الذكاء الاصطناعي يقسم آسيا.. أميركا أم الصين؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-10-17 09:27:00

1708861

وجدت دول جنوب شرق آسيا نفسها في قلب التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه معظم دول المنطقة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوتين.

لكن المخاوف تتزايد من احتمال اضطرار هذه الدول إلى اختيار أحد المعسكرين، بما قد ينعكس على أنشطتها التجارية وسلاسل الإمداد والاستثمارات التكنولوجية.

مبادرتان متنافستان لبناء منظومات الذكاء الاصطناعي

أطلقت الولايات المتحدة في ديسمبر 2025 مبادرة «باكس سيليكا» (Pax Silica)، بهدف بناء سلاسل إمداد للذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية، وانضمت إلى المبادرة أكثر من 20 دولة واقتصاداً، من بينها اليابان والمملكة المتحدة.

في المقابل، أنشأت الصين في يوليو من العام الحالي «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي» (WAICO)، التي توسعت عضويتها منذ ذلك الحين لتتجاوز 30 عضواً.


ومن بين الاقتصادات الكبرى في جنوب شرق آسيا، انضمت سنغافورة والفلبين إلى التكتل الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما كانت ماليزيا وإندونيسيا وكمبوديا وميانمار من الأعضاء المؤسسين للمنظمة التي تقودها الصين، قبل أن تنضم إليها فيتنام لاحقاً.

وتركز «باكس سيليكا» على تعزيز أمن الإمدادات من أشباه الموصلات والمعادن الحيوية وموارد الطاقة الضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله، وتضم بصورة أساسية حلفاء واشنطن. أما المنظمة الصينية، فتركز على حوكمة الذكاء الاصطناعي ووضع المعايير الدولية، واجتذبت دولاً من الجنوب العالمي في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا.

مخاوف من ضغوط أميركية لاختيار أحد المعسكرين

تتزايد المخاوف في جنوب شرق آسيا من أن تضطر دول المنطقة إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، وكانت رويترز قد ذكرت في أغسطس، نقلاً عن مسودة داخلية لرسالة أميركية، أن واشنطن تستعد للضغط على دول لاختيار أحد الجانبين في المنافسة على الذكاء الاصطناعي مع بكين.

وتبرز سنغافورة في قلب هذه المعضلة؛ فبعد انضمامها إلى التكتل الذي تقوده الولايات المتحدة، أعلنت في 9 سبتمبر أنها تلقت دعوة من الصين للانضمام إلى المنظمة التي تقودها بكين.

وقالت وزيرة التنمية الرقمية والمعلومات السنغافورية، جوزفين تيو، أمام البرلمان، إن الحكومة تلقت الدعوة الصينية وستتخذ قرارها بناءً على المصالح الوطنية.

وأضافت أن المشاركة في أي مبادرة تعتمد على أهدافها، ومجالات المصالح المشتركة الفعلية، ومدى تكاملها مع التزامات سنغافورة القائمة، ومدى توافقها مع مصالح الدولة عموماً.

سنغافورة تبحث عن مساحة مستقلة بين واشنطن وبكين

أصبح التنافس الأميركي الصيني على قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي أحد الموضوعات الرئيسية في قمة «جي زيرو» الآسيوية، التي نظمتها مجموعة أوراسيا في سنغافورة في اليوم التالي.

وقالت تشان هينغ تشي، سفيرة سنغافورة المتجولة والسفيرة السابقة لدى الولايات المتحدة، إن معظم الضغوط تأتي من واشنطن، مؤكدة أن الضغوط لاختيار أحد الطرفين قائمة بالفعل.

وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من الدول يحاول منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا إيجاد ما وصفته بـ«المساحة الثالثة»، بعيداً عن الانتماء الحصري إلى المجال الأميركي أو الصيني.

من جانبها، قالت ماري بانغستو، المبعوثة الخاصة لإندونيسيا، إن مبادرة «باكس سيليكا» أشارت مؤخراً إلى أن الانضمام إليها قد يمنع المشاركة في المبادرة الأخرى، مضيفة أن دول المنطقة ينبغي ألا توضع أمام هذا الاختيار.

التكنولوجيا تتحول إلى قضية أمن قومي

لم تعد التقنيات والبنية التحتية الرقمية، بما يشمل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وكابلات الاتصالات البحرية، مجرد أدوات تجارية، بل أصبحت محوراً متزايد الأهمية في حسابات الأمن القومي.

ومع اتباع معظم دول جنوب شرق آسيا، بدرجات متفاوتة، سياسة موازنة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، يفضل خبراء ألا ينهار هذا التوازن.

وقال لي مينغجيانغ، الأستاذ المشارك في الدراسات الدولية بكلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية، إن دول رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» ستحاول تجنب الاختيار الحصري لأطول فترة ممكنة.

وأوضح أن التكتلين لا يسعيان إلى تحقيق الأهداف نفسها، ما يعني إمكانية تعايشهما من حيث المبدأ، لكنه حذر من أن المنافسة الجيوسياسية قد تحولهما تدريجياً إلى منظومتين متنافستين، خصوصاً إذا ارتبطت العضوية بقيود على التكنولوجيا أو الموردين أو البيانات أو الاستثمار أو التعاون مع الطرف الآخر.

قابلية التوافق تحدد مستقبل التكتلين

تمثل قابلية الأنظمة والمشروعات للتوافق والعمل المشترك تحدياً إضافياً، وقال لي إن السماح للدول بالمشاركة في مشروعات مرتبطة بكلا الإطارين من شأنه إبقاء المنافسة أكثر انفتاحاً، بينما قد يؤدي اشتراط الاختيار بينهما إلى ظهور تكتلات متنافسة للذكاء الاصطناعي.

وتُعد كازاخستان حالياً الدولة الوحيدة التي تنتمي إلى المجموعتين، وفقاً للتقرير.

وقد يؤثر الانقسام بين دول جنوب شرق آسيا على قدرة «آسيان» على وضع معايير موحدة للذكاء الاصطناعي في المنطقة، في وقت تستعد فيه الدول الأعضاء لإطلاق اتفاقية إطارية لاقتصاد رقمي.

الشركات تخشى انقسام سلاسل الإمداد

لا تقتصر المخاوف على الحكومات، بل تمتد إلى الشركات التي تعمل عبر أسواق المعسكرين، فقد قال مسؤول تنفيذي في شركة يابانية تنتج مكونات لأشباه الموصلات في جنوب شرق آسيا لصحيفة «نيكاي»، إن شركته تتعامل مع دول تنتمي إلى التكتلين الأميركي والصيني.

وأضاف أن الشركة تدرس كيفية الاستجابة إذا اضطرت إلى الاختيار بينهما، في ظل احتمال تشكل سلاسل إمداد متنافسة للذكاء الاصطناعي.

ويهدد هذا السيناريو بزيادة تعقيد قرارات الاستثمار والتوريد والتوسع أمام الشركات العاملة في المنطقة، كما قد يفرض على حكومات جنوب شرق آسيا موازنة المصالح الاقتصادية والتكنولوجية مع اعتبارات الأمن القومي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks