



روكب اليوم
على أرض من الرمال في مخيم “أدري” للاجئين السودانيين شرق تشاد، تقف فرقة “الأجاويد” الكوميدية لتؤدي عرضها المسائي. لا ستائر حمراء، ولا أضواء كاشفة؛ الجمهور يجلس على الأرض، والأطفال في الصفوف الأمامية يحدقون بعيون واسعة، أمامهم ستة فنانين سودانيين يرتدون أزياء بسيطة، يقلبون واقع اللجوء المرير إلى اسكتشات ساخرة تملأ المكان ضحكات.
وفي المخيم الذي يأوي أكثر من مئتي ألف لاجئ فروا من جحيم الحرب في دارفور، تحولت العروض الكوميدية إلى حدث يومي ينتظره الصغار والكبار على حد سواء.
وتقول فاطمة آدم (35 عاماً)، وهي أم لطفلين لاجئة من مدينة الجنينة للجزيرة: “أطفالي كانوا يبكون كل ليلة، كوابيس الحرب تطاردهم. الآن، هم أول من يجلس في الصف الأمامي، والضحكات التي يخرجون بها بعد كل عرض تكفيني لأيام”.
من مسارح الجنينة إلى المخيمات
فرقة “الأجاويد” ليست وافدة جديدة على المشهد الفني؛ فقد تأسست عام 2010 في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، وسجلت رسمياً لدى وزارة الثقافة والشباب والرياضة السودانية، وكانت تقدم أعمالاً مسرحية ودرامية كبرى، أبرزها مسلسل “سر الكتمان” الذي ناقش قضايا السلام والتنمية في السودان.
ولكن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 غيرت كل شيء؛ إذ دمرت النيران مسرحهم في الجنينة، وأجبرهم القصف المتواصل على الفرار. وبعد رحلة نزوح شاقة، استقر بهم المقام في مخيم “أدري”، حيث وجدوا أنفسهم بين آلاف العائلات التي فقدت كل شيء.
ويستذكر مؤسس الفرقة والمخرج المسرحي عمر عقال عبد الرحمن تلك اللحظات في حديثه للجزيرة قائلا: “لم نخطط للعودة إلى العمل الفني بهذه السرعة، كنا نبحث عن ماء ودقيق مثل أي لاجئ آخر، لكن سرعان ما أدركنا أن الناس في المخيمات بحاجة إلى الأمل أكثر من أي شيء آخر”.
بدأنا بستة أعضاء فقط لكن مع الوقت، انضم إلينا شباب وفتيات حتى أصبح عددنا الآن 32 عضواً؛ 15 منهن فتاةً و17 شاباً، كلهم تطوعوا ليقدموا ما تعلموه من فنون مسرحية، وليشاركوا في زرع البسمة على وجوه اللاجئين
مسرح تحت ضوء القمر
وبعد توقف دام أكثر من عامين ونصف العام، عادت الفرقة إلى العمل من جديد؛ لكن هذه المرة دون مسرح أو إمكانيات؛ إذ تحول المسرح إلى قطعة أرض مكشوفة خلف الخيام، وأصبحت الأضواء هي أشعة الشمس نهاراً، أو ضوء القمر ليلاً، والجمهور مئات اللاجئين الذين يصطفون على الرمال.
وتنقل الفرقة عروضها اليوم بين عدة معسكرات ومخيمات لجوء، منها: “أدري”، “فرشنا”، “باميا جيرو”، و”أبو تنقى”، حيث يقدمون اسكتشات كوميدية تفاعلية، وعروضاً للغناء الشعبي والفلكلور السوداني، مع تركيز خاص على إحياء تراث دارفور.
وتتلخص أهداف الفرقة -بحسب أعضائها- في “تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للفئات المتضررة، لا سيما اللاجئين والنازحين”، و”محاربة وتغيير السلوكيات السلبية في المجتمع عبر محتوى فني هادف”.
بكاء النساء من شدة الضحك
صابر عبد الرحمن (50 عاماً)، لاجئ من الفاشر بشمال دارفور، يحضر عروض الأجاويد منذ أسابيع، ويصف حال اللاجئين للجزيرة نت بقوله: “كنا جلودا على عظام من الجوع والألم، وكنا قد فقدنا القدرة على الضحك، ثم جاء هؤلاء الشباب ليذكّرونا بأننا بشر”.
ويتذكر صابر مشهداً مؤثراً جرى أمامه: “في أحد العروض، قدموا اسكتشا ساخرا عن طوابير المساعدات الطويلة. ضحكنا جميعاً، حتى إن إحدى النساء بكت من شدة الضحك؛ هذه الدمعة كانت أبلغ من أي خطاب سياسي، وفي تلك اللحظة شعرنا أننا لسنا وحدنا”.
أما فاطمة، فتؤكد تأثير العروض المباشر على أطفالها: “منذ أن بدأت الفرقة في الأداء، تغير أطفالي تماماً؛ أصبحوا ينامون بهدوء أكبر، ويستيقظون في الصباح يسألون بلهفة: هل سيأتي الأجاويد اليوم؟”.
رسالة تضامن دولية
جهود الفرقة التطوعية لم تمر مرور الكرام؛ بل لاقت عروضهم اهتماماً كبيراً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات دولية أخرى، والتي دعتهم للتعاون في تقديم عروض توعوية تفاعلية تركز على مخاطر الاستغلال والانتهاك الجنسي، وهي من القضايا الحساسة التي تواجه مجتمعات اللاجئين، خاصة النساء والأطفال.
وكل عرض مسرحي يستمر لنحو ساعة كاملة، يشارك فيه الجمهور بالتصفيق والاندماج، وبعد انتهاء العرض، يتقدم العديد من اللاجئين ليعانقوا الممثلين، ويأخذوا معهم الصور التذكارية طالبي تكرار المشاهد المضحكة، مما جعل من فرقة “الأجاويد” جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمخيم.
ويوضح عمر عقال للجزيرة نت الأبعاد الفكرية لعملهم: “العروض التي نقدمها ليست مجرد اسكتشات كوميدية عابرة، هي رسائل إنسانية واجتماعية عميقة، نعالج آثار الحرب والمشاكل النفسية، وندعم المتضررين عبر المسرح التفاعلي”.
نحن لا نصنع ضحكات فارغة؛ بل نقدم محتوى يركز على قضايا التماسك الاجتماعي، ونبذ العنف، والتعايش السلمي. رسالتنا أن الحياة لا يمكن أن تقف عند نقطة واحدة، مهما بلغت قسوتها
حلم العودة.. مقاومة بالضحك
وفي نهاية كل عرض، يعود أعضاء الفرقة إلى حياتهم اليومية القاسية؛ فيصطفون في طوابير المياه مثل بقية اللاجئين، وينامون تحت الخيام، ويتقاسمون وجبات الطعام المحدودة، فلا فرق بينهم وبين أي لاجئ آخر، إلا أنهم يملكون حلما كبيرا بالعودة.
ويقول عقال: “نحن لاجئون مثل أي شخص هنا، نعاني من العطش والجوع والخوف، لكننا اخترنا ألا نستسلم، اخترنا أن نقاوم بالضحك”. ويتابع: “كل شيء في هذه الخيام مؤقت؛ مؤقت الخيام، ومؤقت المسرح، ومؤقت الضحكات، لكن الأمل ليس مؤقتاً، الأمل هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن يسرقه منا”.
ويختتم المخرج السوداني حديثه برؤية مستقبلية: “يوماً ما سنعود إلى الجنينة، وعندها سنفتح مسرحنا القديم مرة أخرى، وسنقدم أعظم عرض كوميدي في تاريخ دارفور؛ عرض لا يهدف فقط إلى الإضحاك، بل إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب”.
وفي خيام “أدري” شرقي تشاد، حيث يجلس مئات اللاجئين كل مساء متعطشين لاسكتش جديد، يثبت 32 فناناً وفنانة أن الضحكة ليست ترفا، بل هي إعلان مقاومة بأن الحياة لا تموت بين الركام. لكن السؤال الذي يبقى معلقا في الهواء: هل ستنتصر فرقة “الأجاويد” في معركتها الطويلة ضد الرصاص والصمت؟ أم أن قسوة الغربة والنسيان ستطغى في النهاية على أصوات ضحكاتهم؟