روكب اليوم
2025-11-29 14:48:00

تكشف الأرقام النهائية اتجاهاً مزدوجاً، إنفاقاً أعلى لكن بسلوك أكثر حذراً، وعدداً أقل من السلع في سلّة الشراء مقارنة بالسنوات السابقة.
مبيعات قياسية رغم التضخم
أظهرت بيانات «أدوبي أناليتيكس» أن الإنفاق عبر الإنترنت خلال «الجمعة السوداء» وصل إلى 11.8 مليار دولار، بزيادة 9.1% على العام الماضي، وهو أعلى مستوى يُسجَّل حتى الآن لهذا الحدث.
وتعتمد «أدوبي» في تقديراتها على تتبّع أكثر من تريليون زيارة لمواقع البيع بالتجزئة في أميركا، ما يجعل هذه القراءة من أكثر المؤشرات دقة حول سلوك المستهلكين خلال موسم العطلات.
وتُرجّح الشركة أن يصل الإنفاق إلى 5.5 مليار دولار اليوم السبت، و5.9 مليار دولار يوم الأحد، بارتفاع 3.8% و5.4% على التوالي عن العام الماضي، ما يعكس استمرار الزخم طوال عطلة نهاية الأسبوع.
اختلاف في الأرقام لكن الاتّجاه واحد
من جهتها، قدّمت «سيلزفورس» تقديرات أعلى بكثير، إذ قالت إن المستهلكين الأميركيين أنفقوا 18 مليار دولار في يوم الجمعة السوداء وحده، بزيادة 3% على العام الماضي.
وتشير بياناتها إلى أن الأزياء الفاخرة والإكسسوارات كانت بين أكثر الفئات جذباً للمشترين، في إشارة إلى استمرار الطلب على السلع المرتبطة بالطبقات الأعلى دخلاً.
لكن الشركة أوضحت أيضاً أن ارتفاع الأسعار أدى إلى انخفاض عدد السلع المشتراة في كل عملية دفع، رغم ارتفاع إجمالي الإنفاق، ما يعكس التوتر القائم بين رغبة المستهلك في الاستفادة من الخصومات وبين حذره من التضخم وتقلّبات الدخل.
مزاج المستهلكين.. حضور في المتاجر ولكن بحذر
في المتاجر التقليدية، بدا الإقبال طبيعياً دون الطوابير الطويلة التي ميّزت سنوات سابقة.
قال بعض المتسوّقين إنهم يخشون الإفراط في الإنفاق وسط استمرار الضغوط التضخمية وعدم اليقين المتعلق بالسياسات التجارية وسوق العمل.
وهذا السلوك المزدوج، إقبال مع تحفظ، بات سمة رئيسية لمواسم التسوّق الأميركية في العامين الأخيرين.
توقعات «سايبر مانداي».. اليوم الأكبر لا يزال في الانتظار
رغم قوة «الجمعة السوداء»، لا يزال «سايبر مانداي» الحدث الأكثر ثقلاً في موسم التسوّق.
وتتوقع «أدوبي» أن يصل الإنفاق في هذا اليوم إلى 14.2 مليار دولار، بزيادة 6.3% على العام الماضي، ليحافظ على لقبه كأكبر يوم للتجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة.
علاقة الجمعة السوداء بأحمر الشفاه
ورغم التباين بين تقديرات «أدوبي» و«سيلزفورس»، يتوافق الخبراء على أنّ جزءاً من الإنفاق الحالي يعكس ما يسمّيه الاقتصاديون «مؤشر أحمر الشفاه»، وهو مفهوم ظهر بداية الألفية على يد ليونارد لودر، وريث «إيستي لودر».
ومؤشر أحمر الشفاه (Lipstick Index)، هو مؤشر اقتصادي غير رسمي يعتمد على فكرة أن المستهلكين في فترات الركود الاقتصادي أو الأزمات يميلون لشراء الكماليات الصغيرة والرخيصة نسبياً —مثل أحمر الشفاه— بدلاً من السلع الفاخرة الباهظة.
وتفترض هذه الظاهرة أن المستهلكين، حين يشعرون بأن الاقتصاد يمر بفترة ضبابية، يميلون إلى شراء «كماليات صغيرة» أو ما يعرف بـ«الرفاهية الميسّرة»، مثل أحمر الشفاه والعطور ومستحضرات التجميل، كبديل نفسي ومعنوي عن السلع الأكبر تكلفة.
وفي موسم تتزايد فيه الضغوط التضخمية ويصعب على الكثير من الأسر شراء منزل أو سيارة أو حتى السفر، يبدو منطقياً أن تتوجّه شريحة من الأميركيين نحو سلع تمنح شعوراً فوريّاً بالتحسن دون عبء مالي كبير.
وهو ما ينسجم مع بيانات «سيلزفورس» التي أظهرت نمو الإنفاق على الأزياء الفاخرة والإكسسوارات هذا العام، رغم تباطؤ شراء السلع الأكبر حجماً.
يبقى هذا السلوك، وإن كان غير مثبت علمياً بشكل قاطع، مؤشراً يعكس جانباً مهماً من العلاقة بين الحالة النفسية للمستهلك ومسار الإنفاق في فترات التقلّب الاقتصادي.
وتشير بعض الظواهر السلوكية غير التقليدية في الاقتصاد الأميركي إلى أنّ أنماط الشراء الاستهلاكي كثيراً ما تكشف ما هو أعمق من مجرد عمليات بيع موسمية.
فكما يتعامل خبراء تحليل البيانات مع بعض المؤشرات «الناعمة»، على غرار مؤشرات تعتمد على ارتفاع الطلب في أوقات حساسة، بوصفها إشارات تساعد على قراءة المزاج العام.
ويعكس هذا إنفاق المستهلكين في «الجمعة السوداء» هذا العام ميلاً متزايداً نحو تتبع تفاصيل صغيرة في حياة الأميركيين اليومية لفهم اتجاهاتهم.
ويأتي ذلك في وقت يرتفع فيه الطلب على سلع الرفاهية الصغيرة رغم ضغوط الأسعار، ما يظهر أن المستهلك يلجأ في لحظات الغموض الاقتصادي إلى إشارات نفسية وسلوكية يصعب قياسها عبر البيانات التقليدية وحدها.