كشف تقدير موقف صادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية أن مضيق باب المندب بات أحد أخطر بؤر الصراع في الشرق الأوسط، بعد أن تحول خلال الأعوام الأخيرة من ممر تجاري عالمي إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومركز ضغط استراتيجي يهدد أمن التجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.
وأوضح التقدير أن جماعة الحوثي لعبت دور الذراع التنفيذية للمشروع الإيراني في البحر الأحمر، مستفيدة من قدرات بحرية وصاروخية متطورة مكّنتها من فرض واقع أمني جديد، جعل من تهديد الملاحة أداة ردع فعالة تتجاوز حدود اليمن إلى قلب المصالح الدولية.
وأشار المركز إلى أن خطورة المشهد لا تكمن في احتمال إغلاق المضيق بالكامل، بل في تحويله إلى منطقة عالية المخاطر، ترتفع فيها تكاليف العبور والتأمين والشحن، بما يفرض أعباء اقتصادية متزايدة على حركة التجارة العالمية، ويمنح طهران ورقة ضغط استراتيجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
ووفقاً للتقدير، الذي حمل عنوان ” باب المندب في معادلة الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيل وسيناريوهات ما بعد الاتفاق
” فقد أدت الهجمات والتهديدات المستمرة في البحر الأحمر إلى تراجع حركة الملاحة عبر قناة السويس بما يصل إلى 60 في المئة، فيما اضطرت آلاف السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي تسبب بارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.
وأكد التقرير أن إسرائيل كانت في مقدمة الخاسرين من هذه المعادلة، بعدما تعرض ميناء إيلات لشلل شبه كامل، في حين واجهت الولايات المتحدة معضلة استراتيجية معقدة، إذ لم تنجح العمليات العسكرية التي قادتها في إنهاء التهديد الحوثي أو إعادة الردع بصورة حاسمة.
كما رصد التقدير تصاعد التباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الأزمة، مع اتجاه إسرائيل نحو توسيع الضربات العسكرية ضد أهداف داخل اليمن، مقابل سعي أمريكي لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
وأشار المركز إلى أن عام 2026 شهد أخطر مراحل الأزمة، بعد العملية الأمريكية ـ الإسرائيلية المشتركة في فبراير، وما أعقبها من انتقال إيران وحلفائها إلى استراتيجية “الخنق المزدوج” عبر التلويح المتزامن بتهديد الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، ما رفع مستوى المخاطر على التجارة والطاقة العالمية إلى مستويات غير مسبوقة.
ورأى التقدير أن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران قد تخفف من حدة التصعيد، لكنها لا تضمن إنهاء الأزمة بشكل كامل، خصوصاً مع سعي الحوثيين إلى توظيف ملف الملاحة كورقة تفاوضية مرتبطة بالعقوبات والاعتراف السياسي.
وخلص مركز المخا إلى أن مستقبل باب المندب لم يعد مرتبطاً بأمن البحر الأحمر فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات الدولية، محذراً من أن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع في اليمن وشبكات النفوذ الإيرانية سيبقي المضيق عرضة لدورات جديدة من التوتر والابتزاز الجيوسياسي.