روكب اليوم
2026-10-16 14:49:00

وتضخ الحكومات والشركات استثمارات ضخمة في مشروعات ترتبط بالذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدءاً من رقائق أشباه الموصلات ومراكز البيانات، وصولاً إلى شبكات الكهرباء والاتصالات. ويعزز هذا الإنفاق النشاط الاقتصادي العالمي، لكنه يزيد في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض.
وحذّر محافظو البنوك المركزية في أكبر الاقتصادات العالمية، خلال اجتماعاتهم في بانكوك، من أن هذه الطفرة تخلق ضغوطاً تضخمية جديدة ومخاطر مالية، لأن الاستثمارات تتدفق قبل ظهور مكاسب الإنتاجية التي يُتوقع أن يحققها الذكاء الاصطناعي.
وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وورش، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن على البنوك المركزية إدراك أن طفرة الذكاء الاصطناعي تمثل صدمة اقتصادية، موضحاً أن تأثيرها يظهر في جانب الطلب قبل أن ينعكس على جانب العرض.
وقال مسؤولون من مجموعة العشرين إن إعادة تقييم محدودة للتوقعات المتفائلة بشأن أرباح شركات الذكاء الاصطناعي قد تتسبب في اضطرابات كبيرة بالأسواق، وهو ما أظهرت مؤشرات عليه موجة بيع أسهم التكنولوجيا الآسيوية خلال الأسبوع.
سباق عالمي على الأموال
يعكس هذا الوضع تحولاً لافتاً مقارنة بالسنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما كان صانعو السياسات يشعرون بالقلق من فائض المدخرات العالمية واستمرار التضخم عند مستويات منخفضة للغاية.
أما اليوم، فتتجه المخاوف إلى الاتجاه المعاكس، مع تزايد الطلب على رأس المال واحتدام المنافسة للحصول عليه.
وقال عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، مارتينش كازاكس، لـ«رويترز»: «هناك صراع عالمي على الأموال»، مضيفاً أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من العوامل الرئيسية التي تدفع تكلفة التمويل إلى الارتفاع.
وتتفاقم هذه الضغوط مع زيادة اقتراض الحكومات، من الولايات المتحدة إلى اليابان وألمانيا، لتمويل الإنفاق الدفاعي والسياسات الصناعية ومشروعات الطاقة.
هل ترتفع أسعار الفائدة المحايدة؟
قد تعني هذه التطورات أن مستوى أسعار الفائدة اللازم للحفاظ على استقرار الاقتصاد، والذي يُعرف باسم «سعر الفائدة المحايد»، آخذ في الارتفاع.
وسعر الفائدة المحايد هو المستوى الذي لا يدفع الاقتصاد بصورة واضحة نحو التوسع ولا يضغط عليه باتجاه الانكماش.
وقال محافظ البنك الاحتياطي الجنوب إفريقي، ليسيتيا كغانياجو، إن تحديد هذا المستوى أصبح أكثر صعوبة، مضيفاً أن المؤشرات التي تساعد على تقديره تبدو محجوبة بفعل حالة عدم اليقين، وأن البنوك المركزية تدرك أنه ارتفع، لكنها لا تعرف مقدار هذا الارتفاع بدقة.
وقال كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، إن أسعار الفائدة قد تكون أعلى قليلاً في المتوسط خلال الفترة المقبلة.
وكان بنك اليابان قد أشار بالفعل إلى أن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي يمثل أحد العوامل وراء زياداته الأخيرة لأسعار الفائدة، معتبراً أن الضغوط السعرية الناتجة عن الاستثمار أصبحت أوسع نطاقاً وأكثر استمراراً.
ويتوقع اقتصاديون أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل يوم 5 نوفمبر.
وكان البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد رفعا الفائدة في سبتمبر، فيما أخذت الأسواق في الحسبان احتمال تنفيذ كل منهما زيادة أخرى في ديسمبر.
نهاية عصر الأموال الرخيصة؟
يشكل احتمال استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض تحدياً للحكومات التي تراكمت عليها الديون خلال سنوات ظلت فيها أسعار الفائدة قريبة من الصفر.
وقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية في أنحاء العالم، ووصلت في بعض الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة إلى مستويات لم تُسجل منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية.
وتبدو منطقة اليورو، ولا سيما فرنسا المثقلة بالديون، من بين المناطق الأكثر تعرضاً لهذه الضغوط.
وتتركز حصة كبيرة من طفرة الاستثمار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، وبدرجة أقل في اليابان ومناطق أخرى من آسيا، فيما تبرز شركتا «إيه إس إم إل» و«سيمنز» ضمن عدد محدود من المستفيدين الأوروبيين الواضحين من هذا التوجه.
وفي المقابل، تواجه منطقة اليورو ارتفاعاً في تكاليف الطاقة بفعل الحربين في إيران وأوكرانيا، ما يزيد الضغوط التضخمية ويضع مزيداً من الأعباء على المالية العامة.
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، خلال فعالية نظمتها «سي إن إن» في بانكوك، إن بعض الدول تواجه ظروفاً تجعلها أكثر تأثراً بهذه الضغوط، مشيرة إلى فرنسا مثالاً على ذلك.
وأضافت أن الحل الأساسي بالنسبة إلى فرنسا يبدأ من الداخل، ويرتبط بالسياسات المالية التي تتبعها الحكومة.