روكب اليوم
2026-09-03 21:40:00

ورغم أن ارتفاع عوائد السندات الأوروبية يرتبط جزئياً بعوامل خارجية، فإن الضغوط الخاصة بالمالية العامة الفرنسية أصبحت أكثر وضوحاً، في ظل عجز مرتفع ودين عام يتجاوز 115% من الناتج المحلي الإجمالي.
وترى آن-صوفي ألسيف، كبيرة الاقتصاديين في شركة بي دي أو فرانس، أن الخطر الأساسي بالنسبة لفرنسا لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار الفائدة، وإنما في احتمال دخول الاقتصاد في «ركود تضخمي»، أي استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة بالتزامن مع ضعف النمو.
وأضافت ألسيف في لقاء خاص مع روكب اليوم الاقتصادية، عبر زووم، من باريس، أن النمو الضعيف، الذي قد يدور حول 0.6% أو 0.7%، يعني إيرادات ضريبية أقل، وبالتالي حاجة أكبر إلى الاقتراض، في وقت تضطر فيه الدولة إلى الاقتراض بتكلفة أعلى.
وتحذّر من أن ذلك قد يدفع فرنسا إلى «حلقة مفرغة»: نمو ضعيف يؤدي إلى مزيد من الاستدانة، بينما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة عبء الدين، بما يحد بدوره من قدرة الدولة على الاستثمار.
وتشير ألسيف إلى أن عبء خدمة الدين الفرنسي بلغ نحو 60 مليار يورو في 2025، وهو مستوى تقارنه بميزانية التعليم الوطني الفرنسي.
وترى أن توجيه هذه الموارد إلى خدمة الدين يعني تقليص الأموال المتاحة لاستثمارات مستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والتحول البيئي والطاقة.
وتزداد حساسية الوضع مع احتياجات فرنسا التمويلية الكبيرة. فوفق وكالة فرنسا للخزانة، تخطط الدولة لإصدار نحو 310 مليارات يورو من الديون متوسطة وطويلة الأجل خلال 2026، بينما تقدر خدمة دين الدولة بنحو 59.3 مليار يورو.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب ألسيف، على فرنسا وحدها؛ فقد ارتفعت عوائد السندات في أوروبا بفعل عوامل خارجية وجيوسياسية، وتجاوز العائد الألماني 3%، لكن فرنسا تواجه في الوقت نفسه عوامل داخلية تضيف ضغطًا على الأسواق.
كما تضيف إلى ذلك مخاوف المستثمرين من احتمال عدم امتلاك الرئيس المقبل أغلبية برلمانية، ما قد يجعل تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل لضبط المالية العامة أكثر صعوبة.
وتقول ألسيف إن هذه المخاوف تسهم في رفع تكلفة الاقتراض الفرنسي، خصوصاً في ظل عجز يقترب من 5% من الناتج ودين يتجاوز 115%.
لكنها تستبعد في الوقت الحالي سيناريو أزمة ديون فرنسية على غرار أزمة الديون السيادية الأوروبية في 2010، فالاتحاد النقدي الأوروبي يمتلك اليوم أدوات للتدخل، من بينها آلية الاستقرار الأوروبي، فيما يستطيع البنك المركزي الأوروبي التدخل عند الضرورة.
لكن التحذير الأهم، بحسب ألسيف، هو أن هذه الأدوات قد توفر حماية من أزمة مالية حادة، لكنها لا تحمي فرنسا من ارتفاع أسعار الفائدة نفسه.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: فحتى من دون الوصول إلى أزمة ديون، يمكن لفترة طويلة من العوائد المرتفعة أن تجعل خدمة الدين أكثر تكلفة، وتضغط على الإنفاق والاستثمار، وتزيد صعوبة خفض العجز.
وبالتالي، لا يتمثل الاختبار الذي تواجهه فرنسا حالياً في قدرتها على سداد ديونها فحسب، بل في قدرتها على تحقيق نمو كافٍ وضبط عجزها قبل أن تتحول تكلفة الاقتراض المرتفعة إلى عبء دائم على الاقتصاد.