روكب اليوم
“الجواهرجي” من تأليف عمر طاهر، وإخراج إسلام خيري، ويشارك في بطولته أحمد صلاح السعدني، باسم سمرة، لبلبة، تارا عماد، وعارفة عبد الرسول، إلى جانب أحمد حلاوة في أحد أدواره السينمائية الأخيرة. ويأتي عرض الفيلم في عام 2026 بعد سنوات من التأجيل منذ بدء تصويره، ليعيد إلى الشاشة ثنائيا ارتبط بمرحلة مهمة من تاريخ الكوميديا المصرية.
“الجواهرجي” عودة متأخرة إلى كوميديا بداية الألفية
يستعيد “الجواهرجي” وصفة كوميدية تنتمي إلى نهاية التسعينيات وبداية الألفية، وهي الفترة التي صنعت نجومية محمد هنيدي ورفاق جيله؛ إذ نجد هذه الاستعادة واضحة في أسماء بطليه، محمد هنيدي ومنى زكي، وأيضا بالصورة التي كُتبت ونُفذت بها الكوميديا، التي تعتمد على سوء التفاهم الذي يتسبب في أزمات جديدة، وشخصيات تدخل الحكاية لتدفعها نحو مواقف أكثر عبثية، والاعتماد الواضح على الإفيهات اللفظية والمبالغة في ردود أفعال الشخصيات.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
نتعرف في بداية الفيلم على عمرو “محمد هنيدي” وزوجته ياسمين (منى زكي)، وهما يعيشان علاقة زوجية مضطربة، ونتيجة لذلك يلجآن إلى خبير في العلاقات الزوجية كريم (أحمد السعدني) ويضطران للاستماع إلى نصائح الأخير التي تؤدي بهما إلى المزيد من المواقف التي يحسبها صناع الفيلم كوميدية.
اجتماع كل من منى زكي ومحمد هنيدي يحمل في حد ذاته قدرا كبيرا من النوستالجيا، أو الحنين لهذه الفترة السينمائية، ومع استعادة أدوات هذه الفترة الكوميدية، يكشف الفيلم أن صناعه تناسوا أن بين تلك المرحلة و”الجواهرجي” تغير كثيرا شكل الكوميديا وطريقة استقبال الجمهور لها.
استبدل الفيلم المواقف المتتالية بالبناء الدرامي المحكم، فالأحداث موجودة لتوصيل الشخصيات إلى الإفيه التالي، أو الحدث المضحك التالي، ومع تعدد الشخصيات والخطوط الجانبية، يظهر اعتماد الفيلم على تراكم المواقف، ما ينعكس على تماسك السيناريو وإيقاعه.
استعادة أساليب سينمائية أحيانا تكون خيارا فنيا ناجحا إذا أُعيد تقديمها من منظور معاصر، غير أن ذلك لم يحدث في حالة “الجواهرجي”، ومن هنا نشأت الفجوة بين زمن الشخصيات والأحداث من جهة، وزمن الجمهور الذي يشاهدها من ناحية أخرى.
تغيرت الكوميديا المصرية إلى حد كبير منذ مرحلة صعود محمد هنيدي وعلاء ولي الدين وغيرهما، وانتقلت تدريجيا من الاعتماد على النجم الذي يحمل الفيلم بخفة ظله، وأصبحت أكثر ارتباطا بالموقف وطبيعية الشخصيات نفسها، كما تغيرت علاقة الجمهور بالإفيه المباشر، بعدما تعرض لأنماط مختلفة من الكوميديا عبر المنصات والمسلسلات ومواقع التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبدو “الجواهرجي” أحيانا كأنه يخاطب جمهورا من زمن سابق، ويطلب من أدوات ذلك الزمن أن تؤدي الوظيفة نفسها أمام جمهور تغيرت توقعاته.
عودة هنيدي ومنى زكي في هذه الحالة تصبح عملة ذات وجهين، فهي من ناحية تمنح الفيلم فرصة لاستعادة ثنائي محبوب، ومن ناحية أخرى تضع هذا الثنائي في مواجهة مباشرة مع ذاكرة الجمهور، الذي لا يقارن فقط بين النجمين في الماضي والحاضر، إنما يقارن بين كوميديا “الجواهرجي” والكوميديا التي جعلت هذا الثنائي جزءا من ذاكرته.
حبكة مفككة وشخصيات بلا أثر
تظهر المشكلة الأساسية في “الجواهرجي” في السيناريو؛ إذ يمتلك الفيلم فكرة قابلة لصناعة كوميديا اجتماعية مقبولة تجاريا، لكنه لا ينجح في تحويلها إلى حكاية متماسكة. وينتقل بالشخصيات بين مواقف متفرقة، من دون أن يمنح أيا منها فرصة حقيقية لإحداث تغيير في الشخصيات أو مسار الأحداث. فكل موقف يبدو وحدة منفصلة، غايتها الوصول إلى إفيه أو لحظة يُفترض أن تكون مضحكة؛ لذلك لا يشعر المشاهد بأن الأحداث تتجه نحو نقطة محددة.
ويتجلى هذا الارتباك أيضا في بعض العناصر التي يطرحها الفيلم ثم يهملها. ففي البداية، يُظهر عمرو تعلقه الشديد بعقد أثري ورثه عن والده، قبل أن يتوارى العقد طوال الأحداث، ثم يظهر مجددا في النهاية ليصبح محورا أساسيا في الخاتمة.
ويبدو ذلك أكثر وضوحا في شخصية غازي الشيال، التي يقدمها باسم سمرة؛ إذ يوحي ظهورها بأنها ستصبح جزءا مؤثرا من الصراع، أو خصما يفتح مسارا جديدا في حكاية عمرو وياسمين. لكن الفيلم لا يستثمر هذا الاحتمال، فتبدو الشخصية، بعد مشهدين، كأنها تنتمي إلى فيلم آخر.
ولا تتعلق المشكلة بمساحة الدور أو عدد مشاهده، بل بالوظيفة التي تؤديها الشخصية السينمائية، سواء أكانت رئيسية أم ثانوية؛ إذ يُفترض أن تُحدث تغييرا في الشخصيات الأساسية أو تدفع الأحداث في اتجاه جديد. أما حين تظهر شخصية ثم تختفي من دون أن تترك أثرا في الصراع، فإن وجودها يصبح زائدا، مهما امتلك الممثل الذي يؤديها من قدرة على منحها تفاصيل مميزة.
وكان من الممكن لشخصية غازي أن تمنح الفيلم خصما واضحا، وأن تخرج الأزمة الزوجية من دائرة المواقف المتكررة، أو أن تصنع مفارقات كوميدية جديدة، أو حتى أن يُستغنى عنها تماما. أما وجودها بهذه الصورة، فيظل لغزا يصعب تفسيره.
وليست هذه الشخصية اللغز الوحيد في الفيلم، ولا الحبكة الفرعية الوحيدة التي تُطرح ثم تُهمَل كأنها لم تكن. يتكرر الأمر مع الخيانة الزوجية، وكذلك مع تبادل الزوجين للأدوار، حين يتولى الزوج المهام المنزلية بينما تمارس الزوجة عمله. فجميعها محطات عابرة يمكن حذفها من دون أن يتأثر مسار القصة؛ لأن الحبكة، في الأساس، تفتقر إلى التماسك.
كان كثيرون ينتظرون من “الجواهرجي” أن يمثل عودة لمحمد هنيدي، بعد سلسلة من الأفلام المتواضعة والمتشابهة، لكنه جاء امتدادا جديدا لهذه الإخفاقات. وحتى عودته إلى العمل مع منى زكي، شريكة أحد أبرز نجاحاته السابقة، لم تنقذ الفيلم أو تعِد نجمه إلى مكانته المنتظرة.