عنقاء الجنوب.. قصة عودة حزب الله من تحت الرماد |


روكب اليوم

في صبيحة 28 سبتمبر/أيلول 2024، استيقظت بيروت على بيان نعي الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وقنوات “المقاومة” تبث آيات القرآن الكريم في جوّ جنائزي حزين، وأنصار الحزب يتوافدون إلى الشوارع نائحين على الزعيم الأسطوري الذي قضى نحبه تحت 80 قنبلة خارقة للتحصينات. في تلك الساعة الممتلئة بالضجيج، تسلل محمد الحداد المقاتل في صفوف الحزب، حاملا حقيبته ومغادرا المدينة جنوبا. لم يكن الحداد هاربا كما يوحي المنطق السليم، بل خرج “غازيا”.

وصل محمد إلى مدينة صور، وهناك عندما وجد الطريق مقطوعا وما من سبيل لمواصلة السير إلى الجنوب الملتهب، اعتمد البحر طريقا له. “لا أحد يعرف كم قطع مسافة في البحر، بيد أنه وصل الناقورة بعد 3 أيام” يقول لي صديقه الذي تعرّف عليه في الناقورة والذي أخفينا هويته بناء على طلبه. وهناك راح محمد يبحث عمن تبقى من المقاتلين، ويعيد ترتيب صفوفهم كما يفعل قادة الفرق في الجيوش التقليدية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

“كنت أنظر إلى الخرائط التي رسمها فأرى الأعمال التسعة المعروفة في التكتيكات العسكرية النظامية موزعة على كامل مساحة الخريطة: الهجوم، الكمين، الإغارة، الملاقاة، التصادم، الاستطلاع، الدورية، التصدي، القتال المتقدم. وكأنه يفترض أن جيشا بكامل عتاده يقف معه”. يؤكد صديقه أنه كان يتصّرف بـ”روح قائد للجبهة الجنوبية كلها”.

وعندما وجد أن ثمة مشكلة في الإعلام الحربي، وأن المواد الإعلامية المنقولة من الجبهة إلى بيروت قليلة، قرر تعديل خططه وبدء الاستعداد للإغارة على موقع شمعون الصفا شمال الناقورة. كان الموقع هو النقطة الوحيدة التي يمكن للإعلاميين الموجودين في صور نقل صورتها مباشرة بكاميراتهم شرط اشتعاله، وهو ما قام به مع مجموعة من صحبه عندما أغاروا على الموقع في عملية مركبة، فاشتعلت دبابات الاحتلال ووثق الصحفيون في صور اللقطة. بالنسبة إلى محمد، كانت تلك العملية الفعل الوحيد القادر على إثبات عدم إحكام الإسرائيليين سيطرتهم على أرض الجنوب.

الحدود اللبنانية الإسرائيلية (الجزيرة)

بعد ذلك، عاد محمد جنوبا إلى الناقورة وبدأ الاستعداد “للعبور” كما يقول صاحبه. أحدث خرقا في الجدار الذي أنشأه الإسرائيليون على الحدود قبل يومين من تاريخ وقف الحرب في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بتفجير عبوة ناسفة في الجدار. وبعدها تسلل إلى فلسطين واستطلع مستوطنة شالومي (في الجليل الغربي على بعد كيلومتر واحد من الحدود اللبنانية) صبيحة اليوم الأخير بنفسه بعدما فقد غالبية صحبه.

أغار الإسرائيليون على القرية في اليوم الأخير من الحرب. كانت الغارات جنونية. أكثر من 270 قذيفة مدفعية، وما يزيد على 60 غارة من الطيران الحربي على الناقورة في اليوم الأخير. لم يعِ أحد معنى هذه الغارات كلها على قرية ملاصقة للجدار الفاصل بين الحدود اللبنانية والفلسطينية في آخر أيام الحرب. وحده محمد وصاحبه كانا يعرفان السبب. لم يجد أحد أثرا لجسد محمد، لكن أثره ظل في أرض الجنوب، برهانا على أرض متمردة تأبى الخضوع.

نعيٌ أُعلن قبل أوانه

لم يكن حسن نصر الله قائدا عاديا. فمنذ توليه قيادة الحزب عام 1992، خلفا للشيخ عباس الموسوي الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي بدوره، تحوّل إلى الوجه الذي لا يُفصل عن الحزب في الوعي الشعبي. فهو الذي أشرف على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، في حدث وصفه كثيرون بأنه أول هزيمة عسكرية إسرائيلية أمام قوة غير نظامية، ليتحوّل نصر الله على إثره إلى رمز يتجاوز حدود بيئته الشيعية. وفي صيف 2006، قاد الحزب في مواجهة عسكرية مع إسرائيل امتدت 33 يوما، وانتهت دون أن تُحقق إسرائيل أيًا من أهدافها المعلنة، مما رسّخ مكانته إقليميا.

” خسر حزب الله قرابة 5 آلاف قتيل و13 ألف جريح خلال فترة المواجهة وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ الحزب منذ تأسيسه”

وصفت مؤسسة تشاتام هاوس البريطانية للدراسات الإستراتيجية اغتياله بأنه “الأسوأ في تاريخ حزب الله على الإطلاق”، مستندة إلى أن نصر الله لم يضطلع بدور قيادي تقليدي، بل كان يجمع في شخصه وظائف لا تُفصل: صانع القرار الإستراتيجي، والمرجعية العقدية، والوجه الذي يمنح الحزب شرعيته الجماهيرية.

خلف نصر الله في منصبه نعيم قاسم، أحد مؤسسي الحزب والرجل الثاني فيه على مدى عقود. وفي أول تصريح علني له بعد توليه القيادة، كشف قاسم أن الحزب خسر قرابة 5 آلاف قتيل و13 ألف جريح خلال فترة المواجهة وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ الحزب منذ تأسيسه. وتذهب التقديرات الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، إذ تُشير إلى أن الغارات دمّرت ما يقارب 80% من المنظومة الصاروخية والنارية التي راكمها الحزب على مدى سنوات.

الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله (الجزيرة)

ولا تتوقف الخسارة عند العتاد والمقاتلين. فقد وصفت مجلة منارة المتخصصة في الشؤون الأمنية الإقليمية ما جرى بأنه “أكثر خسارة مركّزة للقيادات العليا في تاريخ الحزب الممتد أربعة عقود”، في إشارة إلى أن الغارات الإسرائيلية أسقطت في وقت قياسي جيلا كاملا من قادة الصف الأول والثاني الذين أمضوا عقودا في بناء التنظيم ومؤسساته.

لم تتوقف الضربات عند حدود الميدان. فبينما كان أزيز طيران جيش الاحتلال يملأ سماء الضاحية، جاء سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 ليغلق البوابة الشرقية للإمداد، فخسر الحزب شريانا لوجستيا ظلّ لعقود يربطه بعمقه الإستراتيجي في طهران، عبر مسالك برية امتدت من إيران مرورًا بالعراق وصولا إلى لبنان.

“مرة واحدة، خسر حزب الله كل شبكات إمداده الخارجية، بالتزامن مع تضييق مالي داخلي وعقوبات غربية واسعة”

ثم لم تمضِ أشهر حتى جاءت ضربة أخرى حين قررت الحكومة اللبنانية في فبراير/شباط 2025 تعليق الرحلات الجوية الإيرانية إلى بيروت. وهو قرار رأى فيه المحسوبون على الحزب تجاوبًا مع ضغوط خارجية على حساب السيادة الوطنية، فيما أغلق عمليًا آخر الممرات الجوية التي كانت تعوّض انقطاع الطريق البري.

داخليا أخذت الحكومة اللبنانية تضيّق الخناق على مؤسسات الحزب، لتجد جمعية القرض الحسن نفسها في مرمى إجراءات مصرف لبنان المركزي، تزامنا مع موجة عقوبات أمريكية جديدة طالت شبكات التمويل المرتبطة بالحزب. والجمعية في نظر بيئة الحزب الحاضنة ليست مؤسسة مالية فحسب، بل شبكة أمان اجتماعي واسعة، وهو ما يجعل الإجراءات ضدها، في نظر مؤيديه، استهدافا للمجتمع الجنوبي قبل أن تكون استهدافا للتنظيم.

وزير الدفاع يسرائيل كاتس أعلن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 أن إسرائيل هزمت حزب الله

هذا الضعف المتراكم دفع إسرائيل إلى الإعلان المبكر عن انتهاء الحزب كقوة فاعلة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بصراحة: “هزمنا حزب الله، ومهمتنا الآن هي مواصلة الضغط وتغيير الواقع الأمني في لبنان والشمال”. وفي تصريحات لاحقة لوسائل إعلام إسرائيلية، أبرزها القناة 12، ذهب كاتس إلى أن اغتيال نصر الله كان “تتويجا لهذه الهزيمة” وهو توصيف يُلمح إلى أن المعركة أُغلق ملفها، وأن ما تبقى مجرد ترتيبات لتكريس نتائجها.

فلا تستعجلوه

وسرعان ما وجد هذا التصوّر صدى في الداخل اللبناني. ففي 5 أغسطس/آب 2025 قررت الحكومة اللبنانية حصر سلاح حزب الله بيد القوى الأمنية، في خطوة غير مسبوقة. جاءت خطة الجيش في خمس مراحل؛ أعلن إنجاز أولاها جنوب الليطاني مطلع يناير/كانون الثاني 2026، ثم قدّرت الحكومة في فبراير/شباط أن المرحلة الثانية تحتاج أربعة أشهر على الأقل، قابلة للتمديد بحسب الإمكانات والاعتداءات الإسرائيلية والعوائق الميدانية. لم ترَ إسرائيل في ذلك ما يكفي، وواصلت ضرباتها بذريعة منع الحزب من ترميم قدراته.

ردّ الحزب على طريقته. وصف نعيم قاسم تركيز الحكومة على نزع السلاح بأنه “خطيئة كبرى” لأنه يحقق أهداف العدوان، وطالبها بوقف كل تحرك عنوانه حصر السلاح، محمّلا أداءها جانبا من المسؤولية عن طمع العدو. وقبل ذلك بشهر حذر القيادي في الحزب محمود قماطي من أن السعي لاحتكار السلاح شمال الليطاني سيكون “أكبر جريمة ترتكبها الدولة”، وقد يفضي إلى فوضى وربما حرب أهلية، مستدركا أن الحزب لن ينجرّ إلى مواجهة مع الجيش. هنا تحديدا يظهر الفارق بين قراءتين لما بقي من الحزب، فالدولة تفاوض على ما تظن أنه جثة الحزب، والحزب يرفض أن يموت.

ثم جاءت الحرب في 2 مارس/آذار لتقلب المعادلة رأسا على عقب. نسفت إسرائيل الجسور الرئيسية على الليطاني لتفصل الجنوب عن سائر البلاد، وصارت بنت جبيل ميدان قتال بري عنيف. وافق نتنياهو على مفاوضات مباشرة مع لبنان، وحدد هدفها الأول: نزع سلاح حزب الله. وفي 3 يونيو/حزيران خرج بيان مشترك من واشنطن يشترط لوقف النار “توقفا كاملا” لنيران الحزب وإخلاء عناصره من جنوب الليطاني، من دون أن يُلزم إسرائيل بشيء مقابل.

أبلغ الحزب الرئاسة اللبنانية رفضه أي وقف للنار لا يبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية، ووصف قاسم المفاوضات بأنها عبثية ومهينة. ثم وُقّع “اتفاق الإطار” في أواخر الشهر نفسه، وقد نصّ على نزع سلاح الحزب وانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني يبدأ من “مناطق تجريبية”، مع احتفاظ إسرائيل بمنطقتها الأمنية داخل “الخط الأصفر” إلى أن يُنزع سلاح الحزب. وحين أعلنت واشنطن في 20 يوليو/تموز البلدات الثلاث الأولى، تبيّن أن واحدة منها فقط كانت تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، وأعلن مجلس بلدية فرون أن البلدة ليست محتلة أصلا ولا تقع ضمن الخط الأصفر. كانت إسرائيل تنسحب من بلدات لا تحتلها، والدولة تتسلم ما لم يُؤخذ منها.

عدوّك الذي لا يعرفك

يُعتبر فيلم “ثقب في القمر”، (1964) للمخرج الإسرائيلي أوري زوهار، واحدا من أبرز الأفلام التي تعرض العرب من وجهة النظر الإسرائيلية. يبدأ الفيلم سرده بقصة بناء استوديو في قلب الصحراء لتصوير فيلم لمخرجَين إسرائيليين. تدور الأحداث في الاستوديو من خلال تصوير مجموعة من المزارعين الأشكيناز وهم ينشدون الأغاني “الطلائعية” بشكل رتيب، وفجأة، يهجم عليهم عرب يمتطون الخيول خلال حرثهم الأرض.

“تتعاون المؤسسات الإسرائيلية الإعلامية والأيديولوجية والسياسية فيما بينها لإعدام صورة العربي في المخيلة الإسرائيلية ونفي وجوده بالمطلق”

أدى دور العرب في الفيلم ممثلون يهود دهنوا وجوههم بطلاء كالح السواد. “لا وجود لعربي حقيقي في الحياة الإسرائيلية المتخيَّلة”، هكذا أراد أوري زوهار القول. يتابع الفيلم أحداثه، يحتج “ممثلو العرب” بحسب السيناريو أمام مخرجَي الفيلم ويطالبونهما بأداء دور شخصيات صالحة ولو لمرة واحدة. يرفض المخرجان: “هل أنتم مجانين؟ أنتم أشخاص صالحون؟ أنتم عرب”. يستخدم زوهار النيغاتيف (شريط التسجيل الخام) في عرضه العرب، فالعربي شرير وأسود وغير حقيقي ولا وجود له إلا من خلال ممثل يهودي.

مشهد من فيلم ثقب في القمر (IMDb)

تتعاون المؤسسات الإسرائيلية الإعلامية والأيديولوجية والسياسية على إعدام صورة العربي في المخيلة الإسرائيلية ونفي وجوده بالمطلق. وقد وصف أرئيلا أزولاي وعدي أوفير في كتابهما “نظام ليس واحدا” الآليات التي تخفي الفلسطيني عن منظومة الإبصار الإسرائيلية؛ ممارسات وخطابات تؤسس لعمى مقصود. والعمى نفسه يصيب قراءة إسرائيل للمخاطر من الجهة العربية كلها: فكرة أن حزب الله لن يدخل الحرب مجددا بعدما دُمّرت قدراته أواخر 2024 ظلت حاكمة على العقل الإسرائيلي حتى فجر 2 مارس/آذار 2026.

تعود الفكرة بجذورها إلى مقاربة هوياتية في قراءة حزب الله يمكن تلمسها في عدد من أوراق البحث الإسرائيلية، كتلك التي قدمها هيلل فريسك، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان، في كتاب “الحروب الصغيرة للجيش الإسرائيلي”. في مقاربته تلك، يركز فريسك على نقاط ضعف حزب الله وحماس، والإستراتيجية المطلوبة لمواجهتهما. وفيما يخص حزب الله يقول: “على الرغم من محاولة حزب الله الظهور بمظهر حركة إسلامية جامعة، إلا أن هذا ليس صحيحا. إذ تمتلئ مواقع حزب الله الإلكترونية برموز شيعية واضحة، لا مثيل لها في أي موقع عربي (علماني) أو أي موقع جامع، فضلا عن المواقع ذات التوجه السني”.

“يقترح فريسك إستراتيجية الإيلام الأقصى لبيئة حزب الله، كثمن رادع له في أي مواجهة”

ثم يُعرج فريسك بعد ذلك على تفاصيل الثقافة الشيعية اللبنانية، ثم ثقافة حزب الله المجتمعية الحائرة بين هويتين علمانية وإسلامية، وبين هوية تعددية وأخرى مغلقة، ثم يستعرض الديمغرافيا الشيعية في لبنان، ومعدل خصوبة المرأة فيها (بلغ 1.2 لكل امرأة عام 2004، وهو في انخفاض مستمر) ليخلص إلى القول بأن حزب الله كمكوّن لبناني سيتجنّب على الدوام الحروب الصفرية مع إسرائيل، أو أي خصم آخر؛ فهو مسكون بأسئلة الهوية والبقاء كجماعة. وكلما تزاحمت أولوية الجماعة وأولويات الحزب السياسية قدّم الحزب أولوية الجماعة وحفظ وجودها.

من هنا يقترح فريسك إستراتيجية الإيلام الأقصى لبيئة الحزب، كثمن رادع له في أي مواجهة. “يجب على حزب الله أن يحذر على بقاء الشيعة في أي حرب معنا” يقول، وهذا بالضبط ما بدا حاكما على عقل المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل طوال العامين المنصرمين؛ كلفة الحرب هي الرادع الحقيقي لحزب الله عن أي مبادرة.

لكن 2 مارس/آذار كان قد أجاب عن ذلك. فقد دخل حزب الله الحرب ردا على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وعلى اغتيال المرشد علي خامنئي. بمعنى من المعاني، كان الاختبار الذي أعدّه فريسك قد بلغ أقصاه، فأمامنا بيئة أنهكها عامان من الضرب، وقيادة فقدت جيلها الأول، وطريق إمداد مقطوعة، ومرشد مقتول. لو كانت “كلفة الحرب” هي الرادع، لكان ذلك موعد الصمت. فإذا بالحزب يختار الكلام بالنار.

اليوم يتبين للجميع كم كانت خاطئة هذه الفكرة، وأنه رغم أطنان الأبحاث والدراسات فإن إسرائيل لم تفهم عدوها أبدا. فلم يمضِ وقت طويل على اغتيال نصر الله حتى بدأت آلة الخطاب الحزبي تعمل بأقصى طاقتها لتحويله وقودا لدعم “خيار المقاومة”.

“لم يمضِ وقت طويل على اغتيال نصر الله حتى بدأت آلة الخطاب الحزبي تعمل بأقصى طاقتها لتحويله وقودا لدعم خيار المقاومة”

رصد سامويل برش في مجلة منارة التابعة لمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط في أبريل/نيسان 2026 المعالجة الخطابية التي أدارها الحزب بتنسيق لافت في أعقاب الاغتيال: إذ أطّر الحدث دينيا بوصفه “شهادة لا اغتيالا”، ونفى أي شعور بالانقطاع أو الفراغ في القيادة، ثم عرض القدرة التشغيلية دليلا على أن التنظيم لا يزال قائما وفاعلا. وبهذه المعالجة، انتقل نصر الله في الوعي الحزبي من “قائد” إلى “شهيد” لا يُستحضر اسمه للحداد وإنما للتحريض، وكل ذكرى له باتت تنتهي بوعد: “المقاومة مستمرة، والانتصار آتٍ”، حسب ما خلص إليه برش في رصده.

 

ارجع البصر كرتين

بُعيد 2 مارس/آذار ببضعة أيام، وخلال زيارته لمستوطنة مسكاف عام، قال قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي رافي ميلو إن الجيش الإسرائيلي فوجئ بقوة حزب الله وقدرته على التعافي وأن “هناك فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعليا”. كلام ميلو أخذ حيزا واسعا من النقاش خصوصا أن التقديرات بشأن تحييد قوة التنظيم، بعد عملية “سهام الشمال” التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار أواخر عام 2024، كانت متفائلة إلى حد كبير. كلام ميلو أحدث صخبا عاليا في الأوساط المراقبة الإسرائيلية خاصة بعدما ظهر أن ثمة تقديرا خاطئا كان يشوب أروقة قرار المؤسسة الأمنية عشية دخول حزب الله الحرب في 2 مارس/آذار.

المشكلة الرئيسية في سوء التقدير هذا تعود إلى سوء فهم حزب الله وعموم حركات “المقاومة”، فهذه الحركات تنتمي في جانب منها إلى فضاء “اللاحركات الاجتماعية” (وأكرر: في جانب منها فقط). نحن هنا سنحتاج إلى أدبيات آصف بيات لتعريف “اللاحركات الاجتماعية”. فاللاحركات هذه، بحسب بيات، هي جملة من الأنشطة الجماعية التي يقوم بها “فاعلون غير جمعيون”، على أن تتسم أنشطتهم بأربع سمات. الأولى: أنها غير منسقة أو متفق عليها فيما بينهم. الثانية: أنها تنتج تغييرا ما. الثالثة: ألا تكون الأيديولوجيا هي الناظم لأنشطتهم. الرابعة: ألا يُشترط في عملهم وجود قيادة رسمية.

“ثمة تقدير خاطئ كان يشوب أروقة قرار المؤسسة الأمنية عشية دخول حزب الله الحرب في 2 مارس/آذار”

ومع علمنا بأهمية التنظيم ومركزية الهياكل التنظيمية في عمل حزب الله تحديدا، فإن المقاومة ضد الاحتلال هي فعل اجتماعي سابق على أي إطار منظم أو منضبط، وهي أولا وآخرا شبكة من الفواعل المجتمعية غير الدولتية، وغير المنظمة، وإن تَنظَم بعضها هيكليا بجسم أو حزب سياسي.

هذا بالضبط ما تتجاهله إسرائيل في قراءتها لحزب الله، وهذا بالضبط ما يفوت المؤسسة الأمنية في كل مرة تضع الحزب نصب أعينها. لقد ولد حزب الله في البداية حالة مجتمعية غير منظمة ردا على الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ونجح في تجنب الانزلاق إلى كونه تنظيما مغلقا (حيث الأوامر من أعلى إلى أسفل، والمركزية الإدارية والثقافية والإعلامية، وغرف القرار المغلقة)، خاصة على صعيد المقاومة ضد إسرائيل. وربما يكون الاستثناء الأبرز من ذلك هو تورط حزب الله في سوريا، وهو فعل تداخلت فيه الطائفة والأيديولوجيا مع التنظيم واللوجستيات.

هذه الحالة المجتمعية المسيّرة ذاتيا، والتي كان عليها الحزب يوم انطلاقته، هي بالتحديد ما أسعفه يوم تعثر في حرب عام 2024. إذ سريعا ما استعاض الحزب عن شبكة اتصاله التقنية بشبكات أخرى بشرية بعيدة عن التقانة، وسريعا ما صار سلوك الناس نفسه الوسيط الذي يخفي رسائل الحزب ومرسليه.

احتشاد مناصري حزب الله في مكان استهداف نصر الله لإحياء الذكرى الأولى لاغتياله (الجزيرة)

امتصاص الصدمة

في أعقاب موجة الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت قيادة حزب الله خلال خريف 2024، لم يُصدر الحزب تعيينات رسمية أو تصريحات تُعلن عن ترتيبات قيادية جديدة. وبدلا من ذلك، عمد إلى إعادة توزيع المهام على الكوادر الباقية دون الإفصاح العلني عن ذلك.

كشف مقتل القائد العسكري هيثم علي طباطبائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن آلية هذا النهج. فقد تبيّن أن طباطبائي كان يشغل منصب رئيس الأركان بالوكالة منذ وقف إطلاق النار في أواخر 2024، دون أي إعلان رسمي بتعيينه. ويعكس ذلك مقصودة، مستندة إلى ما خلص إليه الحزب من أن الكشف عن هوية القادة وتحديد مناصبهم علنا أتاح للاستخبارات الإسرائيلية تتبّعهم واستهدافهم، بما في ذلك داخل المواقع الأكثر تحصينا.

وينطبق هذا النهج على ملف وفيق صفا، رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب، وإن بصورة أكثر تعقيدا. فصفا يمتلك شبكة علاقات واسعة مع الأجهزة الأمنية اللبنانية والجهات المشرفة على المرافئ والمطارات، فضلا عن صلات بوسطاء إقليميين مرتبطين بملفات الإمداد. وقد أشارت تقارير عدة إلى تقليص صلاحياته وخلافات مع الأمين العام الجديد نعيم قاسم، ووصف بعضها وضعه بأنه إقالة فعلية. غير أن باحثين متخصصين يرون أن ما جرى لا يعني إقصاءه من دوره، بل إعادة تحديد موقعه داخل التنظيم بما يُبعده عن أي كشف أو استهداف محتمل، نظرا لما يحمله من معرفة تشغيلية لا يمكن الاستغناء عنها في مرحلة إعادة التسليح.

إلى جانب هذه الإجراءات التي اتخذها الحزب، كانت الضربات الإسرائيلية نفسها أقل تأثيرا على هيكل الحزب القيادي مما يظهر للوهلة الأولى. تشير الأرقام إلى أن إسرائيل وجهت ثلاثة أرباع عملياتها تقريبا (73.6%) نحو المقاتلين في الرتب الدنيا، بينما لم ينل القادة الكبار سوى 3.5% من الاستهداف، والرتب الوسطى 22.8%. بمعنى آخر، كانت حصيلة الاغتيالات في صفوف المقاتلين العاديين أكثر بـ20 مرة مما طال كبار القيادات. وقد أفضى هذا التركيز إلى تعطيل العمليات اليومية لا أكثر، دون أن يمسّ البنية المؤسسية الأعمق التي يرتكز عليها أي مشروع نهوض حقيقي.

“كانت حصيلة الاغتيالات في صفوف المقاتلين العاديين أكثر بـ20 مرة مما طال كبار القيادات”

أتاح صمود شريحة واسعة من القيادتين الوسطى والعليا للحزب الإمساك بزمام إعادة الهيكلة وتشييد قوته من جديد. فقد واصل المهندسون وخبراء التسليح عملهم داخل دائرة الإنتاج، مسرّعين تطوير طائرات مسيّرة رخيصة يصعب تشويشها، وإرساء خطوط تجميع محلية داخل لبنان على غرار نموذج حماس، في مسار واضح نحو التحرر من سلاسل الإمداد الخارجية الأكثر عرضة للاستهداف.

وعلى الجانب الإيراني، أثبتت طهران قدرتها على التحايل على تضييق طرق الإمداد، فضخّت ما يُقدَّر بمليار دولار خلال العام الأول من وقف إطلاق النار، سُخِّرت لتصنيع الصواريخ واستقطاب المقاتلين وتأمين معيشتهم. وحين ضاقت مسارات التهريب عبر سوريا، وسّع الحزب شبكاته في منطقة المثلث الحدودي بأمريكا اللاتينية، ولجأ إلى العملات المشفرة للإفلات من الحصار المالي الغربي.

نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله (وقتها) يلقي كلمة خلال تشييع القيادي في قوة الرضوان إبراهيم عقيل (الجزيرة)

على صعيد التسلسل القيادي، أظهر القادة الميدانيون الناجون قدرة لافتة على رأب الصدع وإعادة لحمة الوحدات المبعثرة؛ إذ استعادت قوة الرضوان ما يقترب من عددها قبل الحرب بنحو 5 آلاف مقاتل، فيما عكف المسؤولون عن منظومة الصواريخ على صيانة ما تبقى من الترسانة وإدامة استمراريتها القتالية.

ويُرجَّح أن قادة من أمثال محمد حيدر وطلال حمية وخليل حرب تولّوا سدّ الفراغات التي خلّفتها الاغتيالات، وأمسكوا بزمام الجبهة الجنوبية والشرايين اللوجستية، فأبقوا على تماسك القيادة في أحلك لحظات الهشاشة وأشدّها خطورة. “إن محور المقاومة أثبت متانة أكبر مما يُقرّ به كثيرون في الغرب، رغم النكسات الفادحة عام 2024″، بحسب تقرير صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

في فجر 2 مارس/آذار 2026 شنت إسرائيل الغارات الأولى على الضاحية مستهدفة عددا من قيادات الحزب الأساسية (8 قيادات رئيسية، على عدد المباني التي قُصفت). إلا أن أيا من قيادات الحزب لم يصب بأذى في تلك الليلة. لم تكن خيبة إسرائيل ناتجة عن عدم قدرتها على قتل القيادات فحسب، ولا عن عجزها عن تكرار “الصدمة والرعب” التي أنزلتها ضرباتها ما بين 17 و27 سبتمبر/أيلول 2024 ببيئة الحزب، بل عمّا رشح إليها بعيد فشل هذه الضربات مباشرة.

لقد استطاع الحزب تلافي الاختراق الأمني، وتجاوزه، من دون علم إسرائيل ولا أجهزتها الأمنية. ويكفي النظر في طبيعة الاستهداف الإسرائيلي؛ فأن تستهدف إسرائيل فجر الثاني من مارس/آذار 2026 شققا ومنازل محددة ومتباعدة في غضون دقائق، ثم لا تحصد أيا من قيادات المقاومة، هذا يعني أمرا واحدا: أن المعلومات المسربة لإسرائيل عن تلك الشقق والمباني غير محدَّثة أو مضللة بأقل تقدير، وهو دليل إضافي على قدرات الحزب على التكيف السريع مع التحديات الداهمة. وربما أحدثت سلسلة الاستهدافات المضللة تلك قلقا تُرجم في ضعف الزخم الناري الإسرائيلي في العمق اللبناني في الأيام الأولى من الحرب، إذ بدت إسرائيل وكأنها تستطلع بالنار بنك أهدافها، أكثر من كونها تسدد ضربات لمنظومة السيطرة والتحكم في العمق.

في تقييمه لأداء حزب الله في حرب يوليو/تموز 2006، ينقل الباحث الأمريكي مات ماثيوز عن مارك بيري وصف الحزب بأنه قوة صاروخية لها ذراع مشاة صغيرة؛ ترسانة متواضعة ما كانت لتُحدث فرقا أمام الجيش الإسرائيلي. ومع ذلك يقرّ ماثيوز بأن الحزب فرض معادلة لا يُستهان بها، بالطريقة التي استخدم بها ما يملك أكثر مما بحجم ما يملك. وهذه هي ورقة القوة الأولى في الحروب غير المتناظرة: الأضعف يُنفق أقصى ما لديه من نار ليُحدث انتكاسة في الإرادة السياسية لخصمه، والأقوى يُنفق أقصى ما لديه ليُنزل بخصمه وعيا بالهزيمة قبل أن تتآكل إرادته هو.

وعند هذه النقطة بالذات برع حزب الله. لم يكن سلاحه أداة عسكرية في جولاته مع إسرائيل، من “أيام الحساب” (1993) إلى “عناقيد الغضب” (1996) إلى “حرب لبنان الثانية” (2006)، بل أداة سياسية تكسر إرادة إسرائيل في مواصلة المعركة. وهذا ما جعل للغراد والكاتيوشا والكلاشنكوف والعبوات التلفزيونية معانيَ تتجاوز قدرتها النارية بكثير.

البوابة الشرقية

على الحدود الشرقية تغيّر وجه الجار. منذ الأسابيع الأولى للحرب قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن سوريا عززت قواتها على الحدود “احترازيا” لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى أراضيها، ولمنع التنظيمات العابرة للحدود من استخدامها. وفي منتصف يوليو/تموز أعلنت الداخلية السورية إحباط تهريب شحنة أسلحة نوعية عبر الحدود مع العراق قالت إنها في طريقها إلى حزب الله، وهو ما نفاه الحزب. بعدها بأيام وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الحزب بأنه عدو للحكومة السورية، ودعا دمشق إلى تأمين حدودها مع لبنان لمنع نقل الأسلحة إليه. وألمح ترامب مرارا إلى أن دمشق قد تتدخل حيث “فشلت” إسرائيل. غير أن الحكومة السورية أكدت لقادة لبنانيين أكثر من مرة أنها لا تريد مواجهة مباشرة مع الحزب، وأن التدخل في لبنان ليس ضمن مخططاتها. صار الممر المفتوح جدارًا عازلًا إذن.

معبر العريضة الحدودي بين لبنان وسوريا. (سانا)

تعامل الحزب مع الجدار بمنطقين في آن. على الأرض رفع التأهب على امتداد أجزاء من الحدود مع سوريا، وشيّد تحصينات ودشما ومتاريس في نقاط يراها قابلة للاختراق، ونشر عناصره بعيدا عن أي ظهور علني، ساعيا إلى تحويل الجبهة الشرقية من ممر إمداد فقد السيطرة عليه إلى حزام دفاع يحمي البقاع. وفي السياسة قال نعيم قاسم في 4 أغسطس/آب إنه لا مانع من لقاء علني بين الحزب والقيادة السورية في الوقت الذي يراه الطرفان مناسبا. وألمح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى إمكانية التواصل مع الحزب إذا استدعت المصلحة الوطنية ذلك، فيما تحدثت مصادر عن دور تركي في ترتيب تفاهمات أمنية على الحدود. حزب كان يعبر سوريا بلا إذن، صار يطلب موعدا.

ومع ذلك ظل الحزب يحاول استخدام الطريق نفسه. منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 ضبطت السلطات اللبنانية ثلاث شحنات متفجرات كانت تُنقل من شرق البلاد، بينها شاحنة تحمل 250 كيلوغراما من “تي إن تي” و250 كيلوغراما من “سي فور”. تعهد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالحزم مع أي سلاح خارج الشرعية، حيازة ونقلا واستخداما، فردّ النائب حسن فضل الله في 15 أكتوبر/تشرين الأول بأن الشحنة تعود إلى الحزب، وأن استخدامها كان موجها ضد إسرائيل في إقرار علني بأن السلاح ما زال يتحرك.

 

سنعيدها سيرتها الأولى

صبيحة 11 مايو/أيار 2026، نشر مركز ألما الإسرائيلي تقريرا بعنوان: “تهديد طائرات حزب الله المسيّرة المتفجرة بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول”، قال فيه الكاتب إن الجيش اللبناني اعترض في يونيو/حزيران 2025 شحنة طائرات FPV، تضمنت 5 آلاف طائرة (بمدى يصل إلى 50 كلم وحمولة تصل إلى 7 كلغم لكل منها). إلا أن عشرات الشحنات الأخرى وصلت إلى وجهتها دون معرفة عدد الطائرات في كل شحنة. بمعنى من المعاني، كانت إسرائيل تتوقع أن يُدخل حزب الله المحلقات ضمن ترسانة مواجهته. ومع ذلك، لم تعط إسرائيل المسألة أهميتها الاستثنائية لسببين. الأول: أن سلاح المسيّرات والمحلقات سلاح تكتيكي وليس سلاحا إستراتيجيا. الثاني: تفوق إسرائيل الإلكتروني على حزب الله، وقدرتها على التشويش الكامل على هذا النوع من المسيّرات. ما لم تنتبه له إسرائيل هو إمكانية عمل حزب الله بمحلقات ذات ألياف بصرية، بعيدا عن التشويش الإلكتروني، والأسوأ بالنسبة إليها كان طريقة تعاطي حزب الله مع هذا السلاح بنحو يجعل من المشكلة التكتيكية مشكلة إستراتيجية.

في تعليقه على إستراتيجية حزب الله الحالية، قال قائد أركان حزب الله الراحل الحاج أبو علي طباطبائي قبيل الحرب ومقتله بأشهر قليلة إن غاية الردع بالنسبة إليه لا ترتبط بامتلاك القدرة فحسب، بل بعجز الإسرائيلي عن التعاطي مع هذه القدرة. من هنا أسس طباطبائي أساليب مغايرة في الحرب اللامتناظرة. يقول أبو علي لمن يعرفونه إن الأصل في المواجهة لن يكون هذه المرة التصدي للإسرائيليين، بل حرمانهم من السيطرة أو الحسم. وإذا كانت المقاومة قد تدرجت من قبل في استخدام أنماط محددة من الأسلحة، فإن شرط الانتصار في هذه الحرب عدم اعتماد أنماط محددة من المواجهة أو إظهار القدرة.

لم تكتفِ المقاومة بالالتصاق بالتراب عملا بحكمة درويش، بل راحت تنازع العدو سيطرته على السماء عبر تقنية المسيّرات. فطائرات الحزب تُطلَق من العمق اللبناني، بل من داخل مناطق أعلن المحتل السيطرة عليها.

وبذلك انقلب منطق التفوق التقني؛ إذ يرى مركز القدس للدراسات الأمنية أنه إن لم تُسدّ هذه الفجوة، فإن مئات الدولارات ستتغلب على ملايين الدولارات، ويتحول النجاح التكتيكي إلى فشل إستراتيجي.

هذا ليس كلاما نظريا. ففي فجر 2 سبتمبر/أيلول 2026 قال الإسرائيليون إن الحزب أطلق مسيّرتين متفجرتين على جنود إسرائيليين في مرتفعات علي الطاهر، وكان قد فعل الشيء نفسه قبلها بأسبوع. وهي المرتفعات التي أعلن يسرائيل كاتس السيطرة عليها، على بعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود، متوعدا بألا ينسحب الجيش من “المنطقة الأمنية” حتى يُنزع سلاح الحزب. تكرر الأمر في 4 سبتمبر/أيلول وفي 27 منه، وفي كل مرة قال جيش الاحتلال إنه أسقط المسيّرة بلا إصابات ثم ضرب “البنى التحتية” ردا على ذلك. كان الرد الإسرائيلي على المدنيين في القرى، ففي كفر رمان قتلت غارة 12 شخصا، بينهم مسعف وأربع نساء وطفلان، من دون إنذار بالإخلاء. وتحدث مصدر أمني في الجنوب عن تحويل المناطق الملاصقة للخط إلى “منطقة محروقة”، حزام إضافي خلف الحزام.

لم ينفع منطق الأرض المحروقة. في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 نقلت “يديعوت أحرونوت” أن الجيش الإسرائيلي ينتقل في الجنوب إلى وضعية “دفاع أمامي هجومي” ويجهّز مواقعه للشتاء، وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن القوات ستبقى في الجنوب “لسنوات” لأن بنية الحزب ما زالت قائمة جنوب الخط الأصفر. جيش يحفر مواقع الشتاء في أرض قال قبل عامين إنه هزم أصحابها.

في الناقورة لم يعثر أحد على جسد محمد الحداد. ولم يعثر أحد أيضا على الحزب الذي نعاه كاتس في نوفمبر/تشرين الثاني 2024؛ ذلك الحزب الذي تخيلته الاستوديوهات الإسرائيلية بوجه مطلي بالسواد، يُهزم في المشهد الأخير ثم ينتهي الفيلم. فالرجل الذي خرج من صور في قارب، وحده، نحو جبهة قال العالم كله إنها انهارت، لم يكن يحمل خطة لإنقاذ تنظيمه. فهو لم يكن يرى نفسه في المرآة الإسرائيلية أصلا، ولذلك لم يكن يعبأ بما يُقال فيها.

أخطأت إسرائيل مرتين. أخطأت حين ظنت أن النعي الذي بثته قنوات بيروت صبيحة 28 سبتمبر/أيلول كان نعيا لحزب الله لا لـ”العبد الصالح” بحسب وصف بيان الحزب يومها. وأخطأت حين حسبت أن طبقة كاملة من القادة، وخمسة آلاف قتيل، وطريقا مقطوعة من الشام، ثمن يكفي لإقناع بيئة الحزب بأنها قد هُزمت. لقد دُفع الثمن كاملا. ثم جاء فجر 2 مارس/آذار 2026، فسقطت ثماني بنايات في الضاحية على شقق فارغة.

العنقاء في الأسطورة تحترق لتعود. والحزب احترق فعلا؛ خسر أمينه العام ومجلسه الأعلى ورؤساء أركانه، وخسر الطريق البري والطائرات الإيرانية والقرض الحسن. ما لم يحترق هو الشبكة التي لا يراها الطيار من ارتفاع عشرة آلاف قدم: جار يحمل رسالة في جيبه، ومهندس في ورشة بلا اسم يجمّع محلّقة بألياف بصرية بمئات الدولارات لتسقط دبابة بملايين. هذه الشبكة لم تُبنَ بعد اغتيال نصر الله. بُنيت عام 1982، يوم لم يكن ثمة حزب بعد، وكان ثمة ناس في الجنوب قرروا أن الجيش الغازي لن يبيت ليلته هادئا.

لذلك لا معنى للسؤال الذي يكرره الإسرائيليون كل صباح: كم بقي من صواريخ الحزب؟ السؤال الذي لم يطرحوه قط، ولن تجيب عنه طائرات الاستطلاع ولا تقارير مركز ألما، هو: كم بقي في الجنوب من محمد الحداد؟ رسم الرجل على خريطته الأعمال التسعة لجيش كامل وهو وحيد على الساحل. نظر الإسرائيليون إلى الخريطة نفسها فرأوا رجلا واحدا. كلاهما كان على حق. وهذا ما لا تحتمله إسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks