روكب اليوم
2026-10-23 14:31:00

معارك داخل الأنابيب الجوفية بين القوات الروسية والأوكرانية
مع تحوّل سماء الجبهة الأوكرانية إلى ساحة مراقبة واستهداف مستمرة بفعل الطائرات المسيّرة، انتقل القتال إلى جبهة غير تقليدية في أعماق الأرض، داخل شبكة أنابيب الغاز التي تحولت من ممرات لنقل الطاقة إلى مسارات لتسلل الجنود وشن الهجمات المباغتة.
وبحسب مجلة “ذا أتلانتيك”، يخوض الجنود معارك داخل أنابيب ضيقة ومظلمة، في ظروف قاسية واشتباكات مباشرة، في محاولة للالتفاف على “منطقة القتل” التي جعلت التحرك فوق الأرض بالغ الخطورة.
ولا يقتصر الأمر على ابتكار تكتيك قتالي جديد، بل يكشف عن تحول أوسع في طبيعة الحرب، مع إعادة التكنولوجيا العسكرية رسم جغرافيا المعارك، ودفع القوات المتحاربة إلى البحث عن مسارات بديلة بعيدا عن أعين المسيّرات.
تقع أحدث ساحات القتال في أوكرانيا داخل شبكة من الأنابيب الفولاذية الممتدة تحت الأرض، وبعضها بالكاد يتسع لمرور شخص زحفا. وكانت هذه الأنابيب تنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوكرانيا قبل الحرب، لكنها أصبحت اليوم ممرا لتحركات الجنود، الذين يتنقلون عبرها على عربات كهربائية ويتبادلون إطلاق النار باستخدام الرشاشات وقذائف “آر بي جي”.
وتكشف هذه المعارك عن جانب بالغ القسوة من الحرب، التي أسفرت عن مقتل أو إصابة ما لا يقل عن مليون جندي، وفق تقديرات أوردتها المجلة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد يتجاوز مليوني جندي. وتُعد الطائرات المسيّرة من أبرز أسباب الخسائر، إذ تراقب ساحة المعركة وتطارد كل ما يتحرك.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أسهم الانتشار الواسع لهذه الطائرات في فرض حالة من الجمود على جبهة تمتد لأكثر من 700 ميل عبر شرق أوكرانيا وجنوبها.
وفوق سطح الأرض، لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق تقدم حاسم عبر ما يُعرف بـ”منطقة القتل”، وهي منطقة عازلة تمتد لعشرات الأميال، تستطيع الطائرات المسيّرة خلالها رصد الملاجئ والمركبات وحتى الجنود الذين يتحركون بمفردهم في الحقول، ثم استهدافهم.
وقال العميد الأوكراني إيهور أوبولينسكي، قائد قوة تضم عدة آلاف من الجنود، للمجلة: “تتوسع منطقة القتل يوما بعد يوم، وتصبح أوسع وأكثر فتكا. فما الحل إذن؟ الحل هو الاختباء تحت الأرض”.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة لا تستطيع رؤية الجنود في الأنفاق، مشيرا إلى أن القوات الروسية كانت أول من أدرك هذه الميزة وابتكر أساليب جديدة للاستفادة منها، قبل أن تبدأ القوات الأوكرانية في تبني النهج نفسه.
تشير هذه المعارك، التي لم تحظ بتغطية تفصيلية كافية سابقا، إلى تحول أوسع في مسار الحرب. فمع تصاعد القصف الروسي بالصواريخ والطائرات المسيّرة على كييف ومدن أوكرانية أخرى، لجأ مدنيون إلى الملاجئ تحت الأرض، وأنشأت مدارس فصولا دراسية في مواقع محصنة، فيما نُقلت أجزاء من شبكة الكهرباء إلى باطن الأرض.
كما باتت مصانع للأسلحة تعمل داخل ملاجئ ضخمة، وأصبحت الاشتباكات تحت الأرض من بين ساحات القتال القليلة التي توفر حماية نسبية من الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وقد تؤثر نتائج المعارك داخل الأنفاق في مسار الحرب خلال المرحلة المقبلة. فبحسب ضباط عسكريين ومسؤولين أوكرانيين تحدثوا إلى المجلة، خزنت القوات الروسية المؤن وحشدت الجنود على مدار العام استعدادا لهجوم شتوي.
ويخشى مسؤولون أوكرانيون أن يستهدف الهجوم اختراق منطقة القتال والسيطرة على شرق أوكرانيا بأكمله، بما قد يمهد لعملية أخرى باتجاه وسط البلاد والعاصمة في وقت مبكر من العام المقبل.
وأوضح أوبولينسكي أن السيطرة على شبكة أنابيب الغاز في منطقة دونباس المتنازع عليها قد تمنح روسيا ميزة حاسمة خلال الحملة الشتوية.
أدركت قوات أوبولينسكي، التابعة لفيلق عسكري يُعرف باسم “خارتيا”، أي “الميثاق”، أهمية شبكة الأنابيب في ربيع عام 2025، عندما استخدمتها القوات الروسية للتسلل خلف الخطوط الأوكرانية وشن سلسلة من الهجمات المباغتة.
وقال أوبولينسكي: “كانوا يخرجون من الأرض كالشياطين”.
وجرت عمليات التسلل غالبا في ظروف جوية سيئة، حين واجهت الطائرات المسيّرة صعوبة في رصد الجنود الروس أثناء خروجهم من تحت الأرض.
وفي البداية، ردت القوات الأوكرانية بمحاولة استهداف الجنود الروس عند ظهورهم من فتحات الأنابيب. وقال أوبولينسكي: “كنا نحاول العثور على نقاط خروجهم والقضاء عليهم عندما يظهرون. لكنهم كانوا يستمرون في الظهور على بعد عدة كيلومترات خلف خطوطنا ومهاجمتنا”.
ولفهم حجم التهديد، طلب أوبولينسكي خرائط لشبكة الأنابيب من شركة الطاقة الحكومية الأوكرانية. وكشفت الوثائق عن شبكة معقدة تضم ما لا يقل عن 57 أنبوبا فولاذيا تمتد تحت منطقة الحرب، ويتراوح قطر معظمها بين متر ومترين.
ولعقود، استُخدمت هذه الأنابيب لنقل الغاز من حقول سيبيريا إلى مستهلكين في أوكرانيا وأجزاء أخرى من أوروبا. لكن أوكرانيا أوقفت تجارة الغاز مع روسيا في بداية عام 2025، فتوقفت الشبكة عن العمل، قبل أن تتحول لاحقا إلى ممرات عسكرية.
وبعد أسابيع قليلة، قرب نهاية المعركة التي استمرت أشهرا للسيطرة على سودجا، أرسل القادة الروس قواتهم إلى الأنفاق. وتقع البلدة في غرب روسيا، وكان الأوكرانيون قد سيطروا عليها في أغسطس 2024.
وشكلت السيطرة الأوكرانية على أراض روسية تطورا لافتا، إذ لم يسبق لأي عدو أن استولى على أراض روسية بالقوة منذ الغزو النازي للاتحاد السوفيتي عام 1941. وكانت سودجا من أبرز النكسات الروسية في الحرب، فيما مثّل الاستيلاء عليها مكسبا مهما، وإن كان مؤقتا، للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وأمر زيلينسكي قواته بالبقاء في المنطقة، على أمل استخدامها ورقة تفاوضية لاستعادة أراض أوكرانية تحتلها روسيا.
لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن ينوي إبرام صفقة من هذا النوع. وبدلا من ذلك، استعان بحليفته كوريا الشمالية، التي أرسلت آلاف الجنود لمساعدة القوات الروسية على استعادة منطقة كورسك الأوسع.
واستمر القتال طوال ذلك الشتاء. وفي مطلع عام 2025، بدأت السيطرة الأوكرانية على سودجا تتراجع، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاستخدام المكثف للقوات الروسية شبكات الصرف الصحي والأنفاق الأخرى لاستعادة المدينة شارعا تلو الآخر.
أثارت تقارير عمليات التسلل مخاوف لدى كثير من الأوكرانيين، الذين وجدوا صعوبة في فهم كيف يمكن للجنود الروس الزحف لأميال عبر أنابيب ملوثة للوصول إلى مواقع العدو.
وفي الصيف، أجرى مدون أوكراني مقابلة مع أسيرين روسيين قالا إنهما شاركا في عمليات التسلل. وذكر الاثنان أنهما كانا يقضيان عقوبتي سجن بتهمتي قتل في معسكرات عمل روسية، عندما عرض عليهما مجندو الجيش الإفراج عنهما مقابل الخدمة في أوكرانيا، وهي ممارسة شائعة في روسيا.
وتفوح من الأنفاق روائح مخلفات الغاز الطبيعي ومواد كيميائية أخرى. وعندما تقترب القوات الأوكرانية من مواقع روسية داخل الأنابيب، تندلع اشتباكات مباشرة، يستخدم خلالها الطرفان الرشاشات الثقيلة والقنابل اليدوية، ما يجعل الرصاص والشظايا يرتدان داخل الممرات المعدنية الضيقة.
كما تسحب الانفجارات الهواء من الأماكن المغلقة، ما يصعّب تنفس الجنود. ويعتمد المقاتلون على أقنعة الغاز وأسطوانات الأكسجين، ويسدون آذانهم للتخفيف من دوي الانفجارات.
وللتقدم داخل الأنابيب، تخترق القوات الأوكرانية أحيانا حواجز أكياس الرمل التي أقامها الروس، ثم تندفع إلى الأمام تحت نيران العدو.
وبعد نحو ستة أشهر من القتال، تمكن فيلق “خارتيا”، حتى هذا الأسبوع، من استعادة السيطرة على نحو تسعة أميال من خطوط الأنابيب في شمال شرقي أوكرانيا، ضمن عملية أطلق عليها اسم “فيليس”، نسبة إلى إله العالم السفلي في الميثولوجيا السلافية.
ووصف أوبولينسكي العملية بأنها أول هجوم مضاد ناجح يُنفذ في مثل هذه الظروف، لكنه أقر بأن استعادة السيطرة على شبكة الأنابيب التي تسيطر عليها روسيا تتطلب مزيدا من العمليات.
وحتى الآن، استعادت أوكرانيا خطين فقط من خطوط الأنابيب، فيما لا تزال عشرات الخطوط الأخرى تحت السيطرة الروسية.
موسكو وكييف تبديان الاستعداد للحوار وسط تباين الشروط