روكب اليوم
2026-07-30 18:16:00

ويرى أن ذلك النهج حوّل الأسواق إلى آلة لتوقع قرارات أسعار الفائدة، ما جعل البنك المركزي يشعر بأنه مضطر لمجاراة توقعات الأسواق حتى لو تغيرت الظروف الاقتصادية.
وبحسب تعبير وورش، أصبحت الأسواق «تلعب دور الحكم بدلاً من التركيز على الكرة».
لكن هذا الأسلوب الجديد لم يلقَ قبولاً لدى الأسواق.
فقد سجل مؤشر داو جونز أسوأ أداء يومي له منذ 15 شهراً يوم الأربعاء، فيما ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى في 19 عاماً، كما اقترب العائد على السندات لأجل عشر سنوات من أعلى مستوياته خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتعافت الأسهم قليلاً يوم الخميس، بينما استمرت السندات في التراجع.
ويرى كثير من المحللين أن تشدد وورش في حديثه عن التضخم، مع قرار الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة وعدم تقديم رؤية واضحة بشأن أي زيادات مستقبلية، أثار مخاوف تتعلق بـ«مصداقية» البنك المركزي، أي مدى ثقة الأسواق في التزامه بمحاربة التضخم ودعم التوظيف.
وذهب بعض المعلقين إلى التشكيك في قدرة وورش على إدارة الاقتصاد باستقلالية، خاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اختاره للمنصب، يطالب علناً بخفض أسعار الفائدة رغم استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
لكن عند التدقيق، لا يبدو هذا التفسير مقنعاً، إذ إن الفيدرالي فعل تماماً ما كانت الأسواق تتوقعه يوم الأربعاء.
ولذلك، قد يكون التفسير الأقرب هو أن الأسواق تحتاج ببساطة إلى وقت للتكيف مع رئيس جديد للبنك المركزي، ولغته المختلفة وأسلوبه الجديد في التواصل.
حجة “المصداقية”
لا يتردد وورش في اتخاذ موقف متشدد تجاه التضخم، إذ أكد أن أي معدل يتجاوز 2% غير مقبول.
وقال الأربعاء: «سنحقق هدف التضخم البالغ 2%، وسيكون الحكم علينا من خلال أدائنا، وهذا ما ننوي القيام به.»
لكن الفيدرالي لم يرفع أسعار الفائدة بعد تصويت انتهى بنتيجة 9 مقابل 3 للإبقاء عليها دون تغيير، كما امتنع وورش عن الإشارة بوضوح إلى احتمال رفعها مستقبلاً إذا لم يتراجع التضخم.
ومن هنا بدأ كثير من المحللين بالتشكيك في «مصداقية» الفيدرالي.
لكن المشكلة في هذا الطرح أن الأسواق كانت تتوقع بالفعل تثبيت أسعار الفائدة. فقد أظهرت أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME احتمالاً بنحو الثلثين للإبقاء على الفائدة بين 3.5% و3.75% قبل الاجتماع، فيما قدرت منصة Kalshi الاحتمال عند 74%، وهو ما حدث بالفعل.
كما أن وورش كرر مراراً أن الفيدرالي لن يقدم توجيهات مسبقة بشأن قراراته المستقبلية.
وبالتالي، كيف يمكن القول إن الفيدرالي خالف توقعات الأسواق وهو نفذ ما كانت تتوقعه بالفعل؟
حجة الفيدرالي المتشدد
هناك تفسير آخر لتحركات الأسواق، وهو أنها استمعت جيداً إلى تصريحات وورش واستوعبت رسالته.
فقد كرر التزامه بهدف التضخم البالغ 2%، وأكد أن تراجع التضخم الشهر الماضي لا يعني انتهاء المعركة، كما أشار عدة مرات إلى أن الارتفاع الكبير في استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي جعل مهمة الفيدرالي في كبح التضخم أكثر صعوبة.
كما أن معارضة ثلاثة أعضاء لقرار تثبيت الفائدة -بعدما فضلوا رفعها- بعثت برسالة قوية إلى الأسواق بأن البنك قد يضطر إلى رفع الفائدة قريباً، وربما في اجتماعه المقبل.
وتشير أداة FedWatch حالياً إلى أن احتمال رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر يبلغ نحو 60%.
وبعبارة أخرى، تواصل الأسواق القيام بما اعتادت عليه دائماً، وهو محاولة تفسير إشارات الفيدرالي، سواء أعجب ذلك وورش أم لا.
حجة ارتباك الأسواق
وهناك احتمال ثالث، وهو أن الأسواق ما زالت تتكيف مع التغيير الكبير في طريقة تواصل الفيدرالي.
فقد أصبحت قراءة رسائل البنك المركزي أكثر صعوبة لأن وورش يتعمد الإفصاح عن معلومات أقل. وتمكن الاقتصاديون من فهم بعض مصطلحاته، مثل عبارة «خلاف عائلي» التي يقصد بها اختلافاً محترماً بين أعضاء لجنة السياسة النقدية، بينما لا تزال تعبيرات أخرى، مثل «التفكير اليقظ وليس الانتظار اليقظ»، غير واضحة للكثيرين.
ولهذا، بدأت الأسواق بالاعتماد على قراءتها الخاصة، وهو أمر لا يراه وورش سلبياً بالضرورة.
فالفيدرالي ليس الطرف الوحيد الذي يؤثر في التضخم، إذ تلعب الأسواق أيضاً دوراً مهماً من خلال تحديد عوائد السندات، التي تؤثر بدورها في تكلفة الاقتراض والنشاط الاقتصادي.
وحالياً، ترتفع عوائد السندات إلى مستويات أعلى بكثير مما يوحي به سعر الفائدة الرسمي للفيدرالي.
فعائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين يبلغ نحو 4.27%، وهو أعلى بكثير من النطاق المستهدف للفائدة بين 3.5% و3.75%.
وبذلك، يمكن القول إن الأسواق تقوم بجزء من مهمة الفيدرالي في تشديد الأوضاع المالية.
ورغم أن البنك المركزي قد يضطر في النهاية إلى رفع أسعار الفائدة، فإن هناك من يرى ضرورة التحرك سريعاً قبل خروج التضخم عن السيطرة، بينما يرى آخرون أن من الأفضل الانتظار لأن جزءاً كبيراً من التضخم ناتج عن الحرب مع إيران، في وقت بدأت فيه أسعار النفط تتراجع بسرعة بعد ارتفاعها، ما يجعل صورة التضخم أقل وضوحاً.
وفي الوقت نفسه، لا يزال سوق العمل متماسكاً لكنه أضعف مقارنة بالأشهر الماضية، وقد تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى الإضرار بالتعافي الاقتصادي.
ولا تساعد مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخفض أسعار الفائدة في تهدئة الوضع، إذ يرى بعض المنتقدين أن وورش قد يتجنب اتخاذ قرارات قد تغضب الرئيس.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن وورش يستحق منحه فرصة في الوقت الحالي، فكما أنه لا يزال يتعلم كيفية إدارة البنك المركزي، فإن الأسواق أيضاً لا تزال تتعلم كيفية فهم أسلوبه الجديد في التواصل.
(ديفيد غولدمان روكب اليوم)