تريليونات على المحك.. هل يكرر الذكاء الاصطناعي كارثة عمرها ربع قرن؟ | اقتصاد


روكب اليوم

بينما تحقق شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية إيرادات وأرباحا قياسية من طفرة الذكاء الاصطناعي، تنفق شركات أخرى مليارات الدولارات على تطوير التكنولوجيا وتشغيلها دون إثبات قدرتها على تحقيق عوائد تتناسب مع استثماراتها.

ويرى تحليل نشره بنك غولدمان ساكس أن العوائد تتركز لدى مصنعي الرقائق، بينما لا تزال معظم الشركات في بقية سلسلة الذكاء الاصطناعي تبحث عن سبل لتحويل استخدام التكنولوجيا إلى أرباح، مما يثير تساؤلات بشأن استدامة هذا التفاوت.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ورغم هذه الفجوة، تواصل الشركات ضخ الأموال في مراكز البيانات والمعالجات والنماذج الجديدة، وحسب رئيس أبحاث الأسهم العالمية لدى غولدمان ساكس، جيم كوفيلو يدفع الخوف من تفوق المنافسين الشركات إلى الإنفاق قبل اتضاح العائد الاقتصادي لاستثماراتها.

ويعيد هذا الاندفاع إلى الأذهان فقاعة شركات الإنترنت، حين دفعت التوقعات المتفائلة أسهم التكنولوجيا إلى مستويات قياسية، قبل أن يتسبب انهيارها مطلع الألفية في تبخر تريليونات الدولارات من الثروة، فهل تتكرر أزمة الدوت كوم بعد أكثر من ربع قرن، أم تختلف طفرة الذكاء الاصطناعي عن سابقتها؟ وما الذي ينتظر الأسواق إذا جاءت الأرباح أقل من توقعات المستثمرين؟

حين تتحول الطفرات إلى فقاعات اقتصادية

من المضاربة على بصيلات التوليب في هولندا خلال ثلاثينيات القرن السابع عشر، إلى انهيار أسهم الإنترنت مطلع الألفية، تقدم التجارب التاريخية أمثلة على ارتفاع أسعار الأصول ثم تراجعها الحاد، وإن اختلف نطاق الخسائر وأثرها الاقتصادي.

فوفق مقال نشره موقع قسم التاريخ بجامعة أكسفورد، ارتفعت أسعار أصناف من التوليب مع اتساع المضاربة على عقود بصيلاتها، قبل انهيارها عام 1637، يجب الحذر من المبالغة في آثار الواقعة؛ إذ اقتصرت التجارة على دائرة محدودة من التجار الميسورين، ولا تظهر الأدلة حالات إفلاس واضحة أو آثارا واسعة على الاقتصاد الهولندي، حسب المقال.

ولا يشترط أن تقوم الفقاعة على ابتكار عديم الفائدة؛ فقد تنطلق من تكنولوجيا واعدة، ثم تتجاوز التوقعات بشأنها قدرة الشركات على تحقيق الأرباح. وتوضح مراجعة غولدمان ساكس لفقاعة الدوت كوم كيف اجتذبت شركات الإنترنت التمويل قبل إثبات جدوى نماذج أعمالها.

ولتوضيح هذه الآلية، يمكن تصور شركة ناشئة تطور تقنية واعدة من دون تحقيق أرباح، يرتفع سعر سهمها لأن المستثمرين يتوقعون نجاحها مستقبلا، ثم يجذب الارتفاع مشترين يراهنون على بيع السهم بسعر أعلى.

ومع استمرار الصعود، قد يدفع الخوف من ضياع الفرصة مزيدا من المستثمرين إلى الشراء، حتى تصبح الأسعار أكثر ارتباطا بتوقعات المكاسب منها بقدرة الشركة على توليد الدخل.

ومع ذلك، لا يكفي ارتفاع الأسعار للحكم بوجود فقاعة، فتقدير قيمة تكنولوجيا جديدة يتطلب توقع حجم سوقها وتكاليفها وأرباحها، وهي أمور يصعب حسمها مبكرا.

الاستثمارات المتصاعدة في الذكاء الاصطناعي تهدد بتكرار فقاعة الدوت كوم  (رويترز)

فقاعة الدوت كوم.. استثمارات سبقت الأرباح

وحسب مراجعة غولدمان ساكس التاريخية، تسارع تمويل شركات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، وطرحت شركات أسهمها للاكتتاب دون إثبات جدوى أعمالها، بينما لم يكن كثير منها يحقق أرباحا أو إيرادات تذكر.

وساعد الاعتقاد بأن الإنترنت سيغير الاقتصاد على منح النمو المتوقع وزنا يفوق النتائج المالية القائمة، فارتفعت تقييمات شركات لم تختبر قدرتها على الاستمرار من دون تمويل جديد.

وامتدت الموجة إلى الاتصالات؛ إذ وثقت مجلة “وايرد” استثمارات ضخمة في شبكات الألياف الضوئية سبقت الطلب الفعلي، تاركة طاقات فائضة وشركات مثقلة بالديون انتهى بعضها إلى الإفلاس.

وفي سوق الأسهم الأمريكية، قفز مؤشر ناسداك 86% خلال عام 1999، ثم أغلق عند نحو 5048 نقطة في 10 مارس/آذار 2000، وفق بيانات أوردتها مراجعة غولدمان ساكس.

لكن ضعف نتائج الشركات قوض الثقة في تقييماتها، وتزامن هبوط الأسهم مع تعثر شركات اعتمدت على استمرار تدفق التمويل.

وبحلول 4 أكتوبر/تشرين الأول 2002، تراجع ناسداك إلى نحو 1140 نقطة، فاقدا قرابة 77% من ذروته. وبحساب مبسط، كانت قيمة استثمار يتتبع المؤشر بقيمة 100 ألف دولار عند القمة ستنخفض إلى نحو 23 ألفا، قبل احتساب التكاليف والتوزيعات.

وقدرت ورقة عمل منشورة لدى صندوق النقد الدولي عام 2018 خسارة الثروة في الاقتصاد الأمريكي بين ذروة الفقاعة وقاعها بنحو 5 تريليونات دولار. وشملت موجة التعثر شركات مثل “ويب فان”، التي أكدت أمازون توقفها عن العمل وإعلان اعتزامها طلب الحماية من الإفلاس عام 2001.

ومع ذلك، لم يؤد انهيار الأسهم إلى اختفاء الإنترنت أو توقف نمو التجارة الإلكترونية. فقد واصلت أمازون أعمالها، وأكدت في رسالتها للمساهمين عن عام 2001 تركيزها على توليد تدفقات نقدية مستدامة والتوسع على المدى الطويل.

بوادر الفقاعة.. عندما تموّل الشركات عملاءها

تختلف الطفرة الحالية عن الدوت كوم في أن جانبا كبيرا من الإنفاق تقوده شركات ذات أنشطة قائمة ومراكز مالية أقوى، مثل مايكروسوفت وألفابت وميتا، إلى جانب إنفيديا المستفيدة من الطلب على المعالجات، حسب تحليل رويترز لمخاطر تمويل الذكاء الاصطناعي.

لكن قوة الشركات لا تلغي مخاطر السوق، ويحذر صندوق النقد الدولي من أن الاعتماد المتزايد على أداء الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يجعل خيبة الأمل في أرباحها المحتملة مصدر ضغط على أسعار الأصول.

وتضيف العلاقات المالية المتشابكة مصدرا آخر للمخاطر؛ إذ يوضح الصندوق أن بعض الشركات تموّل شركات أخرى بالاستثمار أو الإقراض، مقابل التزامات مستقبلية بشراء خدماتها ومنتجاتها.

وفي مراجعة شملت 14 صفقة من هذا النوع منذ عام 2023، رصد الصندوق استثمارات في حقوق الملكية بنحو 300 مليار دولار وديونا بقيمة 650 مليارا، مقابل تعهدات بإيرادات مستقبلية تبلغ 1.4 تريليون دولار، وهي التزامات تعاقدية وليست إيرادات تحققت بالفعل.

وحسب الصندوق، قد يؤدي تعثر شركة تتلقى التمويل إلى خفض الإيرادات المتوقعة وتقييمات الاستثمارات لدى الشركات المرتبطة بها، إلى جانب إضعاف قيمة الديون الناشئة عن هذه الصفقات. وهكذا قد تصيب الصدمة المموّل بصفته مستثمرا وموردا في آن واحد.

وتقدم شركة “كورويف” الأمريكية مثالا على تحديات هذا النموذج؛ إذ تشتري معالجات إنفيديا وتجهز مراكز بيانات، ثم تؤجر قدراتها الحاسوبية لعملاء مثل مايكروسوفت وأوبن إيه آي، وفق رويترز.

ولتمويل توسعها، اعتمدت الشركة على الاقتراض، حتى بلغت ديونها نحو 50 مليار دولار، بحسب بيانات مجموعة بورصات لندن التي نقلتها الوكالة.

ويتوقع المحللون أن تحقق كورويف إيرادات تقارب 13 مليار دولار خلال عام 2026، مقابل خسائر بنحو 2.13 مليار دولار. وكانت الشركة قد رفعت توقعاتها للإنفاق الرأسمالي السنوي إلى ما بين 35 و39 مليار دولار، وفق التقرير نفسه.

وتوضح هذه الأرقام أن نمو الطلب والإيرادات قد يتزامن مع استمرار الخسائر، إذا سبقت تكاليف بناء القدرات وسداد التمويل الأموال التي تحصلها الشركة من عملائها.

من سيدفع فاتورة الذكاء الاصطناعي؟

تتجاوز المسألة ارتفاع الأسهم وتشابك التمويل إلى سؤال العائد نفسه: متى تتحول الاستثمارات إلى أرباح وتدفقات نقدية تكفي لتغطية تكاليفها؟

وتبين وكالة الطاقة الدولية أن بناء مراكز البيانات وتشغيلها يتطلبان، إلى جانب الخوادم والمعالجات، بنية للكهرباء والتبريد والاتصالات، ما يوسع فاتورة الاستثمار والتشغيل.

ووفق تحليل نشرته رويترز في يوليو/تموز 2026، قد يتجاوز مجموع الإنفاق الرأسمالي لمايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا وأوراكل تدفقاتها النقدية الحرة المجمعة بحلول عام 2027، استنادا إلى تقديرات محللين جمعتها مجموعة بورصات لندن، والتدفقات الحرة هي السيولة المتبقية بعد نفقات التشغيل والإنفاق الرأسمالي.

ويضيف التطور السريع للرقائق تحديا آخر، إذ تشير رويترز في تحليلها لأوضاع كورويف إلى مخاطر تقادم المعالجات، مما يضع الشركات أمام احتمال تراجع قيمة معدات مكلفة قبل استرداد استثماراتها.

وفي حديث نشره غولدمان ساكس في يونيو/حزيران 2026، قال كوفيلو إن الجدوى الاقتصادية للذكاء الاصطناعي أصبحت موضع تساؤل أكبر، رغم تقدم التكنولوجيا وانتشار استخدامها، لأن جهات عديدة لم تثبت بعد قدرتها على تحقيق عائد من الإنفاق.

ووفق كوفيلو، لا يكفي اتساع الاستخدام الاستهلاكي، خاصة مع اعتماد كثيرين على خدمات مجانية؛ فالاختبار الأهم يتمثل في قدرة المؤسسات على زيادة إيراداتها أو خفض تكاليفها باستخدام هذه الأدوات.

وفي النقاش نفسه، رأى الرئيس المشارك لمعهد غولدمان ساكس العالمي، جورج لي أن تبني الشركات للتكنولوجيا يحتاج وقتا وتجهيزات إضافية، مع استمرار فرص إعادة تشكيل الأعمال وخلق نشاط اقتصادي جديد. ويظل تحقق هذه الفرص، وحجم العائد منها، موضع الاختبار.

هل تمتد الخسائر إلى الاقتصاد العالمي؟

تتجاوز آثار أي هبوط حاد الشركات المعنية إلى المؤسسات والأفراد الذين يحتفظون بأسهمها مباشرة أو عبر الصناديق، إذ تنخفض قيمة محافظهم بقدر انكشافها على هذه الأصول.

وحذر صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من أن ضعف العوائد المتوقعة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي قد يدفع إلى تصحيح أسعار الأصول، مع احتمال تضخيم الخسائر بفعل الاقتراض وتشابك العلاقات المالية.

متفحصون لخوادم وحدة معالجة الرسومات في جناح شركة غيغابايت تكنولوجي خلال معرض كومبيوتكس التجاري السنوي في تايوان (رويترز)

وظهرت هذه الحساسية في الأسواق خلال الشهر نفسه، وأفادت رويترز في 15 أكتوبر/تشرين الأول بتفاقم بيع أسهم التكنولوجيا الأمريكية وسنداتها، مع تصاعد التدقيق في تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ولا تقتصر القيود على التمويل؛ إذ تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن توفير الكهرباء وتوسيع الشبكات قد يستغرقان وقتا أطول من بناء مراكز البيانات، ما يهدد بتأخير تشغيل بعض المشروعات.

وفي تقريرها “الطاقة والذكاء الاصطناعي” الصادر عام 2025، توقعت الوكالة ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالميا من نحو 415 تيراواط ساعة عام 2024 إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030 في السيناريو الأساسي، أي أكثر من الضعف، مع دور رئيسي لنمو الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لا يعني تعثر شركة بالضرورة انتقال الأزمة إلى النظام المالي بأكمله، ونقلت رويترز عن بنك جيه بي مورغان تقديره أن المخاطر المباشرة لاضطراب ديون كورويف على البنوك العالمية محدودة، مستندا إلى حجم الانكشاف والضمانات، مع إقراره بمحدودية الإفصاحات المتاحة.

وتبقى تجربة الدوت كوم تذكيرا بأن نجاح التكنولوجيا لا يضمن نجاح كل استثمار مرتبط بها، أما الحكم على الطفرة الحالية فسيتوقف على قدرة الشركات على تحويل الإنفاق والطلب المتزايد إلى أرباح مستدامة، قبل أن تنفد السيولة أو تتبدل ثقة المستثمرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks