
روكب اليوم
Published On 24/6/2026
|آخر تحديث: 11:48 (توقيت مكة)
في الغابات الاستوائية في بنما، تبدو حياة الفراشات للوهلة الأولى قصيرة وخاطفة؛ تخرج من شرانقها بأجنحة ملونة، تطير بين الأزهار، تتزاوج، تضع البيض، ثم تختفي سريعا.
لكن بعض الفراشات لا تسير وفق هذه القاعدة؛ فهي لا تعيش أياما أو أسابيع قليلة فحسب، بل قد تمتد حياتها لشهور طويلة، في عمر غير معتاد بين الفراشات.
وتشير دراسة جديدة إلى أن السر قد يكون في عادة غذائية نادرة، وهي أكل حبوب اللقاح. إذ وجد باحثون أن فراشات من جنس “هيليكونيوس” طورت عمرا أطول وشيخوخة أبطأ مقارنة بأقاربها القريبة، ليس بسبب جين واحد أو عامل بسيط، بل على الأرجح نتيجة تفاعل طويل بين الغذاء والتطور ووظائف الجسم.
جمع مؤلفو الدراسة التي نشرت يوم 16 يونيو/حزيران في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications) بيانات من بيوت فراشات تجارية، وتجارب الوسم والإطلاق وإعادة الرصد في بيئات شبه طبيعية، وتجارب معملية في مراكز تربية الحشرات. ومن خلال هذه المصادر المختلفة، وجد الباحثون أن بعض أنواع هيليكونيوس قد تعيش فترات تقترب من عام كامل، وهو عمر طويل جدا بمقاييس الفراشات.
غذاء غير مألوف وعمر أطول
تظهر الدراسة أن بعض أقارب هذه الفراشات لا يعيش أكثر من أسابيع قليلة، بينما وصل أطول عمر مسجل في أحد أنواع هيليكونيوس إلى 348 يوماً. ووجد الفريق أن الفراشات التي تتغذى على حبوب اللقاح تعيش، في المتوسط، أطول بنحو ثلاثة أضعاف من أقاربها التي لا تفعل ذلك.
تقول جيسيكا فولي، المؤلفة الرئيسية للدراسة والباحثة في كلية العلوم البيولوجية بجامعة بريستول: “تعد هذه العادة الغذائية غير مألوفة بين الفراشات. فكثير من الفراشات البالغة تعتمد أساسا على رحيق الأزهار، وهو غذاء غني بالسكريات يمنحها الطاقة. أما حبوب اللقاح فتحتوي على مكونات غذائية أكثر تعقيدا، منها البروتينات والأحماض الأمينية، وهي عناصر قد تساعد الجسم على الصيانة والإصلاح لفترة أطول”.
وتوضح جيسيكا في تصريحات للجزيرة نت أن حبوب اللقاح لا تمنح الفراشة طاقة للطيران فقط، بل مواد تساعدها على الحفاظ على جسمها مع التقدم في العمر.
ركز الفريق على نوعين، الأول هو فراشة “هيليكونيوس هيكالي”، وهي من الفراشات التي تتغذى على حبوب اللقاح، وفراشة “دراياس إيوليا”، وهي قريبة لها لا تعتمد على اللقاح بالطريقة نفسها. ثم وضع الباحثون الفراشات في تجربتين غذائيتين؛ مجموعة حصلت على حبوب اللقاح، وأخرى حرمت منها.
كشفت النتائج أن الفراشات التي حصلت على اللقاح عاشت عمرا وسيطا بلغ 63 يوماً، مقابل 47 يوماً للمجموعة التي حرمت منه. لكن حتى عندما حرمت من اللقاح، ظلت تعيش أطول بكثير من قريبتها التي لم تستفد تقريبا من إضافة اللقاح إلى غذائها.
وحسب الدراسة، فإن هذا يعني أن حبوب اللقاح تساعد فعلا على إطالة العمر، لكنها لا تفسر القصة كلها. فهناك على ما يبدو تغيرات تطورية أعمق جعلت فراشات هيليكونيوس قادرة على تأخير الشيخوخة والحفاظ على وظائف أجسامها لفترة أطول.
شيخوخة أبطأ لا عمر أطول فقط
ولمعرفة كيف يظهر ذلك في الجسم، قاس الباحثون كتلة الجسم وقوة القبضة لدى الفراشات مع تقدم العمر. وتشرح المؤلفة الرئيسية للدراسة أن فقدان الوزن وضعف العضلات من العلامات الواضحة على التدهور الجسدي؛ ومن ثم، وجدت الدراسة أن فراشات “دراياس إيوليا” فقدت كتلتها وقوتها مع العمر، بينما حافظت “هيليكونيوس هيكالي” على قوة قبضتها حتى في أعمار متقدمة.
أما حرمان “هيليكونيوس هيكالي” من حبوب اللقاح، فقد زاد فقدان الوزن وجعلها أضعف عموما، لكنه لم يلغِ ميزتها الأساسية: الشيخوخة البطيئة. وهذا يشير إلى أن اللقاح جزء مهم من القصة، لكنه يعمل داخل نظام بيولوجي تطور أصلا لدعم حياة أطول.
ويرى الفريق في هذه النتائج بابا جديدا لدراسة الشيخوخة في الطبيعة. فبدلا من التركيز فقط على كائنات معملية مألوفة مثل ذبابة الفاكهة، يقترح الباحثون أن فراشات هيليكونيوس قد تصبح نموذجا مهما لفهم كيف يستطيع التطور إطالة “العمر الصحي”، أي الفترة التي يحتفظ فيها الكائن بقوته وقدرته على الحركة والتكاثر، لا مجرد بقائه حيا لفترة أطول.
مع ذلك، يشير الباحثون إلى أن بعض بيانات العمر جاءت من بيوت فراشات تجارية ومن سجلات غير منشورة، كما أن أقصى عمر قد يتأثر بحجم العينة وبوجود أفراد نادرين عاشوا طويلا جدا؛ لذلك فإن المقارنة بين الأنواع تحتاج إلى حذر، خصوصا عندما تعتمد على سجلات مختلفة المصدر.
كما أن الانتقال إلى التغذية على حبوب اللقاح حدث مرة واحدة تقريبا في تاريخ هذه المجموعة، ما يجعل إثبات العلاقة السببية بين اللقاح وطول العمر صعبا إحصائيا. فحين تظهر الصفة مرة واحدة في شجرة النسب، يصبح من الصعب فصل أثر الغذاء عن بقية الخصائص التطورية التي تميز المجموعة نفسها.