تحليل: روسيا تصعّد في “المنطقة الرمادية”.. هل يقترب خطر المواجهة مع الناتو؟ | روكب اليوم Arabic


روكب اليوم
2026-09-17 14:26:00

344483

تحليل بقلم نيك باتون والش، كبير مراسلي الأمن الدولي في روكب اليوم

(روكب اليوم)– إنها استراتيجية قائمة على تناقض صارخ؛ فهجمات روسيا على أوروبا تهدف إلى جعل الحرب تبدو أقرب دون إشعالها بالفعل، وتستهدف الاستفزاز دون إجبار الطرف الآخر على الرد، وإثارة القلق دون إحداث تغيير حقيقي في السلوك.

لقد صعّدت موسكو بشكل ملحوظ صراعها في “المنطقة الرمادية” مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا خلال الأسبوع الماضي. ففي وقت متأخر من يوم الأحد، تعرض خط للسكك الحديدية كان يستقله مسؤولون غربيون سابقون بارزون لهجوم بطائرة مسيّرة روسية، وأُسقطت طائرة مسيّرة أخرى يُرجح أن تكون روسية في ليتوانيا، وجرفت المياه طائرة مسيّرة ثالثة إلى شواطئ بولندا، وكادت مروحية دنماركية أن تتعرض للإصابة بقنبلة مضيئة روسية، بينما تعطلت قطارات هولندية جراء عمل تخريبي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه حتى الآن.

لا شيء من ذلك يحدث مصادفة. ويأتي ذلك بعد أسابيع من التحذيرات من أن موسكو ستسعى إلى التصعيد مع الناتو، لكن ربما ليس لأنها تريد أو تستطيع تحمل خوض مواجهة شاملة مع أكبر تحالف عسكري في التاريخ.

بدلًا من ذلك، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تحقيق هدفين، مستفيدًا من إدارة ترامب التي لا تريد إغضابه فيما تبقى لها نصف ولاية تقريبًا، ومن وضع الدفاعات الجوية الأوكرانية التي تعاني نقصًا شديدًا في الإمدادات.

الهدف الأول هو جعل تكلفة دعم أوكرانيا تبدو حقيقية ومتزايدة، والتأثير في مواقف الناخبين الأوروبيين، في وقت تتنافس فيه أحزاب يمينية مؤيدة لروسيا على الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات في عدد من دول المنطقة.

أما الهدف الثاني فهو اختبار المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تمثل حجر الأساس للتحالف، وتنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على جميع الأعضاء، وهي قضية لطالما شكلت مصدر إزعاج لبوتين.

ولا شك أن روسيا تفلت من تبعات أعمال تخريب وانتهاكات للحدود ومخططات اغتيال كانت ستثير في فترة الحرب الباردة قلقًا وجوديًا. أما الآن، فيبدو أن مثل هذه الوقائع أصبحت شبه اعتيادية.

وكما قال لي أحد الدبلوماسيين الأوروبيين: “ما يحدث الآن كان سيؤدي إلى تفعيل المادة الرابعة من معاهدة الناتو قبل بضعة أشهر فقط”، في إشارة إلى البند الذي يدعو إلى عقد اجتماع طارئ للحلف لمناقشة أزمة ما.

وأضاف الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا إلى حساسية الأمر، أن هدف روسيا هو “تخويف أوروبا وإبعادها عن دعم أوكرانيا”، و”اللعب على الخوف من التصعيد”.

وتتمثل المشكلة الرئيسية أمام الناتو في أن ما نشهده على الأرجح ليس ذروة ما يمكن أن تفعله روسيا من أعمال عدائية، بل مجرد الضربات الافتتاحية.

ويبدو أن التوصل إلى اتفاق للسلام بات أبعد من أي وقت مضى، مع عدم فاعلية الضغوط الأمريكية، وإصرار بوتين الواضح على هدف السيطرة على منطقة دونباس الشرقية، ثم ربما أجزاء أخرى من أوكرانيا.

وفي حين أن الاستنزاف الهائل للموارد البشرية الروسية عبر هجمات المشاة المعروفة بـ”الموجات البشرية” على جبهات القتال الأمامية يحد نوعًا ما من طموحاتها، فإن المجمع الصناعي العسكري الروسي يوفر للكرملين خيارات جديدة وحقيقية: قدرة جوية منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية، يصعب على خصومه التصدي لها، ويمكن لروسيا إنتاجها بأعداد متزايدة.

وتعمل الطائرات المسيّرة الروسية “غيران 4″ و”غيران 5” بمحركات توربينية نفاثة صينية الصنع، يبلغ سعر المحرك الواحد نحو 40 ألف دولار، وفقًا لمسؤولين ووسائل إعلام أوكرانية، فيما يبلغ سعر كل طائرة مسيّرة نحو 70 ألف دولار.

أما صاروخ “بانديرول” الجوال، فيمكن أن تصل سرعته إلى 375 ميلًا في الساعة، وقد لا تتجاوز تكلفته، وفقًا لتقارير، 100 ألف دولار.

وأي نقص في هذه الأسلحة من حيث الإتقان أو الدقة تعوضه روسيا بالعدد الهائل. ومرة أخرى، لا تزال موسكو في بداية هذا المسار، إذ يعمل مصنع الطائرات المسيّرة في ألابوغا على التكيف بسرعة لإغراق جبهات القتال وما وراءها بهذا التهديد الجديد.

ويُعد الإنتاج عاملًا حاسمًا. وقالت الدكتورة مارينا ميرون، من قسم الدراسات الدفاعية في كلية كينغز كوليدج لندن، إن “التكيف فيما يتعلق بالإنتاج، وسلاسل الإمداد، والخدمات اللوجستية، والعقيدة العسكرية” يمثل جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية، حتى لو كان هذا الأمر يحظى باهتمام إعلامي أقل من دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستطلاع والهجوم على ساحات القتال في أوكرانيا وروسيا.

وأضافت في حديث لي: “يحاول الجانبان التكيف والابتكار للاستفادة من نافذة زمنية قصيرة… بينما يعمل الخصم على تصميم إجراءات مضادة” لوقف هذه التطورات الجديدة.

وقالت ميرون: “الناتو متأخر كثيرًا عندما يتعلق الأمر بالاستعداد للتعامل مع هذه التغييرات. الأمر لا يتعلق فقط ببناء دفاعات مضادة للطائرات المسيّرة… بل بإعادة التفكير في العقيدة العسكرية بأكملها”.

وأضافت أن الناتو، من الناحية المثالية، لن يقلد أوكرانيا أو روسيا، بل سيتكيف مع “الدروس المستفادة من كلا الجانبين”.

وقالت ميرون إن احتمال اندلاع حرب تقليدية “منخفض”، لكن ما سيواجهه الناتو بدلًا من ذلك هو “أحداث” تقع دون عتبة الحرب، كما شهدنا في بولندا ورومانيا والدنمارك وغيرها.

وفي هذه الأزمة التي تتبلور تدريجيًا، يتمثل جزء من التحدي أمام أعضاء الناتو في كيفية إبلاغ شعوبهم بخطورة التهديد الذي يواجهونه باستمرار، من دون إثارة الذعر ومنح موسكو انتصارًا نفسيًا.

إنها معادلة تكاد تكون مستحيلة

فقد شهدنا حادثة اقتراب خطير لطائرة مسيّرة من مطار ألماني، وسقوط صاروخ باليستي في منطقة مفتوحة داخل بولندا، ومخططات اغتيال يُزعم أنها وردت في لوائح اتهام قُدمت إلى المحكمة الجزئية الجنوبية في نيويورك.

وتتسع القائمة منذ أواخر الصيف، كما تتزايد معها احتمالات أن تكون هذه الحوادث أكثر فتكًا وأن تمتد جغرافيًا إلى مناطق أوسع.

وقد تكون موسكو أكثر قدرة على التعامل مع هذا النوع من المناورات المحفوفة بالمخاطر. وقال مسؤول أوروبي بارز إن العقلية الروسية أكثر تكيفًا من عقلية الناتو مع التصعيد المتقلب.

وأوضح المسؤول: “منذ الحقبة السوفيتية، وضع الروس نظريات تقوم على التعديل المرن لمستوى القوة والعدوان. أما بالنسبة إلى الناتو، فإن إدارة التصعيد بهذه الطريقة أمر جديد نسبيًا. ولذلك، هناك أمور يتعين على الناتو أن يتعلمها”.

وأضاف: “إن رد الفعل المبالغ فيه ليس مجديًا، لكن التغاضي عن الأمر ليس حلًا أيضًا”.

وفي مرحلة ما، سترتكب موسكو خطأ في إطلاق النار أو تتجاوز حدودها، ما سيجبر عضوًا في الناتو على الرد بالقوة بطريقة ما.

وهذا ليس أمرًا غير مسبوق. ففي سوريا، أدى هجوم عام 2018 على مواقع أمريكية شنّه مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية إلى رد عسكري أمريكي عنيف.

ويجب ألا ننسى أيضًا أن أسلحة ومعلومات استخباراتية من دول الناتو الأوروبية تساعد أوكرانيا يوميًا على ضرب روسيا. وغالبًا ما تكون هذه الأسلحة قد اشتُريت وزُودت بها أوكرانيا من جانب دول الناتو، لكن الأوكرانيين هم من يضغطون على الزناد.

وربما تشعر موسكو، من وجهة نظرها المشوهة باعتبارها الطرف الغازي، بأنها ترد على هذه الهجمات.

ولكن عندما ترتكب روسيا هذا الخطأ، فإن القفزة الحادة في مستوى المواجهة التي ستعقب ذلك، ستكون أمرًا لم تستعد له المؤسسة العسكرية ولا الرأي العام في دول الناتو. ويبدو أن هذه اللحظة تقترب يومًا بعد يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks