روكب اليوم
2026-11-07 21:02:00

رأى الاقتصادي محمد العريان أن الأسواق المالية العالمية خرجت من أسبوع شديد الاضطراب، شهد تحولات سياسية بارزة في الولايات المتحدة، وموجة بيع حادة لأسهم التكنولوجيا، وتراجعاً كبيراً في أسعار النفط، مقابل بيانات اقتصادية أميركية قوية عززت مؤشرات صمود الاقتصاد الأكبر في العالم.
وقال العريان، في قراءته الأسبوعية للاقتصاد والأسواق العالمية، إن التطورات السياسية الأميركية أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن مستقبل نموذج الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، الذي اعتمد حتى الآن على بيئة تنظيمية مرنة أتاحت للشركات التوسع في الإنفاق وجمع التمويل بوتيرة كبيرة.
وجاءت هذه التساؤلات عقب فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس وتحقيقهم مكاسب انتخابية على مستوى حكام الولايات، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات تشديد الرقابة التنظيمية على قطاع الذكاء الاصطناعي ومشروعات مراكز البيانات.
الذكاء الاصطناعي تحت ضغط السياسة
وأوضح العريان أن النهج الأميركي تجاه تطوير الذكاء الاصطناعي اتسم حتى الآن بقدر كبير من التساهل التنظيمي، ما أتاح للقطاع التوسع والاستثمار والحصول على التمويل دون قيود كبيرة.
لكن التحول السياسي المفاجئ أثار مخاوف من أن تواجه هذه البيئة مزيداً من القيود التنظيمية، بما قد يضيف عقبات أمام الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية المرتبطة بها.
وانعكست هذه المخاوف سريعاً على الأسواق، إذ تعرضت أسهم التكنولوجيا لموجة بيع حادة، وتكبد مؤشر ناسداك خسائر كبيرة، امتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية، خصوصاً في آسيا، حيث شهدت أسهم التكنولوجيا ضغوطاً دفعت إلى تفعيل آليات وقف التداول في بورصتي تايوان وكوريا الجنوبية، بالتزامن مع تراجعات في الأسهم اليابانية.
ورغم حدة الاضطرابات، أشار العريان إلى أن تداعياتها على توقعات النمو الاقتصادي العالمي ظلت محدودة نسبياً، إذ لم تتجه غالبية المؤسسات التحليلية إلى خفض توقعاتها لنمو الاقتصاد الأميركي، كما أظهرت سندات الأسواق الناشئة وسندات الشركات الأميركية ذات التصنيف الائتماني المرتفع قدراً من الصمود.
سوق العمل الأميركي يعزز الثقة
وجاء تقرير الوظائف الأميركي لشهر أكتوبر ليقدم مؤشراً إضافياً على متانة الاقتصاد، بعدما ارتفع عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 165 ألف وظيفة، متجاوزاً توقعات السوق البالغة نحو 59 ألف وظيفة.
كما أظهرت البيانات مراجعة بالزيادة لأرقام التوظيف في أغسطس وسبتمبر بإجمالي 84 ألف وظيفة، فيما تراجع معدل البطالة إلى 4.1%، بالتزامن مع ارتفاع معدل المشاركة في قوة العمل إلى 61.9%.
وارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.4% خلال أكتوبر، بما يعكس استمرار نمو الأجور، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي.
ولفت العريان إلى أن قوة تقرير الوظائف لم تكن مؤشراً منفرداً، بل جاءت متسقة مع مؤشرات أخرى لسوق العمل، من بينها ارتفاع الوظائف الشاغرة، وعدم ظهور مؤشرات على موجة تسريح واسعة النطاق، واستمرار طلبات إعانة البطالة الأولية عند مستويات منخفضة.
ولم تقتصر المؤشرات الإيجابية على سوق العمل، إذ ارتفعت إنتاجية العاملين في القطاع غير الزراعي الأميركي بمعدل سنوي قدره 3.6% خلال الربع الثالث من 2026، متجاوزة توقعات السوق البالغة 2.9%.
ويرى العريان أن تحسن الإنتاجية يمثل مؤشراً مهماً لأنه قد يسمح للاقتصاد بتحقيق نمو أكبر دون زيادة مماثلة في الضغوط التضخمية، وهو ما يمنح الأسواق وصناع السياسة النقدية، ومن بينهم الاحتياطي الفيدرالي، قدراً من الارتياح.
بنك إنجلترا والبرازيل.. إشارات نقدية متباينة
وعلى الجانب الأوروبي، رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4%، في قرار جاء متوقعاً من حيث النتيجة، لكن تفاصيل التصويت عكست توجهاً أكثر تشدداً مما كانت تتوقعه الأسواق.
وصوت 8 أعضاء لصالح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، مقابل عضو واحد فضل زيادة أكبر بمقدار 50 نقطة أساس.
كما أشار البنك إلى احتمال ارتفاع التضخم البريطاني إلى نحو 5% بحلول منتصف العام المقبل، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والصراع في الشرق الأوسط.
وفي البرازيل، أبقى البنك المركزي سعر الفائدة الأساسي «سيليك» دون تغيير عند 13.75%، بعد خمس تخفيضات متتالية، مع تبني نبرة حذرة إزاء الأوضاع المالية المحلية وتوقعات التضخم.
النفط والسندات والذهب تحت تأثير التحولات الجيوسياسية
ولم تقتصر إعادة تسعير المخاطر على أسواق الأسهم، إذ شهدت أسعار النفط تراجعاً حاداً مع انحسار جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية، وسط مؤشرات على تغير المسارات الدبلوماسية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
وهبط خام برنت دون مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلاً انخفاضاً بنحو 9% خلال جلسة الأربعاء وحدها.
وأسهم تراجع أسعار الطاقة في دعم أسواق السندات الحكومية، مع انخفاض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، لينهي الأسبوع عند 4.86%.
وفي المقابل، استقر الذهب عند نحو 4,079 دولاراً للأوقية، بينما تراجع بيتكوين إلى ما دون 80 ألف دولار، وأنهى مؤشر الدولار الأميركي تعاملات الأسبوع عند 102.23 نقطة، مستعيداً تقريباً كامل خسائره المسجلة في منتصف الأسبوع.
التضخم الأميركي في صدارة اهتمامات المستثمرين
وبالنظر إلى الأسبوع المقبل، يتوقع العريان أن تتجه أنظار المستثمرين إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية المهمة في الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها بيانات التضخم الأميركية.
ومن المنتظر صدور مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي لشهر أكتوبر الثلاثاء، مع توقعات بارتفاع التضخم العام بنسبة 0.3% على أساس شهري، مقارنة بزيادة 0.6% في سبتمبر، فيما يُتوقع أن يرتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.2% مقابل 0.3% في الشهر السابق.
كما تترقب الأسواق صدور مؤشر أسعار المنتجين الجمعة، بحثاً عن إشارات إضافية بشأن اتجاه الضغوط التضخمية في سلاسل الإنتاج.
وتشمل البيانات الأميركية الأخرى طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، وطلبات الرهن العقاري، وتوقعات التضخم لدى المستهلكين، وبيانات عجز الموازنة الفيدرالية، إلى جانب متابعة نتائج مزادات سندات الخزانة.
وفي بريطانيا، تتجه الأنظار إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث، والإنتاج الصناعي والخدمات والتجارة، بينما تصدر منطقة اليورو التقدير الثاني لنمو الاقتصاد خلال الربع نفسه، إلى جانب بيانات التوظيف والتجارة وثقة المستثمرين.
أما في آسيا، فتترقب الأسواق بيانات التضخم وأسعار المنتجين والتجارة في الصين، وبيانات أسعار المنتجين والإنفاق الأسري والتجارة وميزان المدفوعات في اليابان، فضلاً عن بيانات التضخم والتجارة في الهند.
وفي أميركا اللاتينية، ستوفر محاضر اجتماع البنك المركزي البرازيلي وبيانات مبيعات التجزئة مؤشرات إضافية بشأن توجهات السياسة النقدية، بينما تتابع الأسواق بيانات التضخم والإنتاج الصناعي والأجور في المكسيك.
4 تحديات أمام الأسواق العالمية
وخلص العريان إلى أن الأسواق أظهرت قدرة ملحوظة على الصمود رغم موجة البيع الحادة التي شهدتها أسهم التكنولوجيا، مدعومة بقوة سوق العمل الأميركي وتحسن الإنتاجية.
لكنه حذر من أن عدداً من التحديات الهيكلية لا يزال قائماً، أبرزها حجم المكاسب الإنتاجية التي يمكن أن تحققها التكنولوجيا وتوقيت ظهورها، واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، وضخامة إصدارات السندات الحكومية، فضلاً عن احتمالات تغير الحدود التنظيمية التي تحكم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لا تقتصر تساؤلات المستثمرين على قدرة الشركات التكنولوجية على تحقيق عوائد من استثماراتها الضخمة، بل تمتد إلى البيئة السياسية والتنظيمية التي ستحدد مدى قدرتها على مواصلة التوسع خلال السنوات المقبلة.