روكب اليوم
Published On 3/9/2026
الدوحة – تمثل بداية العام الدراسي مرحلة انتقالية تحتاج إلى بعض الوقت للتأقلم، وقد تكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأطفال ذوي التوحد، بسبب ما يصاحبها من تغيرات في الروتين، ومؤثرات حسية جديدة، ومتطلبات اجتماعية مختلفة. ويمكن الحد من هذه الصعوبات من خلال الاستعداد التدريجي، ووضع روتين يومي واضح يمكن توقعه، وتعزيز التنسيق المستمر بين الأسرة والمدرسة.
وتوضح الدكتورة هنادي المطيري، طبيبة زمالة في طب الأطفال التطوري النمائي في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر، أن الروتين يمكن تعديله تدريجيا بما يتناسب مع احتياجات كل طفل، قائلة: “يمنح الروتين والقدرة على توقع الأمور شعورا بالراحة والاستقرار لدى فئة كبيرة من الأطفال ذوي التوحد”.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listتؤكد الدكتورة هنادي أهمية الحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم قدر الإمكان. وإذا كان الطفل يواجه صعوبة في اتباع الروتين الصباحي، فيمكن تقسيمه إلى خطوات أسهل وأبسط، بحيث تبدو مألوفة له.
وتضيف: “يمكن للأسرة التحدث مع الطفل عن تفاصيل يومه الدراسي، وعرض صور المدرسة والفصل والمعلم عليه، أو استخدام جدول مرئي بسيط أو قصة اجتماعية. كما يساعد إشراكه في تجهيز زيه المدرسي أو حقيبته أو وجبته على تعزيز شعوره بالاستعداد، وجعل روتينه اليومي أكثر وضوحا وسهولة”.
الاحتياجات الحسية داخل المدرسة
تلفت أماني سهيل، أخصائية التوحد في أكاديمية ريناد، التابعة للتعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، إلى أن تهيئة الطفل للعودة إلى المدرسة لا تقتصر على تنظيم مواعيد النوم والدراسة، بل تشمل أيضا الانتباه إلى حساسيته تجاه البيئة المحيطة.
وتوضح أن المدرسة قد تعرض الطفل لعدد كبير من المؤثرات في وقت واحد، مثل الضوضاء، والإضاءة القوية، والروائح الحادة، وملمس بعض الملابس والأقمشة. لذلك، تنصح الأسرة بمراقبة ردود فعله تجاه هذه المؤثرات والتنسيق مع المدرسة لتوفير ما يلائمه من وسائل الدعم، مثل السماعات العازلة للضوضاء، والأدوات الحسية، وفترات الحركة والراحة، ومكان هادئ يمكنه اللجوء إليه، بالإضافة إلى منحه وقتا كافيا للانتقال من نشاط إلى آخر.
وتابعت: “يمكن للتعاون الوثيق بين المنزل والمدرسة أن يحدث فرقا كبيرا، لا سيما من خلال تبادل الملاحظات حول سلوك الطفل واحتياجاته في الفصل الدراسي”.
يساعد توفير بيئة مدرسية يمكن للأطفال توقعها مسبقا على زيادة شعورهم بالاستقرار، ويمكن للمعلمين تحقيق ذلك من خلال استخدام الجداول المرئية، وتقديم تعليمات بسيطة وواضحة، والحفاظ على روتين ثابت، والتنبيه مسبقا بشأن أي تغيير في الأنشطة. وفي المقابل، يمكن لأولياء الأمور تزويد المعلمين مسبقا بمعلومات عن أطفالهم، مثل اهتماماتهم، وطرق التواصل التي يفضلونها، وما قد يحفزهم أو يهدئهم، وأي تغييرات قد تطرأ في المنزل”.
حين يتحول السلوك إلى رسالة
وأشارت الدكتورة هنادي إلى أن سلوك الطفل قد يكون أحيانا وسيلته للتعبير عن مشاعره، خاصة عندما يجد صعوبة في التعبير عنها بالكلمات، بقولها: “قد تظهر إشارات تدل على تعرض الطفل للضغط بطرق مختلفة، منها زيادة العصبية أو نوبات الغضب، والانطواء، وتغيرات في النوم أو الشهية، أو تكرار بعض السلوكيات وتزايد ردود الفعل تجاه المؤثرات الحسية. وقد يعاني الطفل أيضا من أعراض جسدية مثل الصداع أو آلام المعدة، أو يجد صعوبة أكبر في الانفصال عن مقدمي الرعاية. وفي بعض الحالات، قد يبدو الطفل متكيفا طوال اليوم الدراسي، ثم يصبح أكثر انفعالا أو اضطرابا عند عودته إلى المنزل”.
تدعو الدكتورة هنادي الأسرة إلى التعامل مع التغيرات في سلوك الطفل باعتبارها رسائل تستدعي الانتباه لها وفهمها، وتقول: “بدلا من التفكير في كيفية إيقاف السلوك، لنسأل أنفسنا: ما الذي يحاول طفلنا أن يخبرنا به؟ قد يساعدنا تغيير طريقة تفكيرنا هذه على فهم احتياجات الطفل بشكل أفضل”.
التكيف يحتاج إلى وقت وصبر
وتذكر أماني سهيل الأسر بأن التكيف مع العام الدراسي الجديد قد يستغرق بعض الوقت، وتقول: “تعتبر العودة إلى المدرسة مرحلة انتقالية للأسرة بأكملها، لذلك تحلوا بالصبر مع أنفسكم ومع أطفالكم. قد تكون بعض الفترات الصباحية أكثر صعوبة من غيرها، وربما تصدر عن أطفالكم ردود فعل غير متوقعة، أو قد تسير بعض الأيام على نحو مختلف عما خططنا له. تعاملوا مع كل يوم على حدة، وأجروا التعديلات اللازمة عند الحاجة، واطلبوا الدعم، واحتفلوا بكل تقدم يحققه الطفل”.
وخلصت أماني إلى القول: “لا يقتصر الهدف على مساعدة الطالب ذي التوحد على التكيف مع البيئة المدرسية، بل على تهيئة بيئة يشعر فيها بالأمان والتفهم والاحتواء والدعم، ويكون مستعدا للتعلم. فلكل طفل احتياجاته وطريقته الخاصة، وما ينجح مع طفل قد لا يناسب آخر، وهذا أمر طبيعي”.