي تدعم مراحل متعددة من رحلة المسافر، بدءاً من البحث والتخطيط والحجز عبر مواقع شركات الطيران أو وكالات السفر ومراكز الاتصال، مروراً بخدمات المطار والتحقق البيومتري، ووصولاً إلى النقل والإقامة والخدمات التي يحتاج إليها المسافر بعد بلوغ وجهته.

والهدف، وفق كوبا، هو بناء رؤية متكاملة للرحلة وربط نقاطها المختلفة، بدلاً من إبقاء كل خدمة ضمن نظام منفصل. لكن النتيجة التي يلمسها المسافر لن تعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على قدرة هذا النظام المعقد على العمل كوحدة واحدة.

المسافر يرفع سقف التوقعات

التغيير الأكبر في قطاع السفر، وفق كوبا، لا يرتبط بالطائرات أو المطارات بقدر ما يرتبط بالمسافر نفسه. فالتجارب الرقمية التي تقدمها منصات مثل «أمازون» و«نتفليكس» و«إير بي إن بي» رفعت سقف التوقعات؛ ولم يعد المسافر يقبل بأن تكون عملية تغيير رحلة أو استرداد قيمة تذكرة أكثر تعقيداً بكثير من شراء منتج أو حجز إقامة عبر الإنترنت.

وتزداد أهمية هذا التحول في الشرق الأوسط، حيث وضعت دول خليجية الطيران في قلب استراتيجياتها الاقتصادية، ليس فقط لجذب السياح، بل لتعزيز التجارة والخدمات اللوجستية ومكانتها كمراكز عبور عالمية. ويرى كوبا أن الرؤى طويلة الأمد والاستثمار في المطارات وشبكات الربط والمنتجات الجوية جعلت الطيران ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي في المنطقة.

لكن هذه الطموحات واجهت اختباراً صعباً خلال 2026، مع تسبب التوترات الجيوسياسية في إلغاء رحلات وإغلاق مجالات جوية واضطراب شبكات الطيران. وأظهرت نتائج «أماديوس» للنصف الأول من العام انكماش الحجوزات الجوية التي تعالجها الشركة بنسبة 3.7%، بينما ارتفعت إيرادات حلول تكنولوجيا شركات الطيران بنسبة 8.7% على أساس العملة الثابتة. ويعكس هذا التباين أن الاضطرابات خفّضت حجم الحجوزات، لكنها لم توقف إنفاق الشركات على الأنظمة التقنية.
وقال كوبا إن الانتشار الواسع لـ«أماديوس» في المنطقة جعل أحجام أعمالها تتأثر سريعاً بتراجع الرحلات. لكنه أشار إلى أن قطاع الطيران أثبت قدرته على التعافي بعد أزمات سابقة، من النزاعات إلى جائحة «كوفيد-19». وبحسبه، عادت الطاقة الاستيعابية في المنطقة خلال يونيو ويوليو إلى ما بين 80% و90% من مستويات ما قبل الاضطرابات، بالتوازي مع بدء تعافي أحجام السفر، مستفيدة من قوة البنية التحتية وشبكات الربط الجوي.

الوجه يتحول إلى وثيقة سفر

أوضح تطبيق للتحول التقني يظهر في استخدام القياسات الحيوية. ففي مطار دبي، يستطيع بعض المسافرين استخدام الوجه في عدد متزايد من المحطات، من إجراءات السفر وتسليم الأمتعة ذاتياً إلى عبور البوابات ودخول الصالات والصعود إلى الطائرة.

ويرى كوبا أن استخدام هوية بيومترية واحدة عبر هذه النقاط يمكن أن يجعل تجربة المطار أكثر سلاسة لأن المسافر لن يضطر إلى إبراز جواز سفره وبطاقة صعوده عند كل مرحلة.

وفي أواخر 2025، أعلنت «طيران الإمارات» استثمار 85 مليون درهم لتركيب أكثر من 200 كاميرا مزودة بتقنيات بيومترية في المبنى رقم 3 بمطار دبي الدولي، بما يتيح استخدام التعرف إلى الوجه في إجراءات السفر والهجرة والصالات وبوابات الصعود.

أما مبلغ 1.2 مليار يورو المرتبط بخطط «أماديوس»، فلا يمثل إنفاقاً مباشراً على أجهزة مطارات بعينها، بل قيمة استحواذ مقترح على شركة «إيديميا للأمن العام» لتعزيز قدرات الهوية الرقمية والقياسات الحيوية، بعد استحواذها على «فيجن بوكس» في 2024. ولا تزال الصفقة خاضعة لشروط الإغلاق والموافقات التنظيمية.

لكن التحول نحو الوجه بصفته وثيقة سفر رقمية لا يعني إلغاء الخيارات التقليدية بالضرورة؛ إذ تؤكد مبادرة «الهوية الواحدة» التابعة للاتحاد الدولي للنقل الجوي أهمية تمكين المسافر من الانسحاب من المسار البيومتري واختيار المعالجة اليدوية.

من الإجابة إلى تنفيذ الحجز

المرحلة التالية تتجاوز القياسات الحيوية إلى «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، القادر على تنفيذ المهام بدلاً من الاكتفاء بتقديم إجابات أو اقتراحات كما تفعل روبوتات المحادثة التقليدية.

ويشرح كوبا أن المسافر الذي يريد تغيير رحلته قد يتحدث إلى وكيل صوتي يفهم سبب التغيير والطلب الجديد، ويفحص الخيارات المتاحة وشروط التذكرة، ثم يقدم توصية تستند إلى ملف المسافر وبياناته المحفوظة. وبعد موافقته، يستطيع النظام بدء عملية الدفع وإصدار الحجز الجديد ضمن محادثة واحدة.

ويمكن أن تجري هذه المحادثة باللغة التي يفضّلها المسافر، حتى عندما ينتقل خلال حديثه بين العربية والإنجليزية والفرنسية، وهو نمط شائع في أسواق متعددة اللغات مثل لبنان ودول الخليج وشمال إفريقيا.

ووفق كوبا، انتقل القطاع خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 الماضية من مرحلة النماذج الأولية والتجارب المحدودة وإثبات المفهوم إلى البحث عن تطبيقات حقيقية قابلة للتوسع. ولم يعد كافياً إظهار قدرة النظام على تنفيذ مهمة، بل أصبح مطلوباً إثبات أثره في خدمة العملاء والعمليات، وتقديم عائد واضح على الاستثمار.

إدارة التغييرات تحت ضغط الوقت

قد يظهر أثر هذه التكنولوجيا بوضوح عند اضطراب الرحلات، إذ تتطلب إعادة الحجز مراجعة خيارات وشروط متعددة والتواصل مع أعداد كبيرة من المسافرين خلال وقت قصير.

ويرى كوبا أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يستطيع أتمتة جانب كبير من الأعمال الإدارية المتكررة وسير العمل، بما يقلص حجم العمل اليدوي ويتيح للموظفين التركيز بصورة أكبر على القيمة المضافة والمهام التي تتطلب تدخلاً بشرياً

عرض مختلف لكل مسافر

يمتد الاستخدام المحتمل إلى تخصيص العروض. فبدلاً من تقسيم العملاء إلى فئات عامة وتقديم الحزمة ذاتها لجميع المنتمين إلى الفئة، تستطيع الأنظمة الوصول إلى مستوى أكثر دقة، عبر تحليل تاريخ السفر والتفضيلات ومدة الرحلة والغرض منها.

ويضرب كوبا مثالاً بالفرق بين مسافر يقوم برحلة قصيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع ولا يحتاج إلا إلى حقيبة محمولة، وعائلة تقضي إجازة طويلة وتحتاج إلى أمتعة وخدمات إضافية. وفي كلتا الحالتين، يمكن للنظام إعادة تركيب العرض بما يتناسب مع الغرض من الرحلة.

إلا أن هذا التخصيص يثير تساؤلات حول احتمال تحوله من تحسين للخدمة إلى تمييز سعري قائم على ما تعرفه المنصة عن العميل أو على قدرته المتوقعة على الدفع. وردّ كوبا بأن الهدف هو جعل مكونات العرض أكثر ملاءمة لاحتياجات المسافر، من دون أن يقدم نفياً قاطعاً لإمكان تأثير البيانات في التسعير مستقبلاً.

هل تمنح التكنولوجيا دبي طاقة إضافية؟

استقبل مطار دبي الدولي 95.2 مليون مسافر خلال 2025، مسجلاً أعلى حركة دولية سنوية في تاريخ المطارات. ومع استمرار هذا النمو القياسي، تبرز أهمية رفع كفاءة المطار لاستيعاب أعداد إضافية من المسافرين، مع اقترابه من حدود طاقته الحالية.

وفي الوقت نفسه، تعمل دبي على توسيع مطار آل مكتوم الدولي، تمهيداً لنقل عمليات مطار دبي الدولي إليه تدريجياً. ومن المقرر أن تصبح المرحلة الأولى جاهزة بحلول 2034 بطاقة تبلغ 150 مليون مسافر سنوياً، على أن تتجاوز الطاقة النهائية للمطار 260 مليوناً.

لكن إلى حين دخول هذه الطاقة الجديدة حيز الخدمة، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع التكنولوجيا مساعدة مطار دبي الدولي على استيعاب مزيد من المسافرين باستخدام بنيته الحالية؟

يرى كوبا أن ذلك ممكن عبر إنجاز بعض الإجراءات قبل الوصول، وزيادة الاعتماد على الخدمة الذاتية، وتنظيم تدفقات المسافرين، وتحسين استخدام البوابات والمعدات والموظفين. ولا تضيف هذه الحلول مدارج أو بوابات جديدة، لكنها ترفع كفاءة المطار وتدعم انسيابية عملياته خلال المرحلة الانتقالية.

وتعزز هذه الإمكانات مكانة الإمارات، التي تجمع بين دورها مركزاً عالمياً للطيران وطموحها لأن تصبح من الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي. كما كانت شركات الطيران والمطارات فيها من أوائل المتبنين للتحول الرقمي والقياسات الحيوية، ما يجعل الذكاء الاصطناعي خطوة تالية منطقية.

ويتوقع كوبا مستقبلاً تعمل فيه مجموعة من الوكلاء الرقميين داخل المطار؛ يتولى أحدهم تنسيق البوابات، وآخر توزيع المعدات، وثالث إدارة تدفقات المسافرين، فيما تتبادل هذه الأنظمة المعلومات وتتخذ قرارات مترابطة للمحافظة على انسيابية العمليات.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

لا يقتصر التحول على الدول التي تمتلك مطارات ضخمة. فأسواق مثل مصر ولبنان والعراق يمكنها بدورها تبني أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيلي، خصوصاً في خدمة العملاء وإعادة الحجز. ويرى كوبا أنه لا يوجد سبب يحول دون تبني شركات الطيران والمطارات في هذه الدول التكنولوجيا عندما تثبت قدرتها على خلق قيمة فعلية.

لكن الوصول إلى رحلة بيومترية متكاملة يتطلب استثمارات وتنسيقاً أوسع. وأوضح أن نجاح تجربة دبي لم ينتج من شراء التكنولوجيا وحدها، بل من الاستثمار في البنية التحتية والتنسيق التنظيمي بين مختلف الأطراف.

فلا يمكن السماح لمسافر بعبور الحدود اعتماداً على الوجه ما لم تثق سلطات الحدود بطريقة التحقق من الهوية، وتوافق شركات الطيران والمطار والجهات الحكومية على العملية من بدايتها إلى نهايتها. لذلك، قد يكون ضعف التنسيق المؤسسي عائقاً أكبر من تكلفة البرمجيات نفسها.

هل تختفي وكالات السفر؟

رغم انتقال الحجز والتعديل وخدمة العملاء إلى الأنظمة الآلية، لا يتوقع كوبا اختفاء وكالات السفر. ويرى أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل البشر بقدر ما سيضاعف قدرتهم، من خلال أتمتة الأعمال الإدارية المتكررة وترك الموظفين يركزون على الخدمة والقيمة المضافة وبناء تجربة أكثر ملاءمة للمسافر.

ومع ذلك، يعني هذا التحول أن الوظائف القائمة أساساً على تنفيذ الإجراءات الميكانيكية ستكون الأكثر تعرضاً للتغيير، فيما ترتفع أهمية الأدوار التي تتطلب الحكم البشري والتعامل مع الحالات الاستثنائية وفهم احتياجات العميل.

ويلخص كوبا رؤيته بالقول: «الذكاء الاصطناعي لن يُخرج الإنسان من السفر، بل سيُخرج الاحتكاك من تجربة السفر».

مَن يتحمل مسؤولية الخطأ؟

يبقى هذا الوعد مشروطاً بالثقة. فالخطأ في اقتراح فيلم أو مطعم لا يشبه الخطأ في إصدار تذكرة أو تحصيل دفعة أو منع مسافر من العبور. وحتى أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي قد تقدم أحياناً معلومات غير صحيحة أو توصيات لا يمكن تفسيرها.

ويرفض كوبا أن يعمل الذكاء الاصطناعي في قطاع السفر بصفته «صندوقاً أسود». فإذا أوصى وكيل رقمي برحلة معينة، يجب أن تتمكن شركة الطيران من تفسير سبب التوصية، والبيانات التي استُخدمت، والقواعد التي طُبقت، مع إبقاء الرقابة البشرية ضمن العملية.

ويضيف أن بناء نظام موثوق يتطلب الجمع بين الخصوصية والأمن وقابلية التفسير والمساءلة والموثوقية، مع الالتزام بالقوانين التي تحكم تخزين البيانات واستخدامها في كل دولة. لكن تحديد المسؤولية القانونية النهائية عند وقوع خطأ بين شركة التكنولوجيا وشركة الطيران والمطار والجهة الحكومية سيظل من أكثر الأسئلة تعقيداً مع توسع استخدام هذه الأنظمة.

وعليه، قد تصبح طوابير المطارات أقصر بكثير، لكنها لن تختفي بمجرد تركيب كاميرات أو إطلاق وكيل ذكي. اختفاؤها يتطلب أن تعمل الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي وشركات الطيران والمطارات والحدود كمنظومة واحدة؛ وهي مهمة تنظيمية ومؤسسية بقدر ما هي تقنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks