10 سنوات وتصمت الأرض.. واشنطن ليست العملاق النفطي الذي تتصوره | اقتصاد



روكب اليوم

تُعد أمريكا اليوم، وبلا شك، قوة عظمى في مجال النفط؛ إذ يتجاوز إنتاجها الفعلي في عام 2026 حاجز 13 مليون برميل يوميا، ليمثل بذلك أعلى مستوى إنتاج على وجه الأرض، متخطيا إنتاج كل من المملكة العربية السعودية (8.2 ملايين) وروسيا (9 ملايين). وصحيح أن الطاقة الإنتاجية للسعودية تفوق ذلك بكثير لتبلغ 12.5 مليون برميل، إلا أننا ندرك أن الإنتاج دون الطاقة الاستيعابية القصوى يهدف بالأساس إلى إبقاء أسعار الخام العالمية مرتفعة.

ويُجسد مستوى الإنتاج الأمريكي هذا نهضة هائلة في قطاع الهيدروكربونات. فقبل بضع سنوات فقط، كانت التوقعات المستقبلية لإنتاج النفط الأمريكي قاتمة؛ حيث أجمع محللو الطاقة على أن أمريكا -التي لطالما كانت رائدة في صناعة النفط- قد استنزفت معظم احتياطياتها المحلية القابلة للاستخراج.

ندرة النفط في السبعينيات

وبناء على ذلك، أُجبرت الولايات المتحدة، بدءا من حقبة السبعينيات، على الاعتماد على كميات هائلة من النفط المستورد؛ لضمان استمرار انتعاشها الاقتصادي. وبغض النظر عن التكلفة الباهظة المتمثلة في تحويل مليارات الدولارات يوميا إلى مصدري النفط -ومعظمهم من أعضاء أوبك- فقد أرغم هذا الاعتماد الكبير على استيراد سلعة حيوية للغاية كلا من الدبلوماسية الأمريكية ومخططي البنتاغون على تكريس جهود وموارد استثنائية لحماية أمن الشرق الأوسط؛ لكونه المنطقة التي تحتضن معظم احتياطيات النفط المعروفة.

وفي الواقع، كان من شأن أي صراع أو اضطراب طويل الأمد في المنطقة، يؤثر بشكل كبير في إنتاج النفط وتصديره، أن يوجه ضربة قاضية للاقتصاد الأمريكي. ولا تزال ذكريات الاضطرابات الناجمة عن صدمتي النفط في عامي 1974-1973 و1979 ماثلة في الأذهان.

سيناريو مختلف تماما اليوم!

أما اليوم، فتختلف القصة تماما. وصحيح أن أمريكا لا تزال تستورد النفط لكونها المستهلك الأكبر عالميا، حيث يتجاوز استهلاكها البالغ نحو 20 مليون برميل يوميا حجم إنتاجها المحلي الذي يربو على 13 مليونا، إلا أن معظم هذا النفط المستورد لم يعد يأتي من الشرق الأوسط. إذ تستحوذ مقاطعة ألبرتا الكندية على 60% من الواردات، تليها المكسيك كمورد رئيسي آخر بنسبة تقارب 10%، بينما تتوزع النسبة المتبقية -وهي ضئيلة- على السعودية والبرازيل ودول أخرى.

وبعبارة أخرى، حققت الولايات المتحدة شبه “استقلال طاقي في نصف الكرة الغربي”. نعم، لا يزال النفط يُستورد، لكن معظمه يأتي من أمريكا الشمالية؛ فكندا والمكسيك جارتان وموردان موثوقان يقعان جغرافيا بالجوار المباشر في نصف الكرة الغربي، مما يعني مسافات أقصر، وتكاليف نقل أقل، وخدمات لوجيستية أكثر بساطة.

إن قصة النهضة النفطية المشرقة قد تبدو قاتمة فجأة عند النظر إلى المستقبل. ففي ظل مستويات الإنتاج الحالية (13.5 مليون برميل يوميا)، وبافتراض عدم تحقيق اكتشافات جوهرية جديدة، قد ينفد النفط الأمريكي في غضون 9 إلى 10 سنوات تقريبا

جورج ميتشل من فعلها!

ولكن، كيف انطلقت ثورة الطاقة الأمريكية هذه؟ يُعزى الفضل في هذه الثورة بالأساس إلى شخص واحد هو “جورج ب. ميتشل”، رجل النفط المتمرد الذي توفي عام 2013.

فبالرغم من إخفاقاته العديدة، واصل ميتشل تجاربه الدؤوبة في تقنية التكسير الهيدروليكي -المعروفة عالميا الآن باسم “التكسير”- إيمانا منه بأنها التكنولوجيا القادرة على استخراج النفط والغاز من تشكيلات الصخر الزيتي الأمريكية الشاسعة.

ورغم أن هذه التقنية كانت معروفة حينها، فإن شركات الطاقة اعتبرتها غير مجدية اقتصاديا؛ نظرا للتكلفة الباهظة لاستخراج النفط الصخري عبر التكسير. وهكذا، تجاهلت كبرى شركات النفط جهود ميتشل، واعتبرتها مضيعة تامة للوقت والمال.

تأثير ثورة التكسير

بيد أن ميتشل أثبت خطأهم جميعا. فعلى مدى سنوات، تمكن من تحسين تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي بشكل ملحوظ. وبفضل دمج تقنية التكسير التي أتقنها مع الحفر الأفقي، أصبح من الممكن تحقيق أرباح حقيقية عبر استخراج كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي من الاحتياطيات الضخمة المحتجزة في التشكيلات الصخرية.

وقد أدى تبني صناعة النفط والغاز الأمريكية لعملية التكسير، تزامنا مع تحسين تقنيات الاستخراج في الحقول “التقليدية” (غير الصخرية)، إلى نهضة استثنائية في هذين القطاعين، لتصبح أمريكا أكبر منتج للنفط، وأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال.

ويستحق جورج ميتشل بوضوح مكانة مرموقة بين أبرز المبتكرين في مجال الطاقة في العصر الحديث؛ فنادرا ما يُنسب الفضل لشخص واحد في إحداث تحول جذري، لا يقتصر على تقنيات الحفر فحسب، بل يمتد ليشمل صناعة الطاقة الأمريكية بأكملها، والجغرافيا السياسية العالمية، وديناميكيات تجارة الطاقة، فضلا عن انتقال ثروات تقدر بتريليونات الدولارات، وإعادة رسم أولويات الأمن القومي.

وفي خضم ذلك كله، تجدر الإشارة إلى أن تكسير النفط الصخري لا يخلو من التحديات، فعملية استخراجه من باطن الأرض تُعد مكلفة للغاية، إذ تتراوح التكلفة في أمريكا بين 25 و40 دولارا للبرميل، مقارنة بـ3 إلى 8 دولارات فقط لاستخراج النفط السعودي.

وتعني تكاليف الإنتاج المرتفعة هذه أن النفط المستخرج عبر التكسير لا يكون مجديا اقتصاديا إلا إذا تجاوزت الأسعار العالمية حاجز 50 أو 55 دولارا للبرميل.

مستقبل الطاقة الأمريكي قد لا يكون مشرقا!

وإذا كانت هذه هي الصورة الحالية لصناعة الطاقة الأمريكية، فإن قصة النهضة النفطية المشرقة قد تبدو قاتمة فجأة عند النظر إلى المستقبل. ففي ظل مستويات الإنتاج الحالية (13.5 مليون برميل يوميا)، وبافتراض عدم تحقيق اكتشافات جوهرية جديدة، قد ينفد النفط الأمريكي في غضون 9 إلى 10 سنوات تقريبا. ويعود ذلك لسبب بسيط للغاية: أن احتياطيات النفط الأمريكية المعروفة، سواء الصخرية أو التقليدية، تُعد صغيرة نسبيا.

وبالنظر إلى البيانات المتاحة، تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة (EIA) -وهي الذراع الإحصائية لوزارة الطاقة الأمريكية- إلى أن الولايات المتحدة كانت تمتلك 46 مليار برميل من النفط الخام المؤكد بنهاية عام 2024، منها نحو 27.5 مليار برميل (أي نحو 60%) في مناطق النفط الصخري أو الضيق.

وقد سجل إنتاج الخام الأمريكي متوسطا قياسيا بلغ 13.6 مليون برميل يوميا في عام 2025. وبناء على هذا المعدل (13.6 مليون برميل يوميا مضروبا في 365 يوما)، فإن حجم الاستخراج السنوي يبلغ 4.96 مليارات برميل.

وعليه، إذا قسمنا إجمالي الاحتياطيات البالغة نحو 46 مليار برميل على 4.96 مليارات برميل تُستخرج سنويا، نجد أن الولايات المتحدة تمتلك نفطا يكفي لنحو 9.3 سنوات فقط. وهذا يعني، استنادا إلى هذه البيانات، أن طفرة الطاقة الأمريكية المذهلة ستشارف على الانتهاء قريبا، لتعود أمريكا فقيرة طاقيا في غضون 9 إلى 10 سنوات، وهي فترة زمنية قصيرة جدا.

في المقابل، تُظهر البيانات المتاحة أن النفط السعودي سيكفي لمدة 82 عاما أخرى على الأقل بمستويات الإنتاج الحالية. والأكثر إثارة للانتباه أن النفط الفنزويلي، حتى مع افتراض عودة الإنتاج الذي بلغ حاليا أدنى مستوياته التاريخية، سيكفي لمئات السنين.

لجعل النفط الفنزويلي مجديا تجاريا، سيتعين استثمار عشرات، وربما مئات المليارات من الدولارات، لتحديث البنية التحتية النفطية الحالية بالكامل -بما يشمل مواقع الحفر، وخطوط الأنابيب، ومرافق التخزين- إلى جانب تطوير العديد من الآبار الجديدة

ربما ليس سيئا للغاية

وهنا تجب الإشارة إلى كلمة تحذير: هل تبدو التوقعات طويلة الأجل للطاقة الأمريكية قاتمة إلى هذا الحد حقا؟ ربما لا تكون الصورة بهذا السوء. فالتجربة التاريخية تُثبت أن الولايات المتحدة تشهد اكتشافات نفطية جديدة باستمرار، بالتزامن مع تحسن تقنيات الاستخراج التي تزيد من إنتاجية الآبار لفترات أطول. وهذا يعني أن الاحتياطيات المؤكدة قد تنمو إلى حد ما، أو ربما بشكل كبير، مما يؤخر وتيرة النضوب.

ومع ذلك، وحتى مع افتراض تحقيق اكتشافات نفطية جديدة وجوهرية في السنوات القادمة، سيكون من الحكمة لصناع السياسات والمشاركين في صناعة الطاقة الأمريكية التخطيط لمستقبل يصل فيه الإنتاج إلى ذروته خلال عقد من الزمان تقريبا، ثم يبدأ في الانخفاض، وربما بوتيرة متسارعة نتيجة تقلص الاحتياطيات.

صفقة فنزويلا

ومن هذا المنظور المثير للقلق، قد تكتسب صفقة النفط الأمريكية-الفنزويلية المُعلن عنها مؤخرا أهمية إستراتيجية وجيوسياسية هائلة؛ إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم بفارق شاسع عن غيرها. وصحيح أن قطاع النفط الفنزويلي عانى من سوء إدارة كارثي لسنوات طوال في ظل نظام شافيز-مادورو.

ولجعل النفط الفنزويلي مجديا تجاريا، سيتعين استثمار عشرات، وربما مئات المليارات من الدولارات، لتحديث البنية التحتية النفطية الحالية بالكامل -بما يشمل مواقع الحفر، وخطوط الأنابيب، ومرافق التخزين- إلى جانب تطوير العديد من الآبار الجديدة.

ويجب ألا نغفل أن معظم النفط الفنزويلي من النوع الثقيل، والذي يُعد استخراجه أكثر صعوبة وتكلفة بكثير مقارنة بالنفط السعودي على سبيل المثال. ورغم ذلك، يتطابق هذا النفط الثقيل تماما مع متطلبات العديد من المصافي الأمريكية، لا سيما تلك الواقعة بالقرب من ساحل خليج المكسيك، والتي صُممت في الأصل لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل إبان فترات ازدهار العلاقات الثنائية بين البلدين.

تعني تكاليف الإنتاج المرتفعة أن النفط المستخرج عبر التكسير لا يكون مجديا اقتصاديا إلا إذا تجاوزت الأسعار العالمية حاجز 50 أو 55 دولارا للبرميل

مستقبل النفط الأمريكي

إليكم الصورة الشاملة إذن: ستُستنزف احتياطيات النفط المحلية الأمريكية في نهاية المطاف. ورغم أن الخام الأمريكي سيستمر على الأرجح لفترة تتجاوز تقديرات الـ 9 إلى 10 سنوات المحسوبة اليوم بناء على الاحتياطيات المؤكدة الحالية، فإنه من المستبعد أن تتمكن أمريكا من الحفاظ على معدل إنتاجها الحالي (الذي يفوق 13 مليون برميل يوميا) لثلاثين أو أربعين عاما قادمة، حتى وإن تم اكتشاف المزيد من النفط على أراضيها أو في مياهها الإقليمية.

وأمام احتمالية ندرة النفط الخام مستقبلا، قد تشكل اتفاقية مواتية لمشاركة النفط مع فنزويلا شريان حياة حقيقيا لمستقبل الطاقة في أمريكا. واستنادا إلى الشروط التي أعلنتها الحكومة الأمريكية مؤخرا، ستبلغ حصة أمريكا من النفط الفنزويلي نحو 65 مليار برميل. وإذا افترضنا استخراج النفط الفنزويلي بنفس معدل نظيره الأمريكي، فستحظى أمريكا فجأة بـ13.4 سنة إضافية من إمدادات النفط.

وبحسبة بسيطة: سيضمن الإنتاج الأمريكي المحلي إمدادات تكفي لمدة 9 إلى 10 سنوات بالمستويات الحالية. وبإضافة 13.4 سنة من الإمدادات القادمة من فنزويلا، نصل إلى 23 عاما من الاكتفاء الذاتي من الطاقة للولايات المتحدة، وذلك بافتراض ثبات مستويات الإنتاج الحالية البالغة 13.5 مليون برميل يوميا في كلا البلدين لاحقا.

تعزيز أمن الطاقة

وإذا ما نُفذت صفقة فنزويلا بالشكل المعلن عنه، فستمثل إضافة هائلة لإمدادات النفط ولأمن الطاقة الأمريكي على حد سواء. بالطبع، لا تزال هناك العديد من الشكوك قائمة، فربما تفشل الصفقة في النهاية. علاوة على ذلك، ليس من الواضح حتى الآن المدة الزمنية -أو التكلفة- التي سيستغرقها تحويل فنزويلا إلى عملاق تصدير نفطي يضاهي السعودية.

غير أن هذا الهدف قد يكون قابلا للتحقيق متى ما تحقق الاستقرار السياسي في كاراكاس، وتوفر التزام استثماري أولي ضخم من قبل كبرى شركات النفط الأمريكية. ورغم كل هذه الافتراضات الكبيرة، تظل الحقيقة أن النفط موجود هناك، وأن أمريكا ستحتاج حتما إلى المزيد من النفط الخام في مرحلة ما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks