
روكب اليوم
حلب – يعيش سكان الشمال السوري حالة “فوضى” نقدية متزايدة مع استمرار تداول 3 عملات مختلفة في الأسواق، تشمل الإصدارات القديمة والجديدة من الليرة السورية، إلى جانب الدولار الأمريكي والليرة التركية، مما يربك الأسعار ويضاعف الضغوط اليومية على السكان والتجار على حد سواء.
وباتت زيارة الأسواق لتأمين الاحتياجات اليومية تتطلب عمليات حسابية مستمرة، وسط مخاوف من التعرض للخسارة أو الاستغلال من بعض التجار والعاملين في الصرافة، فيما أصبح استخدام تطبيقات تحويل العملات مشهدا اعتياديا لدى الزبائن وأصحاب المحال.
وأبرز ما يخشاه المواطنون والتجار هو الوقوع ضحية فروقات سعر الصرف أو التلاعب بالأسعار، فيما يضطر كثير من أصحاب المحال إلى تعديل هذه الأسعار بصورة متكررة لتجنب الخسائر الناتجة عن تقلبات الصرف. يأتي ذلك في وقت يشتكي المواطنون من غياب تسعيرة واضحة وموحدة للسلع والخدمات.
وقال أحمد حلاق، وهو موظف حكومي من مدينة حلب، إن تعدد العملات بات يربك تفاصيل حياته اليومية، موضحا أنه يتقاضى دخله بالليرة السورية بينما تُسعر كثير من السلع بالدولار الأمريكي أو الليرة التركية، ما يجعله غير قادر على تقدير مصروفه الشهري بدقة.
وأضاف حلاق -في حديث للجزيرة نت- أن المشكلة لا تقتصر على تعدد العملات فقط، بل تمتد إلى تفاوت أسعار الصرف بين محل وآخر وحتى بين ساعة وأخرى، مما يدفع المواطنين إلى متابعة أسعار العملات يوميا قبل التوجه إلى الأسواق، مشيرا إلى أن أي تغير مفاجئ في سعر الصرف ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والمواصلات والاحتياجات الأساسية.
ودعا حلاق إلى اعتماد الليرة السورية الجديدة كليا في التعاملات اليومية، مع سحب الليرة التركية تدريجيا من الأسواق، معتبرا أن وجود مرجعية نقدية موحدة من شأنه تخفيف حالة الفوضى والارتباك التي يعيشها المواطنون والتجار.
النقل تحت ضغط تعدد العملات
ولا يقتصر تأثير تعدد العملات على التعاملات في الأسواق وعمليات البيع والشراء فقط، بل يتسبب في ارتباك ومخاوف لدى العاملين في النقل بين المدن والبلدات شمالي سوريا.
يؤكد عبد القادر المحمد، وهو سائق حافلة نقل ركاب من مدينة أعزاز، أن التعامل بأكثر من عملة خلق حالة من الفوضى حتى في الأجور اليومية، موضحا أن بعض الركاب يدفعون بالليرة التركية وآخرين بالليرة السورية، ما يجبره على استخدام تطبيقات تحويل العملات دائما لتحديد الأجرة المناسبة وتجنب الخسارة.
وقال المحمد -في حديث للجزيرة نت- إن المشكلات لا تقتصر على تحويل العملات فقط، بل تمتد إلى نقص بعض الفئات النقدية واختلاف قبولها بين منطقة وأخرى، مما يؤدي أحيانا إلى تأخير الرحلات أو حدوث خلافات مع الركاب بسبب طريقة الدفع أو قيمة الأجرة الحقيقية.
تعميم إدلب لا يوقف التداول
وفشل التعميم الصادر عن محافظة إدلب، والذي ألزم المؤسسات العامة والخاصة ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة بالتعامل بالليرة السورية، في إنهاء تداول الليرة التركية والدولار داخل الأسواق، بحسب ما يؤكده سكان وتجار.
ويقول الأهالي إن واقع السوق ما يزال يفرض التعامل بأكثر من عملة، خاصة في عمليات البيع والشراء اليومية وتسعير كثير من السلع والخدمات، في ظل استمرار تقلبات سعر الصرف وارتباط جزء من الحركة التجارية بالليرة التركية منذ سنوات.
ويأتي ذلك رغم أن التعميم شدد على توحيد آلية التعاملات المالية وإظهار أسعار الصرف بوضوح داخل مكاتب الصرافة، في محاولة لتنظيم السوق وتعزيز الشفافية.
ويرى متابعون أن التحول الكامل نحو الليرة السورية يحتاج إلى استقرار نقدي واقتصادي أوسع، إضافة إلى دعم الثقة بالعملة المحلية وقدرتها على الحفاظ على قيمتها الشرائية.
تشوه نقدي وفقدان ثقة
وأكد المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن تعدد العملات المتداولة في سوريا، بين الإصدارات القديمة والجديدة من الليرة السورية والدولار والليرة التركية، خلق حالة من التشوه النقدي وعدم الاستقرار في الأسواق، موضحا أن اختلاف العملات وأسعار صرفها ينعكس مباشرة على الأسعار اليومية ويزيد من صعوبة ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال العمر -في حديث للجزيرة نت- إن المواطنين والتجار باتوا يواجهون صعوبات كبيرة نتيجة تعدد أسعار الصرف واختلاف العملات المستخدمة بين منطقة وأخرى، الأمر الذي يربك عمليات البيع والشراء ويزيد من مخاطر الخسائر والتلاعب بالأسعار، فضلا عن تعقيد عمليات التسعير والتحويل المالي داخل البلاد.
وأضاف العمر أن معالجة هذه المشكلة تتطلب خطوات اقتصادية ونقدية واضحة، تبدأ بتعزيز الثقة بالليرة السورية وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف، إضافة إلى توحيد السياسات النقدية والحد من الاعتماد المفرط على العملات الأجنبية داخل السوق المحلية.
وشدد العمر على ضرورة تشديد الرقابة على عمليات الصرافة والتسعير، إلى جانب تحسين مستويات الإنتاج ودعم القطاعات الاقتصادية المحلية لتعزيز قوة الليرة السورية، لافتا إلى أهمية استقرار البيئة السياسية والاقتصادية باعتبارها عاملا أساسيا لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية.