الذكاء الاصطناعي يربك الجامعات في ظل الصراع الأميركي الصيني : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-18 08:40:00

1708925

مع تسابق أميركا والصين لتحقيق التفوق التكنولوجي والهيمنة على مجال الذكاء الاصطناعي، تواجه الجامعات تحدياً يتمثل في مواكبة التطورات والحفاظ على أهميتها، فضلاً عن التعامل مع متطلبات الامتثال الأمني التي تتزايد باستمرار.

ويثق دانيال ديرماير، رئيس جامعة فاندربيلت في ولاية تينيسي جنوب الولايات المتحدة منذ عام 2020، بقدرة مؤسسات التعليم العالي على مواجهة هذه التحديات.

وقال ديرماير لصحيفة «نيكاي آسيا» خلال زيارة حديثة إلى اليابان: «تاريخياً، تمكنت الجامعات من استيعاب الابتكار ودمج التغييرات في أنشطتها، بدلاً من أن تتعرض للاضطراب بسببها».
وأوضح عالم السياسة المولود في ألمانيا أن الجامعات واجهت على مدى تاريخها تحولات تكنولوجية، بدءاً من المطبعة، مروراً بالتلفزيون وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت والواقع الافتراضي، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي. لكنه أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون له «تأثير أكبر بكثير في المجتمع» مقارنة بالتحولات السابقة، ما يستدعي مزيداً من اليقظة.

الأمن القومي يفرض قيوداً على التعاون مع الصين

بالنسبة إلى الجامعات في الديمقراطيات الليبرالية، ولا سيما في الولايات المتحدة، لا يقتصر التحدي على الاستخدام المفرط أو غير الملائم للذكاء الاصطناعي من جانب الطلاب.

وشدد ديرماير، رئيس إحدى الجامعات البحثية المرموقة، على الأهمية الكبيرة للتعاون الدولي، في معرض رده على أسئلة بشأن الصين، قائلاً: «لا شك في أن التعاون الدولي ذو قيمة كبيرة ومهم للغاية».

لكنه أضاف: «في المقابل، هناك مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن القومي، خصوصاً فيما يتعلق بالتكنولوجيا عالية المخاطر والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج».
وأوضح أن الحكومة الفيدرالية الأميركية أصبحت «أكثر يقظة ونشاطاً» في هذا المجال، مشبّهاً قضايا الأمن في الجامعات البحثية الأميركية بمسائل سلامة المرضى في المؤسسات الطبية، وسلامة المختبرات والتجارب السريرية.

وقال إن هذه المجالات تخضع لتنظيم مكثف، وإن الجامعات باتت تواجه مستوى مماثلاً من المتطلبات التنظيمية في مجال الأمن القومي، في انعكاس للتغيرات التي طرأت على البيئة الأمنية.

ويؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على الموارد المالية للجامعات.

أكثر من 300 مليون دولار للامتثال التنظيمي

خلال حوار في جامعة طوكيو مع أكيرا إيغاتا، المحاضر المسؤول عن مختبر استخبارات الأمن الاقتصادي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة بالجامعة، كشف ديرماير أن جامعة فاندربيلت تنفق أكثر من 300 مليون دولار على الامتثال لمختلف اللوائح الفيدرالية، من إجمالي إيرادات تشغيلية سنوية بلغت 2.02 مليار دولار في السنة المنتهية في يونيو حزيران 2025.

وفي المقابل، بلغت أحدث إيرادات سنوية معلنة لجامعة طوكيو، وفقاً لما كُشف عنه الشهر الماضي، 299.7 مليار ين، أي نحو 1.9 مليار دولار.

وقال ديرماير خلال الحوار إن قضايا النفوذ الأجنبي وتضارب المصالح تفرض متطلبات امتثال يتعين التعامل معها بجدية والالتزام بها.

وأقر بأن ذلك يترك مجالاً «محدوداً للغاية» للتعاون مع الجهات الصينية، وعندما سُئل عما إذا كان هذا التعاون لا يزال قائماً، أجاب: «عملياً، لا يوجد».

وعندما سُئل عما سيحدث إذا تفوقت الصين على الولايات المتحدة في تطوير الذكاء الاصطناعي، اكتفى بالقول إن المسألة «معقدة للغاية»، وإن المؤسسات الأميركية لا تزال تحاول تحديد كيفية التعامل معها.

الاستثمار في دراسات الأمن القومي

استثمرت جامعة فاندربيلت أيضاً بصورة كبيرة في مجال دراسات الأمن القومي.

وقاد ديرماير إنشاء معهد للأمن القومي قبل عامين، انطلاقاً من الاعتقاد بأن التكنولوجيا أصبحت تؤثّر بصورة متزايدة في قضايا الأمن القومي.

واختارت الجامعة الجنرال المتقاعد بول ناكاسوني، الذي يحمل رتبة أربع نجوم في الجيش الأميركي، وخبير الدفاع السيبراني، ليكون المدير المؤسس للمعهد.

وأوضح ديرماير أن المعهد يدرس نقاط التداخل بين الأمن القومي والتكنولوجيا، بهدف مساعدة صانعي السياسات على فهم التكنولوجيا، وتمكين خبراء التكنولوجيا من فهم السياسات.

الذكاء الاصطناعي قد يفتح عصراً ذهبياً للاكتشافات العلمية

يرى رئيس الجامعة أن التكنولوجيا، ولا سيما في عصر الذكاء الاصطناعي، تمثل تحدياً وفرصة في الوقت نفسه.

وعلى صعيد إدارة الجامعة، يعتزم ديرماير تكثيف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، متوقعاً أن يتيح دخول «عصر ذهبي للاكتشافات العلمية في مختلف المجالات».

ويعتبر أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة في بعض التخصصات على الأقل، إذا أرادت المؤسسات الأكاديمية الحفاظ على مكانتها ومواكبة التطورات.

وقال: «إذا لم تتمكن من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فلن تكون بعد الآن في طليعة التطور»، لكنه أشار إلى أن بعض التخصصات، مثل الكتابة الإبداعية، ينبغي أن تستبعد استخدامها.

ولا يبدو ديرماير قلقاً من احتمال استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعي للغش، قائلاً: «لا أفهم سبب قلق الناس الشديد من ذلك»، ومشيراً إلى أن أحد الحلول البسيطة يتمثل في إجراء اختبارات شفهية بعد تسليم الطلاب أبحاثهم.

وأضاف أن التحدي الأكبر هو ضمان استمرار الطلاب في اكتساب المعرفة المتعمقة بمجالاتهم، حتى مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم إجابات فورية عن أسئلة مختلفة.

وقال إن الخطر يكمن في أن يتوقف الطلاب عن بذل الجهد اللازم للتعلم، وأن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لتجنب العمل الجاد.

وأضاف أن التحدي يتمثل في ضمان فهم الطلاب للأدوات واستخدامها بكفاءة، مع امتلاكهم في الوقت نفسه معرفة راسخة بالتخصصات التي يدرسونها.

وأشار إلى أن الجامعات تخوض حالياً «سباقاً بين التعليم والتكنولوجيا»، مستشهداً بعنوان كتاب صدر عام 2008 لكلوديا غولدين، الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد قبل ثلاثة أعوام، وزوجها لورانس كاتز.

وقال: «يجب أن يواكب التعليم التكنولوجيا، وهذا أمر بالغ الصعوبة، لكنه أمر لا بُدّ من تحقيقه».

ضغوط سياسية على الجامعات الأميركية

تأتي هذه التحديات في وقت تواجه فيه الجامعات الأميركية ضغوطاً كبيرة من إدارة الرئيس الأميركي ترامب، تشمل خفض التمويل الفيدرالي وتجميده، على خلفية اتهامات تتعلق بمعاداة السامية داخل الجامعات، وسياسات الحقوق المدنية، مثل برامج التنوع والمساواة والشمول.

وقال ديرماير إن الجامعات الأميركية تشهد «قدراً هائلاً من التجاذبات السياسية»، معرباً عن أسفه لتراجع الثقة في التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن فقدان ثقة الجمهور الأميركي يجعل الجامعات هدفاً جذاباً للسياسيين، مضيفاً أن هذا ليس وضعاً جيداً للمؤسسات الأكاديمية.

ومع ذلك، أعرب عن تفاؤله بمستقبل الجامعات، حتى إذا اضطرت إلى تغيير أساليب عملها.

وقال: «ما لا أرى دليلاً عليه حقاً هو أننا سنتحول إلى مؤسسات غير ذات صلة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks