


روكب اليوم
Published On 21/9/2026
في أقل من يومين، تحولت الصين إلى ما يشبه ورشة إطلاق فضائية مفتوحة؛ إذ نجحت 4 صواريخ مختلفة في إيصال حمولاتها إلى المدار خلال نحو 45 ساعة، انطلاقا من 3 مواقع متباعدة، في سلسلة كشفت عن اتساع قدرات البلاد في مجال الإطلاق الفضائي، وعن حضور متزايد للشركات التجارية إلى جانب المؤسسات الحكومية.
وتكتسب الواقعة أهميتها للقارئ لأنها لا تتعلق بعدد الصواريخ فقط، بل بسرعة تنفيذ المهمات وتنوع المركبات والجهات المشغلة والأهداف المدارية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوتعود بدايات هذا المسار إلى عقود من الاعتماد الصيني على برنامج فضائي تقوده مؤسسات الدولة، قبل أن تبدأ شركات خاصة في دخول سوق إطلاق الأقمار الصناعية وتطوير صواريخها الخاصة.
بدأت السلسلة بصاروخ “تشوتشوي-2 إي ” (Zhuque-2E) التابع لشركة لاند سبيس، التي أرسلته من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الصناعية في شمال غربي الصين عند الساعة 09:26 صباحا بتوقيت مكة المكرمة، حاملا 10 أقمار صناعية إلى المدار الأرضي المنخفض.
وأكدت الشركة أن المهمة كانت الرحلة التاسعة من عائلة “تشوتشوي-2 “، والأولى التي تستخدم الصاروخ لتنفيذ مهمة واسعة لبناء كوكبة أقمار إنترنت.
19 قمرا لخدمات الإنترنت في مهمتين
بعد نحو 15 ساعة ونصف، جاء الدور على صاروخ “غرافيتي-1 ” (Gravity-1) التابع لشركة أوريون سبيس، الذي انطلق من منصة بحرية قبالة سواحل شنغهاي عند الساعة 01:00 صباح 16 سبتمبر/أيلول بتوقيت مكة المكرمة.
حمل الصاروخ تسعة أقمار صناعية أخرى إلى المدار الأرضي المنخفض، لتنضم إلى كوكبة “تشيانفان ” (Qianfan)، أو “الأشرعة الألف “، التي تخطط الصين في نهاية المطاف لأن تضم نحو 15 ألف قمر صناعي لتوفير خدمات الإنترنت عريض النطاق.
ويتميز “غرافيتي-1 ” باستخدام الوقود الصلب، كما يوصف بأنه أقوى صاروخ يعمل بهذا النوع من الوقود، فيما يمنحه تصميمه القصير والعريض شكلا لافتا مقارنة بالصواريخ التقليدية.
وبذلك أصبحت المهمتان الخاصتان مسؤولتين عن وضع 19 قمرا ضمن الكوكبة نفسها في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يوضح الاتجاه نحو عمليات إطلاق متكررة لخدمة مشاريع الأقمار الصناعية الضخمة.
من الشركات الخاصة إلى الصواريخ الحكومية
لم تتوقف سلسلة الإطلاق عند القطاع التجاري. ففي الساعة 03:32 فجر 17 سبتمبر/أيلول بتوقيت مكة المكرمة، انطلق صاروخ “لونغ مارش 12” (Long March 12) من موقع ونتشانغ الفضائي في جزيرة هاينان، حاملا تسعة أقمار صناعية مخصصة لكوكبة صينية أخرى للإنترنت تعرف باسم “سات نت” (SatNet)، التي تستهدف عند اكتمالها نحو 13 ألف قمر صناعي.
ويتولى تشغيل هذا الصاروخ عملاق الصناعات الفضائية الحكومي المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء.
وبعد ساعتين وثماني دقائق فقط، وتحديدا عند الساعة 05:40 صباحا، اكتملت السلسلة بإطلاق صاروخ “كوايتشو-11 ” (Kuaizhou-11) من جيوتشيوان. وحمل الصاروخ قمرين صناعيين للرصد الراداري للأرض لصالح شركة سبيسيتي الصينية، بينما تدير الصاروخ شركة تابعة للمؤسسة الصينية لصناعة الفضاء والعلوم.
وهكذا جمعت السلسلة بين صواريخ تجارية وحكومية، ومواقع برية وبحرية، ومهمات للاتصالات والرصد الأرضي.
خطوة نحو عصر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام
ورغم نجاح المهمات الأربع، فإنها لم تمثل الصورة الكاملة لطموح الصين الفضائي؛ فجميع الصواريخ المستخدمة في هذه السلسلة لم تحاول إعادة مراحلها الأولى إلى الأرض.
لكن التطور الأبرز خلال الأشهر الأخيرة يتمثل في انتقال الصين تدريجيا إلى اختبار الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهو مجال ارتبط طويلا بتجارب سبيس إكس الأمريكية.
ففي يوليو/تموز 2026، حققت الصين أول استعادة ناجحة لمرحلة أولى من صاروخ مداري أثناء مهمة إطلاق، عندما أعادت “لونغ مارش 10 بي” مرحلته الأولى إلى منصة بحرية باستخدام نظام شبكي.
كما نجحت لاند سبيس في أغسطس/آب في إعادة المرحلة الأولى من “تشوتشوي-3 ” بعد مهمة مدارية ثانية. وحتى الآن لم تُعد أي مرحلة صينية إلى المدار في مهمة لاحقة، لكن استمرار هذه التجارب قد يجعل إعادة الاستخدام المتكرر للصواريخ جزءا أكثر اعتيادا من برنامج الإطلاق الصيني.
وتكشف هذه التطورات قيمة الاستثمار طويل الأمد في العلم والهندسة؛ فالوصول إلى الفضاء لم يعد يعتمد فقط على بناء صاروخ قوي، وإنما على القدرة على إطلاق مركبات متعددة، وبوتيرة متقاربة، وخدمة شبكات أقمار صناعية واسعة، ثم تطوير وسائل لإعادة استخدام الصواريخ وخفض كلفة الوصول إلى المدار.
وفي هذا السباق، تمثل كل عملية إطلاق ناجحة تجربة جديدة تضيف إلى المعرفة البشرية وتدفع حدود الاستكشاف والابتكار الفضائي.