هل ترتفع الأسعار؟ قراءة اقتصادية تكشف تداعيات قرار تحرير سعر الدولار الجمركي في اليمن

روكب اليوم

في خضم الجدل المتصاعد حول قرار تحرير سعر صرف الدولار الجمركي في اليمن، قدّم الباحث الاقتصادي وحيد الفودعي قراءة تفصيلية لحجم التأثير الفعلي المتوقع على أسعار السلع، مؤكداً أن الزيادة في الرسوم الجمركية لا تعني بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً في أسعار المنتجات للمستهلك النهائي.

وأوضح الفودعي أن الحكومة بدأت منذ 19 مايو تطبيق قرار تحرير سعر الصرف الجمركي، بعد أن كان الدولار الجمركي محتسباً عند 750 ريالاً، فيما يقترب حالياً من مستوى 1560 ريالاً وفق سعر السوق، ما يعني ارتفاعاً بنسبة تقارب 108% في قيمة سعر الصرف الجمركي نفسه.

لكن الباحث الاقتصادي شدد على أن هذه الزيادة تنعكس فقط على بند الرسوم الجمركية، وليس على كامل قيمة السلعة المستوردة، وهو ما يجعل الأثر النهائي على أسعار السلع محدوداً مقارنة بما يُتداول في الأسواق.

ووفقاً للأمثلة التي أوردها، فإن السلعة التي تخضع لجمارك بنسبة 5% لن يتجاوز أثر القرار على سعرها النهائي للمستهلك نحو 2.13%، بينما تصل الزيادة إلى نحو 4.19% فقط بالنسبة للسلع الخاضعة لجمارك بنسبة 10%.

وأشار الفودعي إلى أن السلع الأساسية المعفاة جمركياً، مثل القمح والأرز والأدوية المدرجة ضمن القائمة الوطنية، لا يفترض أن تتأثر بشكل مباشر بالقرار، باعتبار أن الرسوم الجمركية عليها تساوي صفراً.

واعتبر أن أي زيادات كبيرة في أسعار السلع تحت مبرر تحرير الدولار الجمركي تمثل “استغلالاً للقرار” أكثر من كونها انعكاساً حقيقياً لتكلفته الفعلية، موضحاً أن كثيراً من التجار كانوا خلال السنوات الماضية يدفعون رسوماً منخفضة وفق سعر صرف جمركي أقل من سعر السوق، بينما يتم تسعير السلع للمستهلك وفق السعر الحقيقي للدولار.

وفي المقابل، توقع الفودعي أن يحقق القرار زيادة كبيرة في الإيرادات الجمركية للدولة، قد تتجاوز 100% للوحدة المستوردة الواحدة، شريطة ثبات حجم الواردات واستمرار التحصيل بالكفاءة نفسها، معتبراً أن القرار قد يساهم في تقليص التشوهات المالية وتعزيز موارد الخزينة العامة.

ودعا الباحث الاقتصادي الحكومة إلى مرافقة القرار بحزمة إجراءات رقابية وإصلاحية، في مقدمتها ضبط الأسعار ميدانياً، ومنع أي زيادات غير مبررة، وتعزيز الرقابة الجمركية في المنافذ، ومكافحة التلاعب بالفواتير والقيم الجمركية، إضافة إلى أتمتة الإجراءات والربط الإلكتروني بين الجهات المختصة للحد من الفساد والتهرب.

كما شدد على أهمية إعلان قائمة واضحة بالسلع المعفاة ونسب الرسوم الجمركية، وفرض عقوبات على المخالفين والمتلاعبين بالأسعار أو الفواتير أو التصنيفات الجمركية، مؤكداً أن نجاح القرار يعتمد على “عدالة التطبيق وشفافية الإدارة”، وليس على إصدار القرار بحد ذاته.

وختم الفودعي قراءته بالتأكيد على أن تحرير سعر الصرف الجمركي يمكن أن يمثل خطوة مالية مهمة لدعم الإيرادات العامة وتحسين كفاءة التحصيل، لكنه يتطلب إدارة حكومية صارمة تحول دون تحوله إلى موجة غلاء غير مبررة يتحمل أعباءها المواطنون.

طالع أيضا:  بيان مهم للجمارك اليمنية بشأن القرار الحكومي بتحرير سعر الدولار الجمركي وأثره على السلع

نص مقال الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي: 

قررت الحكومة تحرير سعر الصرف الجمركي، بدءا من 19 مايو، بعد أن كان معتمدًا سابقًا عند 750 ريالًا للدولار. ووفقًا لسعر الصرف السائد حاليًّا، فإن السعر الجمركي الجديد سيقترب من 1,560 ريالًا للدولار، أي بزيادة في سعر الصرف الجمركي نفسه قدرها نحو 108%.

لكن من المهم توضيح نقطة أساسية:

هذه الزيادة لا تعني أن أسعار السلع المستوردة سترتفع بالنسبة نفسها، لأن الزيادة تقع على قيمة الرسوم الجمركية فقط، وليس على كامل قيمة السلعة.

فمثلًا:

إذا كانت قيمة السلعة المستوردة 1,000 دولار، وكانت الجمارك عليها 5%، فإن قيمة الجمارك بالدولار تساوي 50 دولارًا.

قبل القرار:

50 × 750 = 37,500 ريال

وبعد القرار:

50 × 1560 = 78,000 ريال

أي أن الزيادة في الجمارك نفسها تساوي: 78,000 – 37,500 = 40,500 ريال

وبنسبة زيادة في الجمارك قدرها نحو 108%.

حجم التأثير على المستهلك

لكن هذا ليس أثرًا مباشرًا على كامل سعر السلعة للمستهلك، بل أثره النهائي يكون محدودًا بحسب نسبة الجمارك من إجمالي تكلفة السلعة.

ولتبسيط الصورة نفترض الآتي:

قيمة السلعة: 1000 دولار

سعر الصرف في السوق: 1560 ريالًا للدولار

قيمة السلعة بالريال: 1,560,000 ريال

مصاريف نقل وإدارية وأخرى: 300,000 ريال

ربح التاجر النهائي: 20%

أولًا: السلع الأساسية المعفاة أو التي جماركها 0%

لا يوجد أي أثر مباشر للقرار على السعر النهائي، لأن الجمارك أصلًا صفر.

التكلفة قبل وبعد القرار:

1,560,000 + 300,000 = 1,860,000 ريال

السعر بعد إضافة ربح 20%:

1,860,000 × 1.20 = 2,232,000 ريال

إذن الأثر: صفر.

ثانيًا: سلعة جماركها 5%

قبل القرار:

الجمارك = 1000 × 5% × 750 = 37,500 ريال

إجمالي التكلفة = 1,560,000 + 300,000 + 37,500 = 1,897,500 ريال

السعر النهائي بعد ربح 20% = 2,277,000 ريال

بعد القرار:

الجمارك = 1000 × 5% × 1560 = 78,000 ريال

إجمالي التكلفة = 1,560,000 + 300,000 + 78,000 = 1,938,000 ريال

السعر النهائي بعد ربح 20% = 2,325,600 ريال

الفارق في السعر النهائي: 2,325,600 – 2,277,000 = 48,600 ريال

أي أن الأثر النهائي على سعر المستهلك لا يتجاوز نحو 2.13% فقط، وليس 108% كما قد يروج البعض.

ثالثًا: سلعة جماركها 10%

قبل القرار:

الجمارك = 1000 × 10% × 750 = 75,000 ريال

إجمالي التكلفة = 1,560,000 + 300,000 + 75,000 = 1,935,000 ريال

السعر النهائي بعد ربح 20% = 2,322,000 ريال

بعد القرار:

الجمارك = 1000 × 10% × 1560 = 156,000 ريال

إجمالي التكلفة = 1,560,000 + 300,000 + 156,000 = 2,016,000 ريال

السعر النهائي بعد ربح 20% = 2,419,200 ريال

الفارق في السعر النهائي: 2,419,200 – 2,322,000 = 97,200 ريال

أي أن الأثر النهائي على سعر المستهلك يبلغ نحو 4.19% فقط.

وأي محاولة لرفع الأسعار بنسبة كبيرة بحجة أن سعر الصرف الجمركي ارتفع من 750 إلى 1560 ريالًا للدولار هي محاولة غير دقيقة ومضللة؛ لأن الزيادة تقع على بند الجمارك فقط، لا على كامل قيمة السلعة.

وعليه؛ فإن خلاصة أثر القرار تتمثل في الآتي:

السلع الأساسية المعفاة لا ينبغي أن تتأثر مباشرة.

السلع ذات الجمارك 5%؛ يكون أثر القرار على سعرها النهائي في حدود 2.13% وفق المثال أعلاه.

السلع ذات الجمارك 10%؛ يكون أثر القرار على سعرها النهائي في حدود 4.19% وفق المثال نفسه.

أما رفع الأسعار بنسب كبيرة تحت ذريعة تحرير الدولار الجمركي، فهو استغلال للقرار وليس انعكاسًا حقيقيًّا لتكلفته.

ويتضح مما سبق أن الأثر على المستهلك النهائي ليس كبيرًا في السلع غير المعفاة، إذا جرى احتساب الزيادة بصورة صحيحة، بينما يمكن أن يكون الأثر على موازنة الدولة كبيرًا، إذ ترتفع قيمة الإيرادات الجمركية للوحدة المستوردة بنسبة تزيد على 100%، وتحديدًا نحو 108% في هذا المثال، وذلك في الوضع النظري المثالي الذي تفترض فيه ثبات حجم الواردات، وثبات نسب الجمارك، واستمرار التحصيل بنفس الكفاءة السابقة.

المطلوب من الدولة:

لذلك، المطلوب ليس الاكتفاء بإصدار القرار، بل إدارته بكفاءة حتى لا يتحول إلى عبء على المواطن أو فرصة للاستغلال. ومن أهم ما يجب على الحكومة القيام به:

أولًا: تفعيل الرقابة السعرية الميدانية، بحيث تتابع وزارة الصناعة والتجارة ومكاتبها في المحافظات أثر القرار على أسعار السلع غير المعفاة فقط، وتمنع أي زيادات عشوائية أو مبالغ فيها لا تتناسب مع الأثر الحقيقي للرسوم الجمركية.

ثانيًا: إلزام التجار والمستوردين بإبراز هيكل التكلفة عند الحاجة، بما في ذلك قيمة الفاتورة، وسعر الصرف المستخدم، ونسبة الجمارك، ورسوم النقل والتخليص، وهامش الربح، حتى يكون ‏واضحًا هل الزيادة مبررة أم مجرد استغلال للقرار.

ثالثًا: تعزيز الرقابة الجمركية في المنافذ، لأن تحرير سعر الصرف الجمركي لن يحقق أثره المالي المطلوب إذا ظل التهرب الجمركي قائمًا، أو إذا استمرت ظاهرة تخفيض قيم الفواتير، أو إدخال سلع بتصنيفات جمركية غير دقيقة، أو تمرير بضائع دون تحصيل الرسوم المستحقة.

رابعًا: مكافحة التلاعب بالفواتير والقيم الجمركية، من خلال اعتماد قواعد تقييم واضحة، ومقارنة أسعار الفواتير بالأسعار الدولية والبيانات التجارية المتاحة، ومنع تقديم فواتير شكلية تقلل من قيمة السلعة بهدف خفض الرسوم.

خامسًا: أتمتة الإجراءات الجمركية والربط الإلكتروني بين الجمارك، والضرائب، ووزارة الصناعة والتجارة، والمواصفات والمقاييس، والبنك المركزي، بما يحد من الفساد، ويقلل التدخل البشري، ويرفع كفاءة التحصيل والرقابة.

سادسًا: توجيه أثر القرار لخدمة المالية العامة، بحيث تذهب الزيادة في الإيرادات الجمركية إلى الخزينة العامة بصورة شفافة، وتُستخدم في تمويل المرتبات والخدمات الأساسية، لا أن تضيع بسبب التهرب أو الفساد أو ضعف التحصيل.

سابعًا: حماية السلع الأساسية والغذائية والدوائية من أي انعكاسات غير مبررة، والتأكيد للمواطنين والتجار معًا أن السلع المعفاة أو ذات الجمارك الصفرية لا يوجد مبرر مباشر لرفع أسعارها بسبب هذا القرار.

ثامنًا: إعلان قائمة واضحة بالسلع المعفاة ونسب الجمارك، حتى لا يبقى المواطن ضحية للغموض، وحتى لا يستغل بعض التجار عدم معرفة المستهلك بالتفاصيل لتمرير زيادات غير قانونية.

تاسعًا: فرض عقوبات رادعة على المخالفين، سواء من يرفع الأسعار دون مبرر، أو من يتهرب جمركيًّا، أو من يتلاعب بالفواتير، أو من يزوّر بلد المنشأ أو التصنيف الجمركي، لأن نجاح القرار يعتمد على عدالة التطبيق لا على نص القرار فقط.

وعليه، فإن تحرير سعر الصرف الجمركي يمكن أن يكون خطوة مالية مهمة لتعزيز إيرادات الدولة وتقليص التشوهات، لكنه يحتاج إلى إدارة حكومية صارمة وشفافة. فالهدف يجب أن يكون زيادة إيرادات الدولة من الرسوم المستحقة فعلًا، لا فتح الباب أمام موجة غلاء غير مبررة يتحملها المواطن، ولا ترك القرار يُستغل من بعض التجار أو شبكات التهرب والفساد الجمركي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks