لأول مرة منذ عقود.. كيف فككت غزة هيمنة السردية الإسرائيلية على الغرب؟ |


روكب اليوم

تتداعى عقود مديدة من الهيمنة المطلقة للسردية الإسرائيلية على العقل الجمعي الغربي تحت وطأة مشاهد حرب “الإبادة الجماعية” المتواصلة في قطاع غزة؛ فبينما تحاول النخب السياسية الرسمية في العواصم الغربية التمسك بحسابات التحالفات التقليدية، تكشف استطلاعات الرأي العام الأحدث في مراكز التأثير الغربي عن تحولات قيمية غير مسبوقة في بوصلة الشعوب.

فقد بلغت معدلات التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين قممًا غير مسبوقة في مؤشرات هذه الاستبيانات، مع تراجع النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل إلى أدنى مستوياتها في التاريخ المعاصر، بل حتى أن أغلبيات صلبة جزمت بأن ما يرتكبه جيش الاحتلال في غزة إنما هو “جريمة إبادة جماعية” مكتملة الأركان.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ولم تعد هذه المشاعر حبيسة استبيانات الرأي أو فضاءات الانفعال المؤقت، بل تُرجمت على أرض الواقع إلى حراك شعبي جارف وثّق أكثر من 68 ألف مظاهرة وفعالية تضامنية اجتاحت ما يزيد على 800 مدينة في عموم القارة الأوروبية على مدى 3 سنوات منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر تشررين الأول 2023.

وتُوج ذلك باختراق ديمقراطي غير مسبوق تجسد في عريضة رسمية تحت مظلة البرلمان الأوروبي حصدت نحو 1.3 مليون توقيع لمواطنين أوروبيين، مطالبين مؤسسات الاتحاد بالقطع الفوري لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل ومحاسبتها على انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي.

ويثير هذا المشهد سجالا واسعا بين الخبراء والباحثين في الشؤون الدولية وبحوث الرأي العام؛ إذ يرى فريق أن العالم يشهد تحولا بنيويا عميقا طويل الأمد، ويقوده وعي شبابي مستقل أسقط فاعلية ماكينة الدعاية الإسرائيلية وتهم “معاداة السامية”، وبما يحول القضية الفلسطينية من مجرد ملف سياسي خارجي إلى قضية حقوق إنسانية كونية تماثل نضال عمليات التحرر الوطني ومناهضة الفصل العنصري.

وينبه فريق آخر إلى ضرورة قراءة هذه المؤشرات بحذر شديد، إذ يذهب هذا الفريق إلى أن الرفض الشعبي الواسع لإسرائيل اليوم يعد مدفوعا في جوهره بالصدمة الوجدانية من هول المشاهد الوحشية وتدمير المدن وإقحام الغرب في تبعات حروب إقليمية بالمنطقة. وحسب رأيهم، فإن هذا لا يعكس بالضرورة وعيا تاريخيا بجذور النكبة والمظلومية الفلسطينية، وهو ما يبقي الباب مفتوحا أمام محاولات إسرائيلية مستقبلية لتبييض صورتها ما لم يتحول هذا الغضب إلى وعي مستدام.

فإلى أي مدى تعكس هذه الأرقام تحولا بنيويا لا رجعة فيه في الوعي الجمعي الغربي؟ وكيف تمكّن الشارع من عزل نخبته الحاكمة وإجبارها على مواجهة أزمة المعايير المزدوجة؟ وهل تنجح الأجيال الصاعدة في ترجمة هذا التحول الشعبي الهادر إلى سياسات رسمية تعيد رسم خارطة العلاقات الدولية مع دولة الاحتلال؟

مفاجأة الشمال الأوروبي

وفي شمال القارة الأوروبية، حيث اتسم الخطاب الرسمي لعقود بالحذر الدبلوماسي الشديد والاصطفاف خلف الموقف الغربي العام، أحدث الشارع الدانماركي مفاجأة للأوساط السياسية؛ إذ لم يعد المواطن هناك ينتظر البيروقراطية القضائية لمؤسسات لاهاي ليحسم موقفه الأخلاقي، بل جزم الرأي العام بأن ما ترتكبه آلة الحرب الإسرائيلية في غزة يمثل “جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان”.

ويبرهن استطلاع معهد “فيريان” في الدانمارك -الذي نشر الأسبوع الماضي- على هذا الانكسار العميق؛ حيث أكد 60% من الدانماركيين أن إسرائيل ترتكب “إبادة جماعية” في غزة، في مقابل 13% فقط يرفضون هذا التوصيف، في حين انقسم نصف ناخبي أحزاب اليمين ويمين الوسط لتبني الإدانة ذاتها، مما أسقط فرضية حصر التضامن مع فلسطين في الدوائر اليسارية أو أوساط المهاجرين.

وتفسر مديرة التحرير في منصة “نبض النكبة” الدانماركية ديت نوير هذا التحول الكبير بكونه خروجا تاريخيا للقضية الفلسطينية من قوالب “النزاع السياسي الإقليمي” نحو فضاء “العدالة الكونية وحقوق الإنسان”.

وفي تصريحات للجزيرة نت، ترى نوير أن العقود الماضية شهدت احتكارا لرواية أحادية في الإعلام الدانماركي تبرر ممارسات الاحتلال بذريعة “الدفاع عن النفس”، غير أن البث الميداني المباشر على مدى 3 سنوات من الفظائع أسقط هذا الستار، وجعل المواطن العادي يربط بصورة واعية بين ما يراه من تدمير ممنهج وبين الجذور التاريخية للمأساة الممتدة منذ نكبة 1948، لتبدأ تساؤلات جدية في الأوساط الشعبية حول شرعية الاحتلال والاستيطان، متجاوزة السردية التبريرية التي تمسكت بها النخب الحاكمة.

ويتقاطع هذا التشخيص مع رؤية الطبيب والناشط النرويجي الدكتور مادس غيلبرت، الذي عايش العدوان الإسرائيلي عبر 4 عقود داخل مستشفيات غزة ولبنان؛ إذ يؤكد أن العقل الجمعي في الدول الإسكندنافية -التي طالما تأثرت بعقدة الذنب التاريخية الأوروبية ورومانسية “الواحة الديمقراطية” المزعومة- استيقظ على واقع مروع لا يمكن تجميله.

ويشدد غيلبرت -في تصريحات للجزيرة نت- على أن استهداف المستشفيات الممنهج، وإعدام الكوادر الطبية بدم بارد، وتجويع مئات آلاف الأطفال” نسف الركائز الأخلاقية التي قامت عليها “البروباغندا الإسرائيلية”، محولا إسرائيل في الوجدان الإسكندنافي “من شريك غربي إلى كيان استعماري منبوذ يمارس الفصل العنصري على مرأى ومسمع من العالم”.

الحصن الأمريكي يتصدع

ويمتد هذا الانكسار القيمي إلى معقل الحصانة الإستراتيجية لإسرائيل؛ ففي واشنطن التي ظلت عقودا الملاذ السياسي والمالي والعسكري المطلق لدولة الاحتلال؛ تفيد مؤشرات مراكز قياس الرأي العام الكبرى بتآكل الإجماع الحزبي حول دعم تل أبيب، تزامنا مع ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، مما عمق الشعور الداخلي بفداحة التواطؤ.

وتجسد بيانات مؤسسة “غالوب” هذا المنعطف التاريخي؛ إذ تقدم التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين لأول مرة ليصل إلى 41% مقابل 36% للإسرائيليين، في انقلاب تام لموازين ما قبل الحرب حين كانت إسرائيل تحظى بتأييد 54% مقابل 31% لفلسطين.

وبلغ هذا التحول ذروته بين ناخبي الحزب الديمقراطي الذين انحاز 65% منهم لصالح الجانب الفلسطيني، بينما التحق المستقلون بالاتجاه ذاته، وسجلت شريحة الشباب الأمريكي (بين 18 و34 عاما) عزوفا غير مسبوق عن تأييد إسرائيل ليتراجع إلى مستوى تاريخي لم يتجاوز 23%.

من جانبه، يضع الدكتور منقذ داغر مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة غالوب الدولية والمنظمة العالمية لبحوث الرأي العام هذه الأرقام في إطار “الانفجار الجيلي الديموغرافي” الذي يضرب بنية السياسة الأمريكية؛ مبينا أن الأجيال الشابة التي قادت الحراك الجامعي ورفضت سياسات واشنطن لا تستقي معلوماتها من القنوات التلفزيونية التقليدية الخاضعة لنفوذ جماعات الضغط (اللوبي الإسرائيلي)، بل تعتمد على الفضاءات الرقمية المفتوحة والتواصل العابر للقوميات.

ويوضح داغر -في تصريحاته للجزيرة نت- أن هذه الفئة باتت تربط النضال الفلسطيني بقضايا العدالة العرقية ومناهضة القمع الهيكلي في الداخل الأمريكي، مؤكدا أنه رغم بقاء الاقتصاد والهم الداخلي في صدارة دوافع التصويت، فإن التآكل العميق في الدعم الشعبي لإسرائيل يضع صانع القرار في البيت الأبيض -لا سيما في ظل التناقضات المتصاعدة داخل الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس دونالد ترمب حيال جدوى الإنفاق العسكري الخارجي- أمام قيود إستراتيجية تحرم إسرائيل تدريجيا من “الشيك المفتوح على بياض”.

وهنا يستحضر الدكتور مادس غيلبرت محطة مفصلية في التاريخ الأمريكي، مؤكدا أن ما يشهده العالم اليوم هو “لحظة فيتنام جديدة بكل المقاييس”؛ حيث يرى غيلبرت أن “الشعب الفلسطيني بات يمثل فيتناميي العصر الحديث في ملحمة صمودهم ضد آخر قلاع الاستعمار الاستيطاني.

ويضيف الطبيب النرويجي أن الحراك الشعبي والأكاديمي والمهني المتصاعد في الولايات المتحدة يعد القوة التاريخية القادرة على تفكيك شبكة “الدعم الأعمى” لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، بعدما أسقطت غزة فزاعة معاداة السامية التي استخدمت طويلا لإرهاب الأصوات الحرة.

إيطاليا والعمق الأوروبي

وفي الساحة الإيطالية وعموم الجنوب الغربي للقارة الأوروبية، لم تعد المشاعر الجماهيرية تقتصر على التعاطف الإنساني المجرد، بل انتقلت بخطوات متقدمة نحو المطالبة بمعاقبة إسرائيل فعليا، كاشفة عمق الفجوة بين المزاج الشعبي وبين التردد الدبلوماسي للنخب الحاكمة.

فقد أظهرت استطلاعات معهد “يوميترا” في إيطاليا أن أغلبية مطلقة تتجاوز 51% من الإيطاليين تطالب بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية فورية على تل أبيب، كما أكد مركز “بيو” أن 3 أرباع الشعب الإيطالي (75%) ينظرون بسلبية بالغة إلى إسرائيل.

ويلتقي هذا التحول الشعبي مع جبهة دولية صلبة تقودها شخصيات عدة كسرت الصمت الدبلوماسي ودعت لعزل إسرائيل ومعاقبتها؛ بدءا من المرافعة التاريخية لجمهورية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، مرورا بالموقف الصارم لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي طالب بوقف تصدير الأسلحة ومراجعة اتفاقيات التجارة، وصولا إلى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي واجه الإبادة بتصريحات حاسمة وضعت المجتمع الدولي أمام حقيقة جرائم الحرب الإسرائيلية.

ويوضح الباحث والمختص في العلاقات الدولية محمد شحاتة أن الرفض الأوروبي الشعبي المتعاظم لإسرائيل يتغذى على عوامل هيكلية متراكمة تجاوزت حدود الملف الفلسطيني:

استنزاف الأمن الأوروبي: شعور المواطن الغربي بأن حكومات اليمين المتطرف في إسرائيل تجر القارة إلى حروب إقليمية طاحنة تفاقم أزمات الطاقة وتثقل كاهل معيشته.انتهاك السيادة الوطنية: تورط أجهزة الاحتلال الإسرائيلي في فضائح التجسس عبر برنامج “بيغاسوس” الذي استهدف هواتف مسؤولين وصحفيين في إسبانيا وبولندا والمجر، فضلا عن التدخل في انتخابات سلوفاكيا.صورة “العصابة المارقة”: اقتران اسم إسرائيل في المخيلة الشعبية بفضائح الفساد وشبكات النفوذ المشبوهة، وتحولها في الذهنية الغربية من صفة “الدولة الحليفة” إلى سلوك التنظيمات الخارجة عن القانون الدولي.

ويعضد الدكتور غيلبرت هذه المقاربة بالإشارة إلى الانهيار الكامل لصدقية “النظام الدولي القائم على القواعد”؛ معتبرا أن مواطني إيطاليا وفرنسا وألمانيا باتوا يرون بأعينهم ازدواجية المعايير الفاضحة بين التعبئة الفورية للغرب لصالح أوكرانيا في مواجهة روسيا، وبين التواطؤ المخزي وتمرير جرائم الإبادة حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني، مما جعل الدفاع عن غزة دفاعا مباشرا عن المنظومة الأخلاقية للشعوب الأوروبية نفسها في مواجهة نفاق قادتها.

هل يصمد الوعي الغربي؟

وتفتح هذه التحولات الباب أمام سجال فكري بين الخبراء حول طبيعة هذا التحول: فهل بات الوعي الغربي يمتلك مناعة بنيوية راسخة تدرك جذور الصراع، أم أننا أمام ارتدادات انفعالية تفرضها وحشية المشاهد الدموية؟

ومن الدانمارك، يطرح الباحث شحاتة قراءة نقدية دقيقة تحذر من الإفراط في الاطمئنان؛ مبينا أن فظاعة القتل في غزة لم يسبق لها مثيل في الصراعات الحديثة سوى في محطات كبرى مثل سريبرينيتسا ورواندا، وهو ما أيقظ “الكوابيس الدفينة” في الذاكرة الجمعية الأوروبية المسترجعة لويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، من قبيل محو المدن، وهياكل التجويع البشرية، والتهجير القسري.

بيد أن شحاتة يستدرك على هذا بأن المعضلة الجوهرية تكمن في:

  • الرفض الشعبي الواسع لجرائم الحرب، كما هي الحال في ألمانيا حيث تستشعر أغلبية كبيرة الحرج البالغ من استخدام السلاح الألماني في غزة، وهذا لا يرافقه بالضرورة فهم تاريخي عميق لجذور القضية الفلسطينية وجريمة النكبة المستمرة منذ عام 1948.
  • بقاء التعاطف أسيرا للصدمة البصرية اللحظية يمنح ماكينة الدعاية الإسرائيلية فرصة استعادة توازنها والبدء في حملات “تبييض السمعة” وإعادة ترميم الصورة فور توقف العمليات العسكرية الكبرى.

وفي المقابل، يرى الدكتور منقذ داغر أن التحول -وإن كان بطيئا في تحولاته التشريعية بسبب سيطرة الملفات المعيشية على صناديق الاقتراع- يحمل سمة التراكم البنيوي الحتمي؛ مستدلا بالتجربة البريطانية في انتخابات عام 2024، حين امتنع أكثر من نصف الناخبين الذين قاطعوا حزب العمال عن التصويت احتجاجا على الموقف من حرب غزة، وارتفعت هذه النسبة لتتجاوز 66% (الثلثين) في أوساط فئة الشباب دون سن 35.

وينبه داغر إلى معادلة محورية في علم استطلاعات الرأي مفادها أن “خسارة إسرائيل رصيدها التاريخي لا تعني بالضرورة كسبا تلقائيا وكاملا لصالح الرواية الفلسطينية؛ فالسرديات الدعائية القديمة لا تزال تمتلك هوامش مناورة، مما يفرض على الخطاب الفلسطيني والعربي استثمار هذا التصدع لبناء سردية معرفية دائمة تملأ الفراغ”.

وبين الرأيين السابقين، تؤكد مسؤولة التحرير في موقع “نبض النكبة الدانماركي” أن جسر الهوة بين الصدمة النفسية والوعي السياسي يجري تشييده بالفعل على الأرض، وتشير بذلك إلى أن تضافر جهود الإعلام البديل والناشطين المستقلين في أوروبا، مما أسهم في إعادة تثقيف الجمهور الغربي، حيث بدأ المواطنون يربطون بين هدم المنازل اليوم وبين مأساة التهجير المستمرة منذ عقود، مما حوّل التضامن إلى قناعة فكرية يصعب تدجينها أو محوها بحملات العلاقات العامة.

وأما الناشط الإنساني مادس غيلبرت فيجزم بأن منظومة “الهاسبارا” (الدعاية الإسرائيلية) قد تلقت ضربة قاصمة لا شفاء منها؛ موضحا أن “السردية الإسرائيلية كانت تتغذى على التعتيم واحتكار منابر الإعلام والترهيب الفكري، غير أن كاميرات الهواتف النقالة وصمود الطواقم الطبية والصحفيين في غزة نقلوا الحقيقة عارية إلى مليارات البشر، مما أسقط أسطورة الضحية التي تسترت خلفها إسرائيل لعقود “.

68 ألف فعالية

ولم تكن المؤشرات الإحصائية السابقة سوى أحد المؤشرات عن التغييرات البنيوية في الوعي الجمعي الغربي، وهذا ما أكدته مشاركة ملايين الأوروبيين في آلاف المظاهرات التي اجتاحت القارة الأوروبية دون انقطاع على مدى 3 سنوات كاملة.

ويكشف ما وثقه المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام عن تسجيل أكثر من 68 ألف فعالية تضامنية، شملت عشرات الآلاف من المظاهرات الحاشدة والاعتصامات الطلابية والوقفات الاحتجاجية في أكثر من 800 مدينة عبر 30 دولة أوروبية، تصدرت مسيراتها ساحات إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا والدانمارك.

وقد نجح هذا الضغط الشعبي في الانتقال من شوارع العواصم إلى اختراق المؤسسات التشريعية للاتحاد الأوروبي؛ حيث حققت مبادرة المواطنين الأوروبيين الداعية إلى التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل إنجازا تاريخيا بجمع نحو 1.3 مليون توقيع من مواطني الاتحاد، متجاوزة النصاب القانوني المطلوب في ضعف عدد الدول التي يشترطها القانون الأوروبي، مع تسجيل أرقام قياسية في دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا.

ويضع هذا الاختراق الشعبي، وفق ما يؤكده القائمون على المبادرة في المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية، المفوضية والبرلمان الأوروبيين أمام استحقاق قانوني ودستوري لا مناص منه؛ فالمادة الثانية من اتفاقية الشراكة تشترط صراحة احترام حقوق الإنسان كأساس للتعاون، واستمرار التجاهل الرسمي لمطالب 1.3 مليون مواطن ينسف المبادئ الديمقراطية التي يرتكز عليها الاتحاد ويكرس فضيحة ازدواجية المعايير أمام شعوب العالم.

والخلاصة التي تؤكدها استطلاعات الرأي والحراك الميداني المتنامي في عموم الدول الغربية أن حرب الإبادة في غزة قد شكلت نقطة مفصلية في طبيعة علاقة المجتمعات الغربية بإسرائيل؛ إذ هوت مسلمات التفوق الأخلاقي والحصانة الدبلوماسية، وبرز جيل جديد يرى في فلسطين قضية تحرر وطني ومحكا لضمير الإنسانية، مطالبا بفرض العقوبات وقطع اتفاقيات الشراكة.

وحسب الخبراء في تصريحاتهم للجزيرة نت، فما ترال هناك بيروقراطية سياسية حاكمة في الغرب، وما زالت تحاول المماطلة حفاظا على توازنات اقتصادية وتداعيات سياسية، لكن اتساع الهوة بين الشارع ومراكز القرار ينبئ بتحولات سياسية وانتخابية حتمية قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks