الذكاء الاصطناعي.. أين تذهب كل هذه المليارات؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-09-26 15:19:00

1707036

من شركات التكنولوجيا والرقائق إلى مراكز البيانات والكهرباء.. كيف يتحول سباق الذكاء الاصطناعي إلى منظومة اقتصادية تمتد عبر قطاعات وأسواق متعددة؟

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة بين شركات التكنولوجيا لتطوير نموذج أكثر قدرة أو إطلاق مساعد ذكي جديد، بل تحول إلى عملية استثمار ضخمة تمتد من أشباه الموصلات والخوادم إلى مراكز البيانات والكهرباء والشبكات والعقارات الصناعية.
وتتوقع شركة Gartner أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى نحو 2.67 تريليون دولار في 2026، بزيادة 49.5% على العام السابق، على أن يرتفع إلى نحو 3.64 تريليون دولار في 2027.

واللافت أن نحو 1.48 تريليون دولار من إنفاق 2026 سيذهب إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل البنية التحتية السحابية المحسنة للذكاء الاصطناعي، والخوادم، وشبكات الاتصال، وأشباه الموصلات والمعالجات اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.


وهنا يبدأ السؤال الاقتصادي الأهم:

أين تذهب كل هذه المليارات؟ ومن يدفع الفاتورة؟

تقود شركات التكنولوجيا العملاقة الجزء الأكبر من موجة الإنفاق، وفي مقدمتها شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون وميتا، إلى جانب شركات تطوير النماذج مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك.

وتختلف دوافع الإنفاق من شركة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو الحاجة إلى بناء قدرة حوسبية ضخمة تستطيع تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى شركات الحوسبة السحابية، فإن الاستثمار في هذه البنية يمثل أيضًا رهانًا على أن الشركات والحكومات ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى شراء المزيد من خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

لكن الإنفاق لا يتوقف عند شركات التكنولوجيا، فكل دولار تنفقه هذه الشركات على بناء القدرة الحوسبية يبدأ رحلة طويلة عبر سلسلة من الموردين والقطاعات.

المحطة الأولى: الرقائق

في قلب هذه السلسلة توجد أشباه الموصلات، فالذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج المتقدمة تحتاج إلى معالجات متخصصة وكميات ضخمة من الذاكرة، ما يجعل شركات تصميم وتصنيع الرقائق من أبرز المستفيدين من موجة بناء البنية التحتية.

ولا تقتصر القصة على إنفيديا وإيه إم دي، بل تمتد إلى شركات مثل برودكوم ومصنعي الذاكرة ومعدات تصنيع الرقائق.

وتكشف خطط شركات الرقائق نفسها عن حجم التحول، فقد رفعت شركة ASML توقعاتها لمبيعات 2026 إلى ما بين 43 و45 مليار يورو، مشيرة إلى أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تدعم الطلب على الرقائق المتقدمة، فيما تخطط لزيادة طاقة إنتاج بعض تقنيات التصنيع الرئيسية بنحو 30% في 2027.

وهكذا ينتقل جزء من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي من شركات التكنولوجيا إلى شركات الرقائق وموردي المعدات التي تجعل إنتاج تلك الرقائق ممكنًا.

ثم تأتي الخوادم ومراكز البيانات

فالرقائق وحدها لا تكفي، إذ تحتاج إلى خوادم وشبكات فائقة السرعة وأنظمة تخزين، فضلًا عن مبانٍ مجهزة لاستيعاب آلاف الخوادم، وهو ما يجعل مراكز البيانات إحدى أهم حلقات اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

وهنا تتحول مراكز البيانات من مجرد منشآت تقنية إلى أصول اقتصادية ضخمة تحتاج إلى الأرض والإنشاءات والتمويل والكهرباء وأنظمة التبريد والأمن والاتصالات.

وتقول Gartner إن بناء قدرة مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي أصبح أكبر مكونات الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع استمرار شركات الحوسبة السحابية ومقدمي الخدمات في شراء خوادم محسنة للذكاء الاصطناعي تحسبًا لنمو الطلب.

الكهرباء.. المستفيد الذي لا يظهر في عناوين الذكاء الاصطناعي

لكن هناك حلقة أخرى ربما تكون أقل وضوحًا بالنسبة للمستخدم العادي، وهي الكهرباء.

فالخوادم التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، كما تحتاج مراكز البيانات إلى أنظمة تبريد تعمل بصورة مستمرة.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة من 4,195 مليار كيلوواط/ساعة في 2025 إلى 4,270 مليارًا في 2026 و4,349 مليارًا في 2027، مع بلوغ الاستهلاك مستويات قياسية، مدفوعًا جزئيًا بنمو مراكز البيانات كثيفة الاستخدام للذكاء الاصطناعي.

وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام شركات الطاقة وشبكات الكهرباء.

فكلما توسعت مراكز البيانات، أصبح توفير الكهرباء الموثوقة وبأسعار تنافسية جزءًا من القدرة على بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه.

ولهذا لم تعد المنافسة على الذكاء الاصطناعي مقتصرة على امتلاك أفضل الرقائق والنماذج، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمن يستطيع توفير الكهرباء والشبكات والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

الغاز والطاقة يدخلان السباق

هذا التحول يخلق ارتباطًا غير مباشر بين الذكاء الاصطناعي وقطاعات الطاقة.

فزيادة الطلب على الكهرباء تعني الحاجة إلى إضافة قدرات توليد جديدة وتوسيع شبكات النقل والتوزيع، فيما يمكن أن تستفيد محطات الغاز والطاقة النووية ومشروعات الطاقة المتجددة من الطلب المتزايد على الكهرباء.

وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الغاز الطبيعي سيظل مصدرًا رئيسيًا لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة، مع توقع استقرار حصته عند نحو 40% من توليد الكهرباء في 2026 و2027، في الوقت الذي ترتفع فيه مساهمة مصادر الطاقة المتجددة.

وبذلك لا تتوقف آثار طفرة الذكاء الاصطناعي عند شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات، بل تمتد إلى سلسلة أوسع من البنية التحتية؛ فكل توسع في قدرات الحوسبة يرفع الطلب على الكهرباء، ما يتطلب استثمارات جديدة في شبكات النقل والتوزيع وقدرات التوليد، ومع استمرار نمو هذا الطلب، تصبح الطاقة نفسها جزءًا أساسيًا من سباق الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام استفادة قطاعات مثل الغاز والطاقة النووية والمتجددة من هذه الموجة الاستثمارية.

المياه والتبريد أصبحا جزءًا من القصة

ولا تنتهي احتياجات مركز البيانات عند الكهرباء، فالحرارة الناتجة عن تشغيل كميات هائلة من المعالجات تتطلب أنظمة تبريد متقدمة، بينما يمكن أن تستهلك بعض أنظمة التبريد كميات من المياه.

وهذا ما بدأ يلفت انتباه الجهات التنظيمية أيضاً.

فالمفوضية الأوروبية اقترحت في سبتمبر 2026 نظامًا مشتركًا لتصنيف مراكز البيانات بهدف زيادة الشفافية بشأن استهلاك الطاقة والمياه، فيما تستهدف المفوضية زيادة قدرة مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثة أمثالها بحلول 2035 لدعم التوسع في الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

أي أن حتى المياه والتبريد أصبحا جزءًا من اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

ومن هنا تظهر العقارات الصناعية

إذا كانت الشركات تحتاج إلى بناء مراكز بيانات ضخمة، فهي تحتاج إلى الأراضي والمباني والبنية التحتية القريبة من مصادر الكهرباء وشبكات الألياف.

ولا يتوقف هذا التوسع عند مراكز البيانات والطاقة، بل يمتد أيضًا إلى قطاعي العقارات الصناعية والإنشاءات، إذ تحتاج الشركات إلى مساحات ومواقع مجهزة لبناء مراكز البيانات وتشغيلها، فضلًا عن أعمال الإنشاء والتجهيز والتوسعة المرتبطة بهذه المنشآت.

وبذلك لا يقتصر المستفيدون المحتملون من موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على شركات التكنولوجيا والرقائق، بل تمتد السلسلة إلى شركات الخوادم والشبكات، ومشغلي مراكز البيانات، والعقارات الصناعية، وأنظمة التبريد، ومرافق الكهرباء والطاقة.

وكل حلقة من هذه السلسلة تحتاج بدورها إلى استثمارات وتمويل وموردين وعمالة وخدمات، ما يعني أن الأموال التي تبدأ في شركات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنتقل عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد قبل أن تصل إلى المستفيد النهائي.

ومن هنا تتسع قصة الذكاء الاصطناعي من سباق تقني إلى موجة استثمارية تمتد آثارها إلى أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.

لكن.. هل كل هذه الاستثمارات ستتحول إلى أرباح؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر أهمية بالنسبة للمستثمر.

فحجم الإنفاق لا يعني بالضرورة أن العائد الاقتصادي أصبح مضمونًا، وتكشف تجربة شركات التكنولوجيا نفسها عن هذا التحدي.

ميتا، على سبيل المثال، تتوقع أن يتراوح إنفاقها الرأسمالي في 2026 بين 130 و145 مليار دولار، مع استمرارها في توسيع البنية التحتية اللازمة لتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي.

لكن السؤال بالنسبة للمستثمر لا يتعلق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على توليد إيرادات وأرباح تبرر تكلفتها.

وتقدم بيانات Gartner إشارة إلى حجم هذا التحدي؛ إذ قالت الشركة إن 22% فقط من المؤسسات نجحت في توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عدة وحدات أعمال أو تبنت نهجًا قائمًا عليه بصورة أساسية.

وفي المقابل، قال 85% من قادة الوظائف الذين شملهم مسح Gartner إنهم يعتزمون زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في 2026، بعد أن خصصوا في المتوسط 12% من ميزانياتهم الوظيفية للذكاء الاصطناعي خلال 2025. وشمل المسح 1,303 مشاركين من مؤسسات تبلغ إيراداتها السنوية 50 مليون دولار على الأقل.

وهذه الفجوة مهمة: الإنفاق على الذكاء الاصطناعي يتسارع، بينما لا تزال قدرة بعض الشركات على إثبات العائد الاقتصادي من هذه الاستثمارات محدودة.

وهنا يكمن أحد أكبر الأسئلة التي ستواجه الأسواق خلال السنوات المقبلة.

الخليج يصبح جزءاً من سلسلة القيمة

ولا تقف هذه الموجة عند الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا.

فالشرق الأوسط، وخصوصًا دول الخليج، يسعى إلى بناء موقع له في اقتصاد الذكاء الاصطناعي عبر مراكز البيانات والبنية التحتية والحوسبة السحابية والاستثمارات في الطاقة والاتصالات.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، تخطط مايكروسوفت لاستثمار أكثر من 10 مليارات دولار في الإمارات والسعودية وقطر والكويت حتى 2030، تشمل الاستثمارات في البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب أكثر من 400 مليون دولار للربط البحري والبري في الشرق الأوسط.

وهذا يغير طبيعة المنافسة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد امتلاك عنصر واحد من عناصر القوة كافيًا لضمان موقع متقدم في هذه الصناعة. فتوفر رأس المال وحده لا يكفي، كما أن امتلاك الرقائق أو مصادر الكهرباء لا يضمن القدرة على جذب الاستثمارات وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي.

وتتحدد القدرة التنافسية بصورة متزايدة بمدى توافر مجموعة متكاملة من المقومات، تشمل رأس المال والكهرباء والأراضي، إلى جانب شبكات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية والرقائق ومراكز البيانات، فضلًا عن المواهب والكوادر المتخصصة والبيئة التنظيمية القادرة على استيعاب هذا القطاع سريع النمو.

وكلما اجتمعت هذه العناصر في مكان واحد، أصبحت الدولة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وبناء موقع لها في سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

ولهذا يمكن أن تتحول المنطقة العربية من مجرد مستخدم للذكاء الاصطناعي إلى طرف في البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الجديد.

هل أصبح الذكاء الاصطناعي صناعة استثمارية كاملة؟

ربما تكون الإجابة الأهم موجودة في خريطة الأموال نفسها.

فالمليارات التي تبدأ لدى شركات التكنولوجيا لا تبقى داخل قطاع التكنولوجيا. جزء منها ينتقل إلى شركات الرقائق، وجزء إلى الخوادم والشبكات، وجزء إلى مراكز البيانات والعقارات، وجزء إلى شركات الكهرباء والطاقة، وجزء إلى الإنشاءات والتبريد والاتصالات والتمويل.

وبالتالي فإن سباق الذكاء الاصطناعي أصبح، بصورة متزايدة، سلسلة استثمارية تمتد عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد العالمي.

لكن السؤال الذي ستراقبه الأسواق ليس فقط: كم ستنفق شركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي؟

بل: هل ستولد هذه الاستثمارات إيرادات وأرباحًا تكفي لتبرير حجم الإنفاق؟

فإذا استمر الطلب على الذكاء الاصطناعي بالنمو، فإن المستفيدين قد يمتدون إلى قطاعات بعيدة عن شركات النماذج والرقائق.

أما إذا تباطأ الإنفاق قبل أن تظهر عوائد اقتصادية واضحة، فقد تكون آثار التصحيح أوسع أيضًا، لأن السلسلة بأكملها أصبحت تعتمد بدرجات مختلفة على استمرار دورة الاستثمار.

وهنا تحديدًا تتحول قصة الذكاء الاصطناعي من قصة تكنولوجية إلى قصة عن رأس المال والأسواق والطاقة والصناعة والاقتصاد العالمي.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks