هل تقترب دمشق وطهران من تطبيع العلاقات؟ |


روكب اليوم

دمشق- لم تقتصر تداعيات عملية إسقاط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024 على الوضع السياسي السوري الداخلي فحسب، بل حملت معها أيضا إعادة تموضع إقليمية ودولية كاملة للبلاد، فوضعت حدا للتقارب الكبير بين إيران وسوريا الذي بدأ منذ نجاح ثورة الخميني عام 1979.

ودخلت العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط الأسد مرحلة قطيعة كاملة، كما لم تُظهر الحكومة السورية الجديدة مرونة تجاه طهران كما فعلت مع روسيا التي دعمت هي الأخرى نظام الأسد.

صورة أرشيفية تجمع المرشد الراحل علي خامنئي مع بشار الأسد حيث تطورت العلاقات بين إيران وسوريا منذ ثورة 1979 (أ.ب)

تاريخ العلاقات السورية الإيرانية حتى 2023

ازدهرت العلاقات بين سوريا وإيران بشكل واضح اعتبارا من عام 1979، فكانت سوريا -تحت حكم الرئيس السابق حافظ الأسد– أول دولة عربية اعترفت بالنظام الإيراني الجديد الذي تشكل بعد ثورة الخميني، والثالث عالميا بعد الاتحاد السوفياتي آنذاك وباكستان.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وقف حافظ الأسد إلى جانب إيران في الحرب مع العراق التي استمرت قرابة 8 سنوات، وقام بإغلاق خط نفط كركوك – بانياس عام 1982.

شكلت سوريا بالنسبة لإيران حلقة نفوذ مهمة في المنطقة، ومن خلالها وسّعت طهران دورها باتجاه لبنان عبر تأسيس حزب الله اللبناني، وكان لسوريا دور مهم في توفير الدعم له.

بعد اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد في مطلع عام 2011 انخرطت إيران بشكل كبير في دعم النظام عبر إرسال مستشارين عسكريين، ثم أشرف هؤلاء المستشارون على تأسيس مليشيات مساندة للنظام السوري مثل “الدفاع الوطني” و”فيلق المدافعين عن حلب” و”فيلق قاسم سليماني”.

مرّت العلاقة بمرحلة شك بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من استهداف واسع للقيادات الإيرانية في سوريا من قِبل إسرائيل، مما دفع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي للحديث بشكل واضح عن محاولات لإبعاد سوريا عن إيران.

بعد سقوط نظام الأسد فقدت إيران نفوذها السياسي والعسكري والأمني في سوريا، بالإضافة إلى خسارتها حلقة الوصل مع حزب الله في لبنان، مما ترك تداعيات على النفوذ الإيراني في المنطقة عموما.

رسائل بزشكيان إلى سوريا

تطرق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان -خلال كلمته في قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 أيلول/ سبتمبر/أيلول المنصرم- إلى سوريا، وأكد أن بلاده لم تتمكن إلى الآن من إقامة علاقات مع الحكومة السورية الجديدة بسبب الانطباع السائد بينهما.

وطالب بزشكيان خلال كلمته الحكومة السورية بأن تتصرف على أساس “الإسلام والدين والعدل والإنصاف”، مشيرا إلى أنه إذا طُبّق دين الله وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) فلن تكون هناك مشكلة، مما أوحى بأن إيران تسعى لاختبار إمكانية إصلاح العلاقات مع سوريا.

يرى الأكاديمي الخبير في السياسات الإيرانية فراس إلياس أن تصريحات بزشكيان تعبر عن اعتراف ضمني بأن إيران لن تتمكن من استعادة العلاقة مع سوريا بالشكل الذي كانت عليه في زمن نظام الأسد، وفي الوقت نفسه هي محاولة لمعرفة مدى استعداد دمشق لفتح صفحة جديدة مع إيران، وما هي الشروط السورية لذلك.

وأكد إلياس -في حديث للجزيرة نت- أن تصريحات بزشكيان هدفت إلى إعطاء تطمينات بأن إيران تتخلى عن النظرة المذهبية في التعاطي مع سوريا، وذلك من خلال الحديث عن الوحدة الإسلامية وسنة النبي.

واعتبر إلياس أن إيران -فيما يبدو- مستعدة لقبول مستوى علاقات منخفض مع سوريا تحكمه المصالح المتبادلة، حتى وإن كان بدون استعادة النفوذ العسكري الذي فقدته.

مرونة في الخطاب السوري

حمل الرد السوري على تصريحات بزشكيان -الذي صدر عن مستشار الشؤون الأفرو-آسيوية في وزارة الخارجية محمد الجفال- مرونة في الخطاب تجاه إيران، إذ لم يرفض مبدأ إقامة علاقات مستقبلية مع طهران شريطة مراجعة سياساتها واحترام سيادة سوريا، كما قال.

وأكد الباحث السوري عباس شريفة -المقرب من دوائر الحكومة السورية- أن تصفير المشاكل مع الجميع -بما في ذلك إيران- هي توجه إستراتيجي للدولة السورية، لكن مع حل الملفات العالقة مع إيران وإعادة رسم حدود هذه العلاقة.

وأوضح شريفة -في حديث للجزيرة نت- أنه لا يوجد رفض قاطع لإقامة علاقة مستقبلية بين سوريا وإيران، خصوصا أن كل الدول في المنطقة لديها علاقات معها، ولكن ما هو مرفوض من سوريا هو عودتها لتكون جزءا من المحور الإيراني كما كانت في السابق.

يُنسب إلى قاسم سليماني دعم كتائب تابعة لفيلق القدس في سوريا (الجزيرة)

قراءة في مصالح الأطراف

يعتقد الأكاديمي والخبير في السياسات الإيرانية فراس إلياس أن من مصلحة طهران ألا تستمر القطيعة مع سوريا لتتحول إلى خصومة إستراتيجية، لأنها تبحث عن الاحتفاظ بعلاقات سياسية تستفيد منها في منع انخراط سوريا بالكامل في محاور معادية لإيران.

ومنذ سقوط نظام الأسد وبالتوازي مع انحسار النفوذ الإيراني، أعادت سوريا تموضعها بالكامل وعززت علاقاتها الإقليمية مع السعودية وقطر وتركيا، كما أنها تقاربت بشكل كبير مع الولايات المتحدة ودخلت ضمن “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب” الذي تقوده واشنطن، أما على الصعيد الاقتصادي فيتم الحديث حالياً عن دور سوريا في خط الحجاز المنافس لمشروع الربط السككي الذي كانت تطمح إيران لتنفيذه.

وأشار إلياس إلى أن علاقة إيران مع سوريا تبقى مهمة إستراتيجياً للحفاظ على نافذة باتجاه لبنان والمتوسط، كما أن الجانب الاقتصادي مهم بالنسبة لطهران، لأن سوريا توفر فرصا استثمارية مهمة.

أيضا، رجح إلياس أن إيران ترغب في مواجهة تداعيات الحضور الإسرائيلي المتزايد في سوريا، والذي تعتبره مهددا لها، كما أنها تسعى لموازنة النفوذ التركي الذي توسع أكثر بعد غياب إيران عن سوريا.

وأكد الباحث عباس شريفة أن إيران الدولة -وبمعزل عن سياسات النظام الحالي- هي جزء أصيل من هذه المنطقة ولا يمكن تصور زوالها من منطقة الشرق الأوسط. وبحكم الجغرافيا، يمكن لسوريا وإيران التلاقي على المصالح الاقتصادية مثل مشاريع نقل الطاقة، والممرات الدولية كطريق الحرير.

التحديات

رغم الرسائل المرنة الأخيرة بين سوريا وإيران، والمصالح والفرص المحتملة، فإن هناك تحديات يبدو أنها لا تزال قائمة وتعوق تطوير العلاقات حالياً.

ويعتقد عباس شريفة أن إيران لا تزال تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءا من مجالها الحيوي، ولديها طموح لاستعادتها إلى محورها دون إجراء تقييم لدورها السلبي السابق في سوريا، ومن غير المؤكد حالياً إلى أي مدى ستفهم إيران أن سوريا متمسكة بالأمن القومي العربي، وأنها لا ترغب في أن تعود ساحة صراع.

وأكد شريفة أن إيران لا تزال تمارس سياسات عدائية عبر بعض حلفائها، كما أن سوريا ليست في عجلة من أمرها، وهي تترقب تشكل التحالفات الأمنية في المنطقة، وبناء عليه ستحدد تموضعها.

وفي 29 سبتمبر/أيلول المنصرم، أعلنت وزارة الداخلية السورية تفكيك خلية مؤلفة من 3 أشخاص قالت إنها تتبع لحزب الله اللبناني، وإنها كانت تعمل على تجهيز منصات إطلاق صواريخ في منطقة حوض اليرموك بمحافظة درعا.

ولفت الأكاديمي فراس إلياس إلى وجود تباين في زوايا النظر بين إيران وسوريا، حيث تنظر إيران إلى مستقبل العلاقات بينما سوريا تشترط مراجعة الدور الإيراني السابق، وتتمسك باحترام سيادة سوريا وعدم استمرار التعاطي معها بوصفها ساحة للنفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks