نوبل للطب 2026.. ماذا لو تمكن ابن سينا من التحكم في دماغك؟ | علوم


روكب اليوم

في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، تنقل ابن سينا، الملقب بالشيخ الرئيس، بين بخارى وجرجان والري وهمذان وأصفهان. وفي تلك الأثناء رسم، في كتابيه الكبيرين “القانون في الطب” و”الشفاء”، واحدة من أجرأ خرائط العقل البشري في عصره. لم يملك بالطبع مجهرا ومشرطا، فاستعان بإرث جالينوس ومن جاء بعده من أطباء العصور المتأخرة، وبفلسفة أرسطو، وبملاحظاته على مرضى أصيبت أدمغتهم، وتخيل الدماغ قصرا من ثلاث غرف أو تجاويف.

وبحسب ابن سينا، فإن الحس المشترك كان يقيم في الغرفة الأمامية حيث تلتقي الحواس الخمس، ومعه الخيال الذي يحتفظ بالصور بعد غياب أصحابها. وفي الغرفة الوسطى تعمل القوة المفكرة، التي تركب الصور في دماغنا وتفصلها أي إنها تستطيع أن تؤلف بين صور لم تجتمع في الحس المباشر، وأخيرا في الغرفة الخلفية تسكن الحافظة أو الذاكرة، وهي خزانة المعاني. ومن أجمل ما في هذه الخريطة قوة أطلق ابن سينا عليها اسما عجيبا هو “الوهم”، ووضعها في آخر الغرفة الوسطى. ضرب لها مثلا غاية في الذكاء صار من أشهر أمثلة الفلسفة في ذلك العصر: الشاة ترى الذئب فتهرب منه، مع أن أحدا لم يعلمها أنه عدوها، فكيف عرفت ذلك؟ لا بدّ أن هناك “قوة باطنة” ألهمتها.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

كان ابن سينا، بلغة عصره، يصف ما يسميه علماء الأعصاب اليوم الخوف الفطري، الذي يتتبعون دوائره العصبية خلية خلية. وبعد أكثر من ألف عام لا يزال سؤاله قائما، لكن بصيغة أدق بكثير، حيث لم يعد العلماء يسألون أي غرفة تسكنها الذاكرة، بل أي خلية بعينها تحفظ ذكرى بعينها، وأيها تصنع الخوف أو الفرح، بل وأكثر من ذلك، بات العلماء قادرين -على الأقل نظريا- على التحكم في تلك الخلايا.

إنها سلسلة من التطورات، لو اطلع عليها ابن سينا لاندهش، وربما ارتعد خوفا من هذه القدرة العجيبة، وربما قال في نفسه: أي قوة سأمتلك، لو استطعت التحكم في أدمغة البشر؟

قرن ونصف من الصور الضبابية

ما سبق، كان جوهر إعلان جمعية نوبل في معهد كارولينسكا، منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026 إلى كل من كارل دايسروث من جامعة ستانفورد ومعهد هوارد هيوز الطبي بالولايات المتحدة، وبيتر هيغمان من جامعة هومبولت في برلين، وجورج ناغل من جامعة فورتسبورغ الألمانية، وذلك عن “اكتشافاتهم المتعلقة بالتحكم في القنوات الأيونية عبر الضوء وعلم البصريات الوراثية”.

لكن لفهم مدى عمق الأمر دعنا نرجع إلى الماضي، حيث كان أول طريق عرفه العلماء لفهم الدماغ من خلال ما يفسده، وهناك مثال صارخ على ذلك، ففي عام 1848 اخترق قضيب حديدي جمجمة عامل السكك الحديدية الأمريكي فينياس غيج، وقد تصور البعض أنه سيموت لكنه نجا، وهنا بدأت القصة، حيث تبدلت شخصيته حتى قال معارفه إنه لم يعد غيج الذي عرفوه. بعد ذلك بـ13 عاما تقريبا، تعلم الطبيب والجراح الفرنسي بول بروكا الدرس واتخذ خطوة أكثر تحديدا، حيث درس مرضى فقدوا القدرة على الكلام، ثم قارن أعراضهم بمواضع التلف التي ظهرت في أدمغتهم بعد الوفاة، ليصل إلى أن إنتاج الكلام يرتبط ارتباطا وثيقا بمنطقة محددة في المخ.

ثم جاء عصر المجهر، وقد تقاسم الإيطالي كاميلو غولجي والإسباني سانتياغو رامون إي كاخال جائزة نوبل عام 1906 لكشفهما بنية الجهاز العصبي، وفي منتصف القرن العشرين كان جرّاح الأعصاب الكندي وايلدر بنفيلد يلمس قشرة أدمغة مرضى الصرع بأقطاب كهربائية وهم مستيقظون، فيستعيد بعضهم ذكريات أو يسمع أنغاما.

“أنتجت هذه الأدوات والتجارب خريطة لمناطق الدماغ، لكنها كانت بلا تفاصيل”

أنتجت هذه الأدوات والتجارب خريطة لمناطق الدماغ، لكنها كانت بلا تفاصيل، يمكن أن نتحدث عن منطقة في المخ تسبب مشكلة ما، لكن لا يمكن تحديد الخلايا المسؤولة عن هذه المشكلة بدقة، والمشكلة أن الدماغ قد يحوي خلايا متجاورة ذات وظائف مختلفة تماما.

من هنا يمكن أن نفهم أن أعمق مشاكل علم الأعصاب، وعلى مدى زمن طويل حقا، كانت “السببية”، يمكن للباحث أن يرى خلية تنشط حين يخاف الحيوان، لكنه لا يستطيع أن يثبت أنها سبب الخوف لا مجرد شاهد عليه، ولهذا شبهت لجنة نوبل، في معرض تعريفها بجائزة نوبل للطب عام 2026، صورة الدماغ في القرن العشرين بأنها “صورة فوتوغرافية ضبابية”.

وكان من أوائل من صاغوا المشكلة بوضوح فرانسيس كريك، أحد مكتشفي بنية الحمض النووي عام 1953، الذي تحوّل في سنواته الأخيرة إلى دراسة الوعي، فكتب في عام 1979 أن علم الأعصاب يحتاج إلى طريقة تعطل نوعا واحدا من الخلايا وتترك ما سواه على حاله تقريبا. وفي مقال نشره عام 1999 بعنوان “أثر البيولوجيا الجزيئية في علم الأعصاب” اقترح أن الإشارة المثالية لتشغيل الخلايا وإطفائها هي الضوء، لأنه وحده يجاري سرعة الدماغ.

وربما كان كريك يخشى النقد، فقد استدرك في مقاله قائلا إن الفكرة تبدو “بعيدة المنال إلى حد ما”، إلا أن هذا الرجل نفسه الحاصل على نوبل لم يدرك إلى أي مدى يمكن أن يصل العلم، حيث لم يعرف أن الجواب على سؤاله موجود بالفعل، وهو ينمو منذ ملايين السنين في البرك والمستنقعات، داخل كائن وحيد الخلية لا يرى بالعين المجردة، ينتظر من يعثر عليه.

سلط ضوءا على جانب واحد من الطبق، وانتظر قليلا، سترى الخضرة تزحف نحو الضوء (منصة جائزة نوبل)

التي تسبح نحو الضوء

طحلب الكلاميدوموناس كائن عجيب، ربما لا تدرك ذلك، أو حتى تتذكر أنك تعلمت عنه في المدرسة قديما. هو كائن أخضر وحيد الخلية، بالغ الضآلة، لو اصطفت مئة خلية منه جنبا إلى جنب، لما تجاوز طول الصف مليمترا واحدا. يتحرك بسوطين دقيقين كسباح يضرب الماء بذراعيه.

الآن قلب قليلا منه في طبق مختبر، و”القليل” هنا يعني الملايين، ستلاحظ أن السائل في الطبق سيكتسي بخضرة باهتة، ثم سلط ضوءا على جانب واحد من الطبق، وانتظر قليلا، سترى الخضرة تزحف نحو الضوء، كأن السائل نفسه ينجذب إليه، إنه الكلاميدوموناس وهو يسبح ناحية الضوء. هنا قد تسأل: كيف يرى كائن بلا عين ولا دماغ؟ وجد العلماء أن استجابة هذا الكائن للضوء تحدث خلال أجزاء صغيرة جدا من الألف من الثانية، أسرع بكثير من الآليات المعروفة في العين البشرية.

هذا المشهد الذي يبدو بسيطا، والذي قد تمر به العين دون أن تتوقف، استوقف بيتر هيغمان الذي وضعه أستاذه ديتر أوسترهيلت في مقتبل مسيرته أمام خيارين: إما أن يبقى في فريقه آمنا حتى التقاعد إن شاء، أو أن يشقّ طريقه البحثي الخاص على أن يرحل بعد خمس سنوات. اختار هيغمان الطريق الأوعر، فمضى إلى الولايات المتحدة، ثم وصل في النهاية إلى برلين، ولم يكن الإخفاق في هذه الرحلة شيئا استثنائيا، بل كثيرا ما يقول بألمانية باردة: “الفشل هو خبزنا اليومي”.

لفهم ما يحدث للطحلب الصغير، أدخل هيغمان أقطابا متناهية الصغر في خلاياه، وقاس الإشارة الكهربائية التي تتولد حين يصيب الضوء منطقة على سطحه تسمى “البقعة العينية”، ونشر نتائجه مع زملائه عام 1992، مقترحا أن في خلايا الطحلب بروتينا واحدا يؤدي وظيفتين في آن معا: استشعار الضوء والاستجابة له، وما إن يسقط عليه شعاع حتى ينفتح فيه ممر دقيق (قناة أيونية)، أو قل بوابة، تمر منها جسيمات مشحونة كهربائيا، فتتولد إشارة كهربائية داخل الخلية هي بمثابة أمر حركة، يصل إلى السوطين فيتحرك الطحلب ناحية النور.

قوبلت الفرضية بالتشكيك، فقد كان العلماء يعرفون أنواعا كثيرة من القنوات الأيونية من هذا النوع، لكن أيا منها لم يكن يستجيب للضوء بنفسه، وحين حاول هيغمان وفريقه عزل البروتين المنشود، كانت بروتينات البقعة العينية تتلف وتفقد استقرارها بمجرد إخراجها من بيئتها الطبيعية.

مر عقد كامل تقريبا من المحاولات المتعثرة، ثم نشر باحثون يابانيون التسلسل الجيني لآلاف من طحالب الكلاميدوموناس، قرب مطلع الألفية، وبين هذه البيانات عثر فريق هيغمان على جينين يشبهان جينات معروفة لبروتينات ملتقطة للضوء. لم يكن هيغمان يملك وحده وسيلة لاختبار الجينين اللذين شك في أنهما يصنعان البروتين الحساس للضوء، فاستعان بجورج ناجل، والذي كان يستخدم أداة متواضعة المظهر في أبحاثه، إنها “بيض الضفادع”.

ولذلك سبب مقنع، فخلية البيضة كبيرة وقوية، وإذا حُقنت بنسخة من جين غريب، ستبدأ في إنتاج البروتين الذي يشفّر هذا الجين، ويستقر البروتين في غشائها الخارجي حيث يمكن تتبع وفهم طريقة عمله.

ولنتوقف قليلا لتبسيط الفكرة الرئيسية، فنحن نعرف أن خلايا الكائنات الحية تحتوي على شيفرة الحياة، المسماة “الحمض النووي”، وهو أشبه بكتاب يحتوي على خطة، تقول إن يدك ستكون هنا وقلبك هناك، تقول إن شعرك سيكون أسود وأنفك سيصبح طويلا بعض الشيء، تحدد غالبية صفاتك وصولا إلى أدق الوظائف الخلوية، لكن كيف لها أن تفعل ذلك؟

السر في الترجمة، حيث تترجم هذه الشفيرات المدونة على الحمض النووي في صورة بروتينات، كل مجموعة من القواعد الكيميائية للحمض النووي (تسمى جين) مسؤولة عن بروتين له وظيفة بعينها. والبروتينات هي كل شيء بأجسادنا، بداية من مكونات الجلد والعضلات وكل أجزاء الجسم التي تعرفها، ووصولا إلى أدق التكوينات العاملة في خلايانا الصغيرة، تلك العضيات الصغيرة جدا التي تعمل بها بلا فتور أو ملل طوال حياتك. فكر في البروتينات باعتبارها اللبنات الأساسية لخلايا جسمك كله.

“حقن ناغل كل جين من الجينين في دفعة مختلفة من البيض، ثم سلط الضوء، وأكدت النتيجة فرضية هيغمان بعد عقد من الشك”

حقن ناغل كل جين من الجينين في دفعة مختلفة من البيض، ثم سلط الضوء، وأكدت النتيجة فرضية هيغمان بعد عقد من الشك، حيث نشأت قناتان أيونيتان تنفتحان بالضوء مباشرة، بلا وسيط، وسُمّي البروتينان “كانالرودوبسين-1” و”كانالرودوبسين-2″، وكان الثاني هو الكنز الكبير، ففي غشاء بيضة الضفدع انفتح “كانالرودوبسين-2” خلال 0.2 جزء من الألف من الثانية بعد ومضة الضوء، وتدفقت عبره أيونات ولّدت إشارة عصبية.

أدرك الباحثان أن بين أيديهما شيء أكبر بكثير من مجرد فضول بيولوجي، وبعد عام واحد أدخلا الجين في خلايا كلى بشرية جنينية وخلايا كلى من الهمستر، فصارت تستجيب للضوء بإشارات كهربائية.

ما إن تتعرض الخلية للضوء حتى تنفتح القنوات الأيونية (منصة جائزة نوبل).

من عيادة الطب النفسي إلى الدماغ الحي

حين بدأ كارل دايسروث دراسة الطب في جامعة ستانفورد في التسعينيات، كان يفكر في جراحة الأعصاب. يروي في حوار صحفي أنه رأى ذات مرة مريضا يطلب منه الجراح رسم ساعة، فرسم نصفها فقط، ثم أكد أن الساعة تبدو سليمة، كان ذلك مثيرا جدا لانتباهه، وكان على شفا اتخاذ القرار، لكن جزءا من تدريبه مر بعيادة للطب النفسي، وهناك تغير مساره، إذ صدمته معاناة المرضى وعجز الطب عن تقديم حلول لهم، فازدحمت الأسئلة في دماغه: لماذا يعجز المصاب بالاكتئاب عن الإحساس بالفرح؟ وما الذي يصنع أوهام الفصام؟ وما الذي يدفع المصاب بالوسواس القهري إلى تكرار التأكد من قفل الباب عشرات المرات؟

حصل دايسروث على الدكتوراه في علم الأعصاب عام 1998 ثم درجة الطب المهنية عام 2000، وفي المختبر درس شرائح رقيقة من الدماغ في أطباق زجاجية، لكنه أدرك أن فهم علل مرضاه يتطلب دراسة الخلايا وهي تعمل داخل دماغ حي، وليس مجرد فهم كيفية عمل الدماغ بصورة كلية، لفهم الفكرة تخيل أن هناك خللا في شبكة الكهرباء بحي كامل، وأنك تريد معرفة مصدره. ستكون أفضل وسيلة أن تتمكن من التحكم في كل منزل على حدة، فتشغّل الكهرباء في كل منهم وتقطعها، حتى تعرف أين تكمن المشكلة. وهذا التشبيه للتبسيط بالطبع، لكن الفكرة شبيهة بما يحدث في الدماغ، فإذا أردنا فهم اضطراب نفسي أو عقلي أو عصبي، فنحن بحاجة إلى القدرة على التحكم في أنواع محددة من الخلايا العصبية، كلٌّ على حدة، داخل منطقة بعينها من الدماغ، ثم مراقبة ما يتغير.

جالت الفكرة بدماغ الرجل لسنوات، وحين سمع باكتشاف “كانالرودوبسين-2″، كتب إلى جورج ناجل يطلب الحمض النووي الذي يشفّر البروتين، وقرر أن يتعامل معه، ويدخله لأول مرة إلى علم بعيد نسبيا، هو علم الأعصاب.

أدخل فريقه الجين في خلايا عصبية من الفئران، وكان يخشى أن تتضرر هذه الخلايا الحساسة من الجين الغريب، لكنها أنتجت البروتين بلا مشكلات ظاهرة، وحين سُلّط عليها ضوء أزرق أطلقت إشارات عصبية فورا، وانتقلت الإشارات إلى خلايا مجاورة. الآن، هذه الخلية العصبية المعزولة من دماغ الفأر، تتعامل كأنها صديقنا الطحلب الصغير. وهنا تحديدا في عام 2006 نشأ هذا العلم الجديد المسمى علم “البصريات الوراثية”.

وصف دايسروث لاحقا تلك اللحظة قائلا: “نجحت التجربة أفضل بكثير مما تجرأتُ على أن آمل”، لكن النجاح في طبق المختبر لم يكن الهدف، أراد دايسروث أن تدخل التجربة إلى الدماغ، وتتحكم في خلاياه، ثم في السلوك، وفي عام 2007 تمكن وفريقه من جعل نوع محدد من الخلايا العصبية في القشرة الدماغية للفأر ينتج بروتين “كانالرودوبسين-2” الحساس للضوء، ثم أوصلوا ضوءا أزرق إلى هذه الخلايا عبر ليف بصري بالغ الدقة، وما إن أضاءوا الليف حتى انفتحت قنوات البروتين، وتدفقت الأيونات داخل الخلايا العصبية فتنشطت وأطلقت إشارات كهربائية.

ولأن هذه الخلايا كانت جزءا من الدوائر التي تتحكم في حركة الشوارب، ظهرت النتيجة فورا في الخارج، حيث تحركت شوارب الفأر مع ومضات الضوء، وتوقفت حينما توقف الضوء. وهكذا أثبت الفريق قدرته على تشغيل مجموعة محددة من الخلايا العصبية داخل دماغ حيوان حي في توقيت دقيق، ورؤية أثر ذلك مباشرة في السلوك. وفي عام 2012، أصبح الأمر أعمق من ذلك، حيث وضع دايسروث وفريقه فئرانا في مكان تعرضت فيه لتجربة مخيفة، فكوّنت أدمغتها ذكرى مرتبطة بالخوف. وفي أثناء تكوّن هذه الذكرى، حدد الباحثون الخلايا العصبية التي كانت نشطة، وجعلوها حساسة للضوء باستخدام تقنيات البصريات الوراثية.

“أثبت الفريق قدرته على تشغيل مجموعة محددة من الخلايا العصبية داخل دماغ حيوان حي في توقيت دقيق، ورؤية أثر ذلك مباشرة في السلوك”

بعد ذلك نقل الباحثون الفئران إلى مكان آمن تماما، ثم أعادوا تنشيط الخلايا نفسها بالضوء. والمفاجأة أن الفئران بدأت تتجمد في مكانها وتظهر علامات الخوف، رغم عدم وجود أي خطر حقيقي حولها. كانت هذه النتيجة دليلا قويا على أن إعادة تشغيل مجموعة محددة من الخلايا العصبية المرتبطة بذكرى ما يمكن أن تستدعي تلك الذكرى وما يصاحبها من سلوك.

وهنا بدأت التطبيقات، فمذ ذلك الحين، استخدم العلماء تقنيات علم البصريات الوراثية لتحديد دوائر عصبية تشارك في الألم والعطش والأكل والمكافأة والانتباه والسلوك الاجتماعي والساعة البيولوجية، بل وحتى في الحمى التي ترافق تنشيط جهاز المناعة، وفي عام 2021 نشر فريق بقيادة طبيب العيون الفرنسي جوزيه-آلان ساهل نتائج تجربة على مريض فقد بصره قبل نحو أربعين عاما بسبب التهاب الشبكية الصباغي، حقن الأطباء شبكية عينه بجين لبروتين حساس للضوء شبيه بالكانالرودوبسين، وبعد أشهر من التدريب، أصبح الرجل قادرا على تحديد مكان بعض الأشياء الموضوعة على طاولة والإمساك بها.

وامتدت التطبيقات إلى فهم القلب والأمعاء وصولا إلى مجال استعادة السمع، لكن الوعد الأكبر لهذا العلم ربما يظل مرتبطا بالأمراض التي دفعت دايسروث أصلًا إلى هذا الطريق، فقد مكّنت التقنية الباحثين من دراسة الدوائر العصبية المرتبطة بالاكتئاب والقلق والفصام وألزهايمر وباركنسون في نماذج حيوانية، وربما يأتي يوم نفهم فيه هذه الأمراض بصورة أفضل.

يخشى فريق من العلماء أن تنتقل التقنية للاستخدام العسكري (أسوشيتد برس)

مخاوف من “التحكم في الذاكرة”

لكن البصريات الوراثية لا تزال في الأساس أداة بحثية، لأن استخدامها في أجساد البشر يتطلب إدخال جينات تجعل خلايا معينة حساسة للضوء، ثم إيجاد وسيلة لإيصال الضوء إليها، وهذا حاليا غير عملي وغير متاح، إلا أن مجرد الاحتمال النظري فتح الباب لمخاوف جمة، فإذا أصبح ممكنا في المستقبل أن نعدل دوائر دماغية ترتبط بالذكريات والمشاعر والدوافع لدى البشر، فمن يحدد ما ينبغي تغييره؟ وكيف نضمن أن يخدم التدخل رغبة صاحبه ومصلحته؟

تناقش أبحاث “أخلاقيات علم الأعصاب” هذه الأسئلة حاليا بوصفها مخاوف جادة تستحق الاستعداد المبكر، ومن أكثر المخاوف حساسية احتمال استغلال تعديل الذكريات لأغراض سياسية أو عسكرية. ففي ورقة نشرتها دورية “نانو إيثكس” عام 2020، ناقش الباحثون سيناريو مستقبليا قد تستغل فيه حكومة ما القدرة على تغيير المشاعر المرتبطة بذكريات الحرب، فتجعل الجنود يستعيدون تجاربهم بصورة أكثر إيجابية، ثم تستخدم شهاداتهم لدعم حملاتها العسكرية وجذب مجندين جدد.

“من أكثر المخاوف حساسية احتمال استغلال تعديل الذكريات لأغراض سياسية أو عسكرية”

وناقشت الدراسة احتمالا آخر أعقد، لأنه إذا أمكن تحويل المشاعر السلبية المصاحبة لذكرى ارتكاب فعل مؤذ إلى مشاعر إيجابية، فقد يتأثر الندم والتقييم الأخلاقي لذلك الفعل، وربما الاستعداد لتكراره، وهنا يصبح التدخل في الذاكرة مسألة تتصل بمسؤولية الإنسان عن أفعاله وبكيفية توجيه سلوكه مستقبلا.

بمعنى أوضح، نحن أمام سؤال بسيط: هل يمكن لتلك التقنية أن تخلق “الجندي الخارق” الذي لا يتأثر بشيء؟ طبعا تظل تلك السيناريوهات افتراضية، حيث لا يمتلك العلماء الآن طريقة لتنفيذها، إلا أن الأمر ممكن بالطبع، على الأقل من ناحية نظرية، وهو ما أثار قلق العلماء. هذا القلق امتد إلى العلاقة بين الذاكرة والشخصية، إذ تثير إمكانات تعديلها أسئلة عميقة عن الهوية، فالذاكرة تشارك في تشكيل الطريقة التي نفهم بها أنفسنا ونتخذ بها قراراتنا، فنحن نتذكر أحداثا، ونمنحها معاني، مثلا “هذه التجربة علمتني الحذر”، و”ذلك الشخص وقف إلى جواري، لذلك أثق به”، و”هذا الظلم جعلني أدافع عن الآخرين”.

لذلك ناقشت دراسة نشرت عام 2021 في دورية “إيه جاي أو بي نيوروساينس” احتمال أن يمتد أثر التدخل في الذكريات إلى المشاعر والقيم والعلاقات، وإلى شعور الإنسان بأن اختياراته تعبر عنه.

يمكن تقريب الفكرة بمثال افتراضي لشخص تعرض للظلم، ثم اختار أن يكرس حياته لمساعدة الآخرين. قد يساعده تخفيف الألم المرتبط بتلك التجربة على مواصلة عمله بحرية أكبر، بينما قد يؤثر تعطيل الوصول إلى الذكرى نفسها في فهمه للأسباب التي دفعته إلى هذا الطريق. هنا يظهر القلق المتعلق بالهوية، فهناك احتمال أن تتغير القصة التي يرويها الإنسان عن حياته، والروابط التي تجمع بين تجاربه الماضية وأهدافه الحالية، وهو ما يعني تغيرا كاملا في هويته.

وتبرز كذلك مسألة حرية الاختيار، فإذا أصبح الإنسان بعد تدخل هذه التقنيات في دماغه أكثر قبولا لشخص أو موقف كان يرفضه، فهل يعكس ذلك تغييرا يريده ويتبناه، أم تأثيرا فرض عليه لخدمة مصلحة الآخرين؟

تتعقد المشكلة في حالة بعض الاضطرابات، فالمريض العقلي على سبيل المثال يواجه أزمة أصلا في اتخاذ القرارات في بعض الحالات المتقدمة، وهنا تصبح الموافقة المستنيرة أكثر تعقيدا، إذ ينبغي أن يفهم الشخص طبيعة التدخل وآثاره المحتملة قبل قبوله، وقد ناقشت دراسة نشرت عام 2023، هذه المعضلة، لتقول إن العلاج قد يساعد المريض على استعادة استقلاليته التي أضعفها المرض، لكن القرار الأولي نفسه لا يزال يواجه مشكلة، خاصة أننا نتحدث عن تغير محتمل في السلوك أو الصفات.

نحن على مشارف ثورة طبية إذن، هذا مما لا شك فيه، فتح هذا الابتكار نافذة منيرة على عالم مظلم، هو الدماغ، وبدأ في إعطاء العلماء إشارات مهمة حول الآلية الدقيقة لعمله، مما سيفتح الباب أمام تطوير علاجات أفضل لاضطراباته، ونحن نتحدث هنا عن فوائد ربما ستطال مئات ملايين البشر. لكن التاريخ يعلّمنا أن كل أداة عظيمة تحمل في داخلها احتمالين متعاكسين؛ فاليد التي تستخدمها للعلاج قد تستخدمها أيضًا للإيذاء، وما يصلح لفهم الدماغ قد يصلح، من حيث المبدأ، للتدخل فيه بطرق أقل براءة. وكالعادة يقف البشر أمام مفترق طرق: طريق يوظف المعرفة لتخفيف الألم وتوسيع حدود العلاج، وآخر قد يحوّلها إلى وسيلة للسيطرة أو التلاعب. ويبقى السؤال معلقا: هل هناك طريقة للتأكد أننا نسير في الطريق الأول وحده؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks