
روكب اليوم
واشنطن– يستعد الديمقراطيون لخوض معركة جديدة مع الرئيس دونالد ترمب، قد تتجاوز تعطيل سياساته إلى فتح تحقيقات واسعة في أعماله التجارية، وثروات عائلته، والحرب على إيران، وسياسات الهجرة، وصولًا إلى احتمال مساءلة أعضاء إدارته وعزل بعضهم.
فبينما ركزت الحملات الديمقراطية على ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، يعمل كبار أعضاء الحزب في لجان الكونغرس -منذ أشهر- على إعداد ملفات التحقيق، وتحديد الوثائق والشهود الذين سيطلبون استدعاءهم إذا استعاد الحزب الأغلبية في الكونغرس.
وتقوم الخطة الديمقراطية على استخدام سلطات التحقيق والاستدعاء لمراجعة قرارات إدارة ترمب، ولاسيما احتمال استخدام السلطة لتحقيق منافع مالية للرئيس أو أقاربه أو حلفائه، بدلًا من الاندفاع مباشرة نحو إجراءات عزله.
أولًا: ثروة ترمب وعائلته وملف الهجرة
تتصدر الأعمالُ التجارية لعائلة ترمب قائمةَ الملفات التي يَعد الديمقراطيون بفتحها.
وحدد النائب روبرت غارسيا -وهو عضو ديمقراطي في لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب- هذا الملف باعتباره أولوية للتحقيقات، بينما يعتزم جيمي راسكين -الذي يُتوقع أن يتولى رئاسة اللجنة القضائية إذا فاز حزبه- مراجعة شبهات الرشوة وتضارب المصالح واستغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة.
وتشمل التحقيقات المحتملة استثمارات عائلة ترمب في العملات المشفرة، والعقود الحكومية التي حصلت عليها شركات ترتبط بأفراد منها، والتبرعات المقدمة إلى مشروعات الرئيس، فضلًا عن قرارات العفو الرئاسي وما إن كان بعضها ارتبط بمنافع مالية أو سياسية.
ويبرز في هذا السياق اسم جاريد كوشنر -صهر الرئيس ومبعوثه في ملفات الشرق الأوسط– الذي يدير شركة أفينيتي بارتنرز للاستثمار.
وكان راسكين قد طالب كوشنر في أغسطس/آب الماضي بتقديم وثائق حول التداخل بين مهامه الدبلوماسية واستثماراته الخاصة، ووسع التحقيق ليشمل صفقة عقارية بقيمة تتجاوز 120 مليون دولار في ألبانيا. ثم جدد مطالبه في أواخر أكتوبر/تشرين الأول داعيًا كوشنر إلى التنحي عن مهامه التفاوضية حتى تتضح طبيعة مصالحه المالية.
كما يُتوقع أن تتناول التحقيقات العلاقات المالية لدونالد ترمب الابن بشركات حصلت على عقود أو تمويلات حكومية. وهذه جميعها ملفات تتعلق بشبهات تستلزم التحقيق، وليست مخالفات ثبتت قضائيًا.
وفي ملف الهجرة، يستعد الديمقراطيون للتحقيق في عمليات إدارة الهجرة والجمارك المعروفة اختصارًا بـ”آيس”، على خلفية اتهامات باستخدام القوة المفرطة، وظروف الاحتجاز، وحوادث وفاة مواطنين أمريكيين خلال عمليات إنفاذ قوانين الهجرة.
وتشمل التحقيقات أيضًا عقود الشركات الخاصة المشغلة لمراكز الاحتجاز، والصفقات الحكومية المرتبطة بتوسيع قدرات ترحيل المهاجرين.
وسبق أن طالب راسكين والسيناتورة إليزابيث وارن -بمشاركة عشرات من المشرعين- ست شركات مرتبطة بخطط توسيع الاحتجاز بتقديم معلومات عن أرباحها المتوقعة، وضغوطها السياسية، وتبرعاتها الانتخابية.
ثانيا: ملفات إبستين
كما يمثل ملف رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين أحد أكثر التحقيقات المرتقبة حساسية، خاصة بعد نشر ملايين الصفحات من وثائق القضية، واستمرار الخلافات بشأن الوثائق التي لم تكشفها وزارة العدل.
وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، أصدر الديمقراطيون في اللجنة القضائية تقريرًا يتضمن اتهامات خطيرة بشأن علاقة ترمب بإبستين وطريقة تعامل وزارة العدل مع الأدلة وشهادات الضحايا، وطالبوا بتعيين محقق خاص مستقل. وينفي ترمب الاتهامات الموجهة إليه.
وفي حال استعادة الأغلبية، يستطيع الديمقراطيون المطالبة بوثائق إضافية، واستدعاء مسؤولين في وزارة العدل ومؤسسات مالية تعاملت مع إبستين، وربما السعي لاستجواب ترمب نفسه.
ثالثا: الحرب على إيران وسياسة ترمب الخارجية
تحتل الحرب على إيران موقعًا متقدمًا في أولويات الديمقراطيين، خصوصًا ما يتعلق بصلاحيات الرئيس في اتخاذ قرار الحرب، وكلفة العمليات العسكرية، والخسائر البشرية، والاستعدادات التي سبقت الضربات.
وكان النائب غريغوري ميكس -وهو أبرز الأعضاء الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية- قد طالب في مارس/آذار باستدعاء وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث والمبعوثيْن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، للاستماع إلى شهاداتهم بشأن المفاوضات التي سبقت الحرب والتخطيط العسكري والدبلوماسي لها.
وفي يونيو/حزيران، طالب ميكس أيضًا بتفاصيل مذكرة التفاهم مع إيران، متسائلًا عن الضمانات النووية والعقوبات والترتيبات الأمنية ومستقبل المفاوضات.
وقد يفتح الديمقراطيون تحقيقات موازية في إدارة هيغسيث للبنتاغون، بما يشمل الإنفاق العسكري، ومخزونات الذخيرة، والخسائر المدنية، والعقود الدفاعية.
ويمتد الاهتمام إلى العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي، والسياسة تجاه فنزويلا، ولا سيما الضربات التي تستهدف قوارب تقول الإدارة إنها تستخدم لتهريب المخدرات، والاتفاقات المتعلقة بالنفط الفنزويلي.
أما في الشرق الأوسط، فقد يصبح الجمع بين المهام الدبلوماسية لكوشنر ومصالحه الاستثمارية مدخلًا لفحص جوانب من مفاوضات الإدارة المتعلقة بإيران وإسرائيل وغزة، دون أن يعني ذلك وجود اتفاق ديمقراطي على تغيير واشنطن تجاه إسرائيل.
رابعا: الأسعار والصحة والرسوم الجمركية
لكن أجندة الديمقراطيين لا تقتصر على التحقيقات. فقد أعلن زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز أن حزبه سيعمل فور استعادة مجلس النواب على تنفيذ برنامج اقتصادي وتشريعي يركز على خفض تكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، فإن خطة الحزب للأيام المئة الأولى تتضمن إعادة العمل بالإعفاءات الضريبية المعززة التي كانت تدعم شراء التأمين الصحي بموجب قانون الرعاية الميسرة المسمى “أوباما كير”، والتراجع عن تخفيضات برنامج “ميديكيد” التي أقرها الجمهوريون في تشريعات عام 2025.
كما يعتزم الديمقراطيون طرح إجراءات لإلغاء أو تقييد الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وإعادة بعض سلطات السياسة التجارية إلى الكونغرس.
وشكل جيفريز بالفعل خمس مجموعات عمل لإعداد سياسات تتعلق بالرعاية الصحية والإسكان والمواد الغذائية والسلع والطاقة ورعاية الأطفال وكبار السن، مع إشراك نواب من الجناحين التقدمي والوسطي للحزب.
وفي الوقت نفسه، يرجح أن تفتح لجان الكونغرس تحقيقات بشأن سياسات وزير الصحة روبرت كينيدي الابن المتعلقة باللقاحات، والتغييرات التنظيمية في القطاع الصحي، إلى جانب قرارات الإدارة التي أثرت في عمل المؤسسات والبرامج الفدرالية.
خامسا: وزارة العدل وتفكيك المؤسسات الفدرالية
من الملفات الأخرى التي يستعد الديمقراطيون لفتحها استخدام وزارة العدل سلطاتها في ملاحقة معارضي الرئيس، إلى جانب تدخل الإدارة في الجامعات وشركات الإعلام ومكاتب المحاماة.
وتزداد أهمية هذا الملف بعد الإجراءات القضائية الأخيرة ضد شخصيات انتقدت ترمب، بينها مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي، في قضايا يقول منتقدو الإدارة إنها ذات دوافع سياسية، بينما تؤكد وزارة العدل أنها تطبق القانون دون تدخل سياسي.
كما يعتزم بعض الديمقراطيين مراجعة قرارات فصل موظفين حكوميين، وإغلاق برامج اتحادية، وتقليص الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتغييرات التي نفذتها مبادرة الكفاءة الحكومية التي تزعمها إيلون ماسك لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي.
وتشمل الأسئلة المطروحة مدى احترام الإدارة للاعتمادات المالية التي أقرها الكونغرس، وما إن كانت قد أوقفت إنفاق أموال مخصصة قانونيًا لبرامج معينة دون موافقة السلطة التشريعية.
سادسا: الدَّين الفدرالي والعجز في الموازنة
يبرز الدَّين الفدرالي بوصفه أحد الملفات الاقتصادية التي قد يستخدم الديمقراطيون أغلبيتهم في الكونغرس لفتحها، بعدما تجاوز إجمالي الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى في أغسطس/آب الماضي، وبلغ نحو 40.59 تريليون دولار في 29 أكتوبر/تشرين الأول، بزيادة تقارب 2.5 تريليون دولار خلال عام واحد.
وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن العجز الفدرالي سيبلغ نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، بينما يُتوقع ارتفاع الدين الذي يحمله الجمهور من 101% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 120% بحلول عام 2036. كما قدرت المؤسسة أن التغييرات التشريعية التي أُقرت منذ بداية 2025 ستضيف نحو 3.4 تريليونات دولار إلى العجز المتوقع خلال عقد.
وقد يسعى الديمقراطيون إلى مساءلة إدارة ترمب بشأن تأثير التخفيضات الضريبية والإنفاق العسكري وسياسات الرسوم الجمركية على المديونية، مستفيدين من سلطات لجنتيْ الموازنة والرقابة لاستدعاء مسؤولي الخزانة والإدارة المالية.
لكن المديونية المتراكمة مسؤولية تاريخية مشتركة بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية، ولا توجد حتى الآن خطة ديمقراطية موحدة لخفضها.
وتزداد أهمية الملف مع اقتراب الدين من سقف الاقتراض القانوني البالغ 41.1 تريليون دولار، إذ توقع مكتب الموازنة بلوغ هذا السقف خلال عام 2027، مما قد يضع الكونغرس الجديد أمام مواجهة مبكرة مع البيت الأبيض بشأن رفع سقف الدين وشروط الإنفاق الحكومي.
هل يصل الأمر إلى عزل ترمب؟
يظل عزل ترمب الاحتمال الأكثر إثارة للجدل داخل الحزب الديمقراطي، لكنه ليس الأولوية المعلنة لقيادته. فقد أكد جيفريز أن الحزب لم يستبعد أيًا من أدوات الكونغرس، دون أن يتعهد بفتح إجراءات عزل جديدة.
وتسمح الأغلبية البسيطة في مجلس النواب بتوجيه اتهامات رسمية لعزل الرئيس أو مسؤولين آخرين، لكن الإدانة والعزل الفعلي يتطلبان موافقة ثلثيْ أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، وهو حاجز يصعب تجاوزه في ظل الانقسام الحزبي.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين السيناريوهين الانتخابيين، فإذا فاز الديمقراطيون بمجلس النواب وحده، فسيتمكنون من قيادة لجانه وفتح التحقيقات وعرقلة التشريعات الجمهورية. أما السيطرة على مجلس الشيوخ أيضًا، فستمنحهم القدرة على تعطيل تعيينات ترمب القضائية والتنفيذية.
ومع ذلك، لن تكفي السيطرة على المجلسين لتمرير برنامجهم التشريعي كاملًا، إذ يحتفظ الرئيس بحق النقض، كما تتطلب غالبية التشريعات العادية في مجلس الشيوخ الحصول على 60 صوتًا لتجاوز التعطيل الإجرائي.
وفي مقابلة نُشرت مقتطفات منها الأحد الماضي، قال ترمب إنه قد يتحول إلى “السيد فيتو” إذا خسر الجمهوريون الكونغرس، قبل أن يضطر الطرفان لاحقًا إلى عقد تفاهمات. ويُعدّ البيت الأبيض بالفعل خططًا لمواصلة تنفيذ سياساته عبر السلطات التنفيذية، والاستعداد لمواجهة طلبات الوثائق والاستدعاءات.
وبذلك، قد تعيد الانتخابات للكونغرس دوره الرقابي الذي تراجع خلال فترة سيطرة الجمهوريين على المجلسين، لكنها لن تمنح الديمقراطيين سلطة منفردة لتغيير سياسات ترمب.
وسيكون الاختبار الحقيقي متعلقا بمدى قدرتهم على تحويل التحقيقات من معارك سياسية إلى وقائع موثقة، وربطها بقضايا الأسعار والصحة والإنفاق العام التي تشغل الناخبين، قبل أن تتحول الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2028.