أوروبا تبحث عن جنود.. لماذا يدير الشباب ظهورهم للخدمة العسكرية؟ |



روكب اليوم

قبل أكثر من قرن، كانت عبارة “بلدك يحتاج إليك” كفيلة بأن تدفع ملايين الشبان البريطانيين إلى التطوع للقتال في الحرب العالمية الأولى، بعدما امتلأت المدن بالملصقات الوطنية والخطب الحماسية التي صوَّرت الحرب باعتبارها واجبا بطوليا ومغامرة تستحق التضحية.

وقد نجحت تلك الحملات في استقطاب نحو 2.5 مليون متطوع، بينهم نحو ربع مليون لم يبلغوا 18 من العمر، في مشهد يعكس حجم التعبئة الشعبية التي شهدتها أوروبا آنذاك.

أما اليوم، كما يشير تقرير للجزيرة، تبدو الصورة مختلفة تماما؛ فبينما تُعيد الحكومات الأوروبية بناء قدراتها العسكرية في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، تواجه معضلة متنامية تتمثل في عزوف أعداد كبيرة من الشباب عن الالتحاق بالجيوش، وهو ما يهدد خطط القارة لتعزيز جاهزيتها الدفاعية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى اتساع الفجوة بين السياسات الحكومية ومواقف الأجيال الجديدة من الخدمة العسكرية، فبحسب الدراسات، أيّد 68% من الفرنسيين و58% من الألمان إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية، بينما انقسم الرأي العام في بريطانيا وإيطاليا، في حين عارضتها غالبية الإسبان بنسبة بلغت 53%.

التجنيد الإجباري

وتتجاوز الأزمة مجرد الجدل حول التجنيد الإجباري؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب عام 2024 أن 32% فقط من مواطني الاتحاد الأوروبي مستعدون للدفاع عن بلدانهم إذا اندلعت حرب، بينما تنخفض النسبة بصورة أكبر في الاقتصادات الأوروبية الكبرى، حيث لم تتجاوز 14% في إيطاليا، و23% بألمانيا، و29% في إسبانيا.

ويرى محللون أن هذا التحول يعود إلى عقود طويلة من السلام النسبي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، حين اعتقدت الحكومات الأوروبية أن الحروب البرية الكبرى أصبحت جزءا من الماضي، وأن التهديد المباشر لأراضي القارة قد انتهى.

وبناء على ذلك، اتجهت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والسويد إلى تعليق أو إلغاء التجنيد الإلزامي، وتقليص أعداد الجيوش، وإغلاق الثكنات ومراكز التدريب، مع تحويل جزء كبير من الموارد إلى قطاعات الاقتصاد والرعاية الاجتماعية، بينما جرى الاعتماد على جيوش أصغر وأكثر تطورا تكنولوجيا، مهيأة للمشاركة في عمليات خارجية مثل أفغانستان ومهام مكافحة الإرهاب.

لكن الحرب الروسية في أوكرانيا قلبت هذه الحسابات رأسا على عقب، بعدما أعادت المخاوف من احتمال امتداد الصراع إلى أوروبا، ودعت أجهزة استخبارات وأمن غربية إلى تعزيز الجاهزية العسكرية، الأمر الذي دفع عددا من الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات التجنيد.

ففي ألمانيا، تدرس الحكومة اعتماد نموذج مستوحى من التجربة السويدية يجمع بين التطوع والاستدعاء الإلزامي، بينما عززت دول أخرى قوات الاحتياط استعدادا لأي طوارئ أمنية.

غير أن الجهود الحكومية اصطدمت بواقع مختلف، إذ تقدم نحو 5900 شاب ألماني خلال النصف الأول من عام 2026 بطلبات للإعفاء من الخدمة العسكرية، رغم أن التشريع الجديد اقتصر في مرحلته الأولى على إخضاع الذكور المولودين عام 2008 وما بعده لفحوص طبية إلزامية، في إطار خطة تهدف إلى توسيع قاعدة المتطوعين مستقبلا.

الاحتفاظ بالمجندين الجدد

ولا تقف الأزمة عند حدود ضعف الإقبال، إذ تواجه الجيوش الأوروبية صعوبات في الاحتفاظ بالمجندين الجدد. ففي ألمانيا، تصل نسبة المتسربين خلال مراحل التدريب إلى نحو 30%، في ظل نظرة متزايدة إلى الخدمة العسكرية باعتبارها وظيفة غير جذابة.

وتُعزى هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة، من بينها التعقيدات الإدارية، وسوء أوضاع الثكنات العسكرية، وضعف الخدمات والمرافق، إضافة إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه بعض الدول، مثل بريطانيا، التي تقلّص إنفاقها الدفاعي مقارنة بمستوياته خلال ذروة الحرب الباردة.

كما يبرز عامل ثقافي لا يقل أهمية، يتمثل في اختلاف رؤية الجيل الأوروبي الجديد لمفهوم الوطنية والدفاع عن الدولة. فوفق تقديرات منصة “ديفنس 24” المتخصصة في الشؤون الدفاعية، نشأ هذا الجيل في ظل قِيم ديمقراطية تعلي من حرية الضمير وحق الفرد في رفض القتال، وهو ما جعل كثيرين يفضّلون الإسهام في حماية بلدانهم عبر مجالات مدنية أو سيبرانية بدلا من حمل السلاح.

ويُضاف إلى ذلك أن أوروبا انتقلت خلال فترة قصيرة من عقود من الاستقرار والرفاه وثقافة السلام إلى خطاب يقوم على إعادة التسلح والاستعداد للحرب، وهو تحول لم ينجح حتى الآن في إقناع كثير من الشباب بالتخلي عن خططهم المهنية أو التعليمية والانخراط في الحياة العسكرية.

كما أن شريحة واسعة من الأوروبيين لا ترى أن خطر اندلاع حرب على أراضي القارة وشيك، مما يجعلهم أقل استعدادا لقبول الخدمة العسكرية الإلزامية، ويدفعهم إلى تفضيل فرص العمل والتعليم والحياة المدنية على قضاء أشهر أو سنوات داخل الثكنات.

وفي ظل هذا الواقع، تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى بناء جيوش أكبر وأكثر جاهزية لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، لكنها تصطدم بجيل تختلف أولوياته وقيمه عن الأجيال السابقة، مما يجعل أزمة التجنيد واحدة من أبرز التحديات التي تواجه مشاريع إعادة التسلح في القارة الأوروبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks