العالم بين خيارين: ذكاء اصطناعي أميركي باهظ أو صيني مجاني ومفتوح : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-09-26 10:23:00

1707024

يبدو أن التطورات السريعة التي حققها الذكاء الاصطناعي الصيني خلال العام الماضي دفعت واشنطن إلى التعامل بجدية أكبر مع احتمال أن تتجاوز الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الولايات المتحدة في سباق تكنولوجي يزداد احتداماً.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق من سبتمبر/أيلول: «نحن نتقدم على الصين في الذكاء الاصطناعي، وبصراحة، أريد أن يبقى الأمر كذلك، لأن من يتقدم في الذكاء الاصطناعي يفوز».
وتعكس تصريحات ترامب حجم الرهان في المنافسة التكنولوجية بين أميركا والصين، التي باتت تُطرح بصورة متزايدة باعتبارها منافسة ذات تداعيات استراتيجية واسعة.

تفوق أميركي ونموذج صيني مختلف

تمتلك الولايات المتحدة أفضلية واضحة، بفضل مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، وأحدث الرقائق، والمستثمرين ذوي الملاءة المالية الضخمة، وتستخدم واشنطن هذه الهيمنة أيضاً لدفع دول حول العالم إلى اختيار أحد المعسكرين في سباق التكنولوجيا.

لكن الصين تطرح رؤية قد تكون أكثر جاذبية بالنسبة إلى كثير من الدول، إذ إنها رغم تأخرها عن الولايات المتحدة في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تعمل سريعاً على تقليص الفجوة، مع التركيز على منظومة أكثر انفتاحاً تقوم على سهولة الوصول وانخفاض التكلفة.

الصين تبني تحالفاً بديلاً

في يوليو/تموز، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، في إطار رؤية بديلة لتحالف «باكس سيليكا» الذي شكله ترامب العام الماضي بهدف تقليص الاعتماد على الصين في سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي.

وفي حين انضمت أكثر من 20 دولة والاتحاد الأوروبي إلى «باكس سيليكا»، نجح شي في استقطاب 29 دولة، من بينها روسيا وإندونيسيا وباكستان، إلى رؤيته البديلة القائمة على النماذج المفتوحة.
وتتيح هذه النماذج للمستخدمين تنزيلها وتخصيصها وتشغيلها بحرية، من دون دفع رسوم مرتفعة لشركات أميركية مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

النماذج الصينية تجذب دول الجنوب

قال إريك أولاندر، رئيس تحرير وكالة «مشروع الصين والجنوب العالمي»، إن نموذجاً صينياً منخفض التكلفة من «ديب سيك» أو «مونشوت» قد يكون أكثر فائدة للمطورين في دول الجنوب العالمي من نظام أكثر تطوراً بفارق محدود، لكنه يتطلب اشتراكاً مرتفع التكلفة والوصول إلى مزود خدمات سحابية أجنبي.

وفي ظل المخاوف من التهديد المحتمل للذكاء الاصطناعي للبشرية، وتصاعد الدعوات لإنشاء هيئة رقابية عالمية، أصبح الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في قمة ترامب وشي هذا الأسبوع.

وقال شي خلال محادثاته مع ترامب إن النهج الصحيح تجاه الذكاء الاصطناعي هو «الاستفادة من نقاط قوة كل طرف، وليس التحوط ضد الطرف الآخر»، في إشارة إلى مخاوف بكين من سياسة الاحتواء الأميركية، بدءاً من القيود الحالية على صادرات التكنولوجيا ووصولاً إلى القيود المحتملة على الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن بإمكان البلدين مواصلة الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي، وتبادل وجهات النظر بشأن مخاطره وفوائده، والعمل معاً لمنع إساءة استخدام التكنولوجيا.

لكن القمة لم تسفر عن تقدم كبير في ملف الذكاء الاصطناعي، باستثناء الاتفاق على حوار رسمي وإنشاء قناة اتصال ثنائية، وهما مقترحان جرى بحثهما قبل القمة، ما يسلط الضوء على عمق انعدام الثقة المتبادل واختلاف الرؤى بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.

لماذا تراهن الصين على النماذج المفتوحة؟

لم يكن توجه الصين نحو الأنظمة المفتوحة دائماً استراتيجية مركزية تقودها بكين من أعلى إلى أسفل.

فقد دفعت القيود الأميركية على الوصول إلى أحدث الرقائق، إلى جانب صغر أسواق رأس المال الصينية مقارنة بالولايات المتحدة، المطورين الصينيين إلى تبني النماذج المفتوحة كوسيلة لمنافسة الأنظمة الأميركية المملوكة للشركات.

فخلال عام واحد، ارتفعت حصة استخدام النماذج الصينية عالمياً من أقل من 15% إلى أكثر من 54% الأسبوع الماضي، بقيادة «ديب سيك»، وفق بيانات منصة «أوبن روتر» لتصنيف النماذج، وهي سوق للنماذج المتاحة للمستخدمين.

شركات أميركية تستخدم النماذج الصينية

حتى شركات أميركية، من بينها «إير بي إن بي» و«دور داش» و«شوبيفاي»، بدأت استخدام نماذج صينية، مستفيدة من مزايا الأنظمة المفتوحة، ومنها انخفاض التكلفة والمرونة الأكبر في التخصيص.

وقال أولاندر إن الشركات، سواء كانت أميركية أو من دول أخرى، تفضل عموماً تنويع موردي التكنولوجيا بدلاً من اختيار أحد الطرفين.

وقد ينتشر الذكاء الاصطناعي الصيني عبر شبكات الاتصالات والحوسبة السحابية والأجهزة الموجودة بالفعل، خصوصاً في الأسواق الناشئة التي تتمتع فيها الشركات الصينية بشبكات توزيع واسعة.

وأضاف أولاندر أن «ديب سيك» أو «مونشوت» قد لا تحققان أرباحاً ضخمة بالضرورة، لكن الشركات المحيطة بهما، مثل «هواوي» و«زد تي إي» وغيرها من الشركات التي تقدم الدعم والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد تحقق استفادة كبيرة.

من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي؟

يبقى مفهوم «الفوز» في سباق الذكاء الاصطناعي غير محدد بدقة، إذ يمكن أن تؤدي معايير مختلفة، مثل الربحية أو الحصة السوقية، إلى إجابات مختلفة.

وضرب أولاندر مثالاً بشركة «أبل»، متسائلاً عما إذا كانت الشركة «تفوز» فعلاً في سباق الهواتف المحمولة، قائلاً إن عدد مستخدمي منتجاتها أقل، لكنها تستحوذ على 90% من الأرباح.

وأضاف أن النتيجة المحتملة لسباق الذكاء الاصطناعي قد تكون مشابهة، بحيث تستحوذ الولايات المتحدة على الأرباح، بينما تجمع الصين المستخدمين.

ومع استمرار تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، قد تصبح الفروق بين النماذج الأكثر تقدماً والأنظمة الأقل تطوراً بفارق محدود أقل وضوحاً بالنسبة إلى معظم المستخدمين والشركات.

وقد تحتاج بعض الشركات إلى النماذج الأميركية المتقدمة، في حين تجد شركات أخرى أن النماذج الصينية كافية وفعالة بالنسبة إلى احتياجاتها.

وقال تشوتشنغ فنغ، الشريك المؤسس في شركة «هوتونغ ريسيرش» الاستشارية، إن السؤال بالنسبة إلى معظم الناس حول العالم سيكون في النهاية حول نوع المقايضة التي يريدونها: «هل أريد نموذجاً تكلفته أعلى 10 مرات لكنه متقدم بستة أشهر، أم نموذجاً يكلف عُشر السعر لكنه متأخر ستة أشهر فقط؟».

حدود الانفتاح الصيني

مع ذلك، قد تعتمد جاذبية النماذج الصينية على مدى استمرار إتاحتها دون قيود، وفقاً لخبراء.

وخلال مؤتمر الصين الرئيسي للذكاء الاصطناعي في يوليو/تموز، دعا شي إلى مزيد من الانفتاح والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة وضع قواعد تنظيمية لضمان بقاء التكنولوجيا تحت السيطرة البشرية.

وقال أليكس كولفيل، المحلل المتخصص في التكنولوجيا والأمن لدى «المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية»، إن زيادة قدرات النماذج الصينية قد تجعل من غير المرجح أن تتركها بكين من دون قيود.

وأوضح أن بكين تريد تصدير التكنولوجيا الصينية لتعزيز نفوذها الدولي، لكن الأمن القومي يأتي دائماً في المقام الأول.

وأضاف أن القيود قد تُفرض على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بقدرات سيبرانية متقدمة، إذا كان من الممكن إساءة استخدامها بطريقة تهدد الصين.

الصين قد تمزج بين الانفتاح والقيود

يرى كولفيل أن المرحلة المقبلة لن تشهد تحولاً نحو الإغلاق الكامل أو الانفتاح الكامل، بل مزيجاً من الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر والأنظمة المغلقة، لأن كليهما يخدم المصالح الوطنية الصينية.

وبدلاً من فرض حظر شامل، قد تستخدم بكين قواعد الترخيص لتقييد الأماكن التي يمكن فيها استخدام نماذج معينة.

وسارعت شركات تطوير عالمية وحكومات إلى الاستفادة من النماذج الصينية المفتوحة، بهدف تطوير قدراتها السيادية في مجال الذكاء الاصطناعي وتجنب الاضطرار إلى اختيار أحد المعسكرين.

لكنها تواجه الآن تساؤلات بشأن المدة التي ستظل خلالها هذه النماذج متاحة ومفتوحة، إذ قد تضطر الصين إلى تقييد نشر أقوى نماذجها المفتوحة لمنع ما وصفته ريفا غوجون، مديرة متخصصة في الصين لدى «روديوم غروب»، بـ«الفوضى السيبرانية».

وقالت غوجون إن استراتيجية الصين ستظل أكثر جاذبية للعالم طالما ظلت النماذج متاحة ومفتوحة بما يسمح بتبنيها وتطويرها لتلبية احتياجات الاستخدام المحلي واحتياجات الشركات.

اتهامات أميركية بسرقة الأسرار

مع طرح الشركات الصينية نماذج تتمتع بقدرات متزايدة وتقترب من أداء أكثر النماذج تقدماً لدى «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، صعّدت واشنطن اتهاماتها للصين بما وصفته بـ«سرقة الأسرار التجارية الأميركية على نطاق صناعي».

وأصدرت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» تقارير قالتا فيها إن مختبرات صينية رائدة للذكاء الاصطناعي درّبت نماذجها باستخدام مخرجات أنظمة أميركية، في عملية تُعرف باسم «التقطير».

وفي تقرير مطول صدر في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، قالت «أنثروبيك» إن «ديب سيك» و«مونشوت» أرسلتا بعض طلبات العملاء إلى «كلود» بهدف تدريب نماذجهما وتحسينها، وفي بعض العمليات تعرضت معلومات حساسة للكشف.

ورفضت بكين مراراً اتهامات التقطير، فيما لم ترد «ديب سيك» و«مونشوت» على طلب «سي إن إن» للتعليق.

وقالت غوجون إن نظام الرقابة الأميركي على الصادرات يتضمن ثغرات، من بينها استمرار إمكانية وصول الصين إلى قدرات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي الأميركي عبر مراكز بيانات موجودة في الخارج، ما يجعل من الصعب تحديد مدى اعتماد المطورين الصينيين على التقطير في تطوير نماذجهم المتقدمة.

خلاف داخل قطاع التكنولوجيا الأميركي

طرحت واشنطن إمكانية فرض عقوبات وقيود أخرى على النماذج الصينية المفتوحة.

لكن «إنفيديا» و«ميتا» و«مايكروسوفت» وعشرات الشركات الأخرى حذرت في رسالة مفتوحة خلال يوليو/تموز من فرض «قيود شاملة» على النماذج المفتوحة، ما كشف عن خلاف بين شركات التكنولوجيا الأميركية والإدارة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع هذه النماذج.

رغم تصاعد الدعوات لمنع خروج تطور الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، لم تسفر قمة ترامب وشي عن خطوات جوهرية في هذا الملف، كما توقع كثير من الخبراء.

وقال جورج تشين، رئيس قطاع الممارسات الرقمية لدى شركة «ذا آسيا غروب» الاستشارية، إن مستويات الثقة المنخفضة تجعل التعاون بين القوتين محدوداً.

وأضاف أن بكين لا تزال تعتقد أن واشنطن تسعى إلى احتواء صعود الصين في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة الأخرى، وهو تصور سيؤثر في وتيرة ونطاق أي انخراط مستقبلي بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي.

(جون ليو روكب اليوم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks