كيف صنعت أمريكا المافيا؟ |



روكب اليوم

يرى مؤرخ أمريكي أن الولايات المتحدة الأمريكية  لعبت دورا محوريا في تشكيل مفهوم “المافيا” نفسه وتحويله إلى ظاهرة عالمية تجاوزت حدود إيطاليا وأمريكا، رغم أنها في الوقت ذاته ساهمت في مكافحة الجريمة المنظمة وملاحقة المافيا خلال القرن العشرين.

وفي مقال بصحيفة فورين بوليسي بعنوان “كيف صنعت أمريكا المافيا”، يوضح رايان جينجيراس، أستاذ الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، أن صورة المافيا المتداولة عالميا اليوم ليست نتاج التجربة الإيطالية في جزيرة صقلية وحدها، بل هي إلى حد كبير نتاج التجربة الأمريكية السياسية والثقافية والإعلامية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى التأثير الهائل الذي تركته سلسلة أفلام “العرّاب” للمخرج فرانسيس فورد كوبولا في تشكيل الوعي الشعبي حول الجريمة المنظمة. فرغم تأكيد كوبولا أن أفلامه لم تكن وثائق تاريخية عن زعماء المافيا، بل “قصة عن طبيعة السلطة والرأسمالية في الولايات المتحدة”، فإنها ساهمت في ترسيخ صورة محددة للمافيا أصبحت مرجعا عالميا.

من صقلية إلى أمريكا

ويعود جينجيراس إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأت الصحافة الأمريكية تتحدث عن “المافيا” باعتبارها منظمة سرية نشأت في جزيرة صقلية الإيطالية.

وشهدت مدينة نيو أورلينز عام 1891 أول فضيحة كبرى مرتبطة بالمافيا، بعدما أقدم حشد غاضب على قتل 11 مهاجرا إيطاليا اتُّهموا بالضلوع في اغتيال قائد الشرطة المحلية.

ويقول الكاتب إن هذه الحادثة غذّت المخاوف من أن المهاجرين الأوروبيين يجلبون معهم ثقافات الجريمة والمؤامرات السياسية، لكن تلك المخاوف لم تتحول آنذاك إلى دليل على وجود شبكة إجرامية واسعة.

غير أن الأمور تغيرت جذريا مع فترة حظر الكحول في عشرينيات القرن الماضي، حين أدى الطلب الهائل على المشروبات الكحولية إلى ظهور شبكات تهريب واسعة النطاق ربطت الأسواق الأمريكية بمصادر خارجية للإمداد.

وفي تلك المرحلة برزت أسماء مثل آل كابوني و”لاكي” لوتشيانو وغيرهما من زعماء العصابات الذين أسسوا تنظيمات أكثر استقرارا وتماسكا، مستلهمين في بعض الأحيان تقاليد المافيا الصقلية، لكن ضمن بيئة أمريكية مختلفة.

ويرى الكاتب أن المافيا الأمريكية لم تكتفِ بالسيطرة على أنشطة محلية مثل القمار والابتزاز، بل بنت شبكات دولية واسعة، حيث استثمر رجال عصابات أمريكيون في كازينوهات هافانا الكوبية، وأقاموا شراكات مع مهربي المخدرات في المكسيك وأوروبا.

واشنطن والحرب على الجريمة

لكن المفارقة، بحسب الكاتب، أن الولايات المتحدة ساهمت في الوقت نفسه في بناء النظام العالمي لمكافحة الجريمة المنظمة.

فمع توسع النفوذ الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت واشنطن تضغط على الحكومات الأجنبية لاعتماد سياسات مشابهة لمكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود.

وأنشأت الولايات المتحدة أجهزة متخصصة لملاحقة تجارة المخدرات، كما دفعت لاحقا نحو تشريعات دولية تستهدف غسيل الأموال والجريمة المنظمة.

ويعتبر جينجيراس أن هذه الجهود بلغت ذروتها عام 2000 عندما وقعت 120 دولة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية في بلدة كورليوني الإيطالية، مسقط رأس الشخصية الخيالية الشهيرة في فيلم “العرّاب”.

صناعة الصورة العالمية للمافيا

ويؤكد الكاتب أن التأثير الأمريكي لم يقتصر على السياسات الأمنية، بل امتد إلى تشكيل اللغة والثقافة المرتبطة بالجريمة المنظمة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ساهمت تحقيقات الكونغرس الأمريكي وشهادة رجل المافيا الشهير جو فالاشي في نشر مفاهيم مثل “كوزا نوسترا” وشرح البنية التنظيمية لعائلات المافيا الأمريكية.

وأصبحت هذه الروايات أساسا لكتاب “أوراق فالاشي” الذي استلهم منه الكاتب ماريو بوزو روايته الشهيرة “العرّاب”، قبل أن يحولها كوبولا إلى أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما.

ومنذ ذلك الحين، انتشرت مفردات مثل “العراب” و”المافيا” و”كوزا نوسترا” في مختلف أنحاء العالم، حتى باتت جماعات إجرامية في فرنسا والمكسيك وتركيا وروسيا واليابان تتبنى هذه التسميات أو تستعير رموزها الثقافية.

ويخلص جينجيراس إلى أن أمريكا لم تصنع المافيا بمعناها التاريخي المباشر، لكنها أسهمت أكثر من أي دولة أخرى في تحويلها إلى نموذج عالمي للجريمة المنظمة، سواء عبر الهجرة والاقتصاد والجريمة، أو عبر الإعلام والسينما والسياسات الدولية، لتصبح “المافيا” كما يعرفها العالم اليوم ظاهرة تحمل بصمة أمريكية بقدر ما تحمل جذورا إيطالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks