​المقاهي اليمنية في أمريكا..تُجسيد لتاريخ وثقافة اليمن والخليج

روكب اليوم

 من الواضح أن الشعبية الهائلة للمقاهي اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية قد ساهمت تعزيز صورة مختلفة على اليمن في الوقت الذي تتوسع وتتطور اكثر، وخلال السنوات الماضية أصبحت وجهات محببة للطلاب وعشاق القهوة على حد سواء من الأمريكيين.

لكن المقاهي اليمنية، شهدت مؤخراً تحولاً في هويتها البصرية وتصاميمها الداخلية، على غرار مقاهي في دول الخليج، فبالإضافة إلى نجاحها اللافت في نقل ثقافة اليمن للأمريكيين، باتت أيضاً سفيراً للثقافة الخليجية، فما الذي يقف وراء ذلك؟ يتساءل مقال مجلة ذا نيشن «The Nation» الأمريكية.

وأسهم انتشار المقاهي اليمنية في الولايات المتحدة، في تقديم صورة مختلفة عن اليمن، بعيدًا عن الصورة التي ارتبطت بالحرب، من خلال إبراز جوانب من الثقافة والهوية والتراث اليمني، إلى جانب دورها المهم في الترويج للقهوة اليمنية.

داخل مقهى ‹قهوة تايم› وهو مقهى يمني في وسط مدينة بروكلين الأمريكية تفوح رائحة قهوة الهيل المنعشة والدافئة في الأرجاء، تتساقط شرائح خشبية بلون بني فاتح على السقف، تحاكي كثبان رمال الصحراء العربية. وتلتقط الأقواس الشبكية الضوء النقي المتسلل من خلالها، كل ذلك ينسجم ليشكل مشهداً بديعاً يعكس فخامة عربية راقية.

هوية المقاهي اليمنية

لطالما اشتهرت المقاهي اليمنية في الولايات المتحدة بزخارفها الملونة، وخطوطها العربية، ورسوماتها التي تُجسد تاريخ ثقافة القهوة في اليمن، ولكن مع افتتاح مئات المقاهي في أنحاء الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، في ما يُمكن وصفه بـ‹طفرة يمنية› تشهد هذه المقاهي تحولاً جذرياً في تصميمها.

فالمواقع الجديدة تتجه بشكل متزايد نحو البساطة العصرية ذات الطابع العالمي، والنتيجة تبدو وكأنها مُستوحاة من مراكز التسوق في دبي، وفق المجلة الأمريكية.

يشرح عادل الذي افتتح “مقهى تايم” العام الماضي، التوازن الدقيق الذي طلب من مصمم الديكور الداخلي المقيم في دبي اتباعه في تصميم مقهاه، قائلاً: “قليل من الطابع اليمني، مجرد لمسة بسيطة لكن في الوقت نفسه، لا نريد أن نفقد هويتنا”.

لاحظ الزبائن ذلك، وتساءل أسعد دانديا، المؤرخ والمرشد السياحي في مدينة نيويورك، على «منصة إكس» عما إذا كان أي شخص آخر قد لاحظ أن المقاهي اليمنية الجديدة تتميز بطابع خليجي يتسم بـ “مظهر أنيق وبسيط مع إضاءة ساطعة، وغياب أي علامات تجارية أو زخارف، والتركيز على جاذبية الصورة على حساب المذاق”.

وقد لاقى المنشور تفاعلاً واسعاً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وقال دانديا لمجلة ذا نيشن: “لقد صُدمت حقاً عندما رأيت كل هؤلاء الأشخاص يتفاعلون ويقولون: يا رجل كنت أفكر في الأمر نفسه”.

يقول حمزة ناصر، مالك سلسلة مقاهي حراز في ميشيغان، إنه قلل من مظاهر الثقافة اليمنية الصريحة التي كانت “مبالغًا فيها” مع توسع سلسلة مقاهيه لتشمل عشرات الفروع على مستوى البلاد، أملًا في استقطاب شريحة أوسع من الزبائن.

وروى قصة جندي أمريكي سابق، بدا طوله مترين تقريبًا، دخل أحد مقاهيه الأولى في بلانو، تكساس، ليسأل إن كان مسموحًا لغير المسلمين بالدخول. يتذكر ناصر قائلًا: “قلت له: بالطبع مسموح لك. من قال إنك ممنوع؟ فقال إنه لا يريد أن يقتحم المكان أو أن يكون وقحًا”.

أكدت تلك التجربة لناصر ضرورة اتباع نهج مختلف في تصميم المقاهي الخاصة به، ويعد ‹مقهى هاوس› – السلسلة التي تعد نموذجًا للمقاهي اليمنية – يزين جدارًا بلوحة جدارية لشجرة عائلة مؤسسه إبراهيم الحصباني، في فرعه الشهير الواقع في ‹ويست فيليدج› وهو حي سكني وتاريخي شهير غربي مانهاتن بمدينة نيويورك.

لكن هذا تحديدًا ما يسعى ناصر لتجنبه في تصميم أجواء مقاهيه. يقول: ‹لا أريد أن يدخل الناس ويرون صوري وصور أجدادي على الجدران، بل أريدهم أن يدخلوا ويروا المنتجات، وأن يستمتعوا بتصميم عصري وجميل›.

التخلي عن الهوية التقليدية
قد لا تتناسب الجماليات اليمنية التقليدية دائمًا مع ثقافة المقاهي الأمريكية الحديثة، حيث غالبًا ما ينشغل الناس بأجهزة الكمبيوتر المحمولة بدلًا من التفاعل فيما بينهم، وفق لورين ناصيف، مصممة الديكور الداخلي لعشرات مقاهي حراز وغيرها.

وقالت: “إن الألوان الداكنة والإضاءة الخافتة التي تميز المقاهي اليمنية التقليدية أقل ملاءمة للطلاب الباحثين عن مكان للدراسة لأكثر من ساعتين”.

وتضيف ناصيف، التي نشأت في الكويت: “عندما تدخل مكانًا نظيفًا وأنيقًا بألوان فاتحة، أعتقد أن ذلك يؤثر عليك نفسيًا ويجعلك ترغب في الجلوس لفترة أطول”.

وتتابع: “نهجي هو استلهام بعض عناصر الثقافة، ثم إعادة التفكير في كل شيء وتصميمه بطريقة تتناسب مع عصرنا الحالي، خاصةً مع تغير الجمهور المستهدف”.

استلهم “مطعم حراز” بطابعه البسيط والفخم في آنٍ واحد، من زيارات ‹ناصر› لعائلته في دبي، ما دفعه إلى استحضار أجواء الجودة التي تشتهر بها هذه المدينة الخليجية. ففي نهاية المطاف باتت مدينة دبي بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة، رمزاً للثقافة العربية والإسلامية الراقية والمتميزة.

وقد تعززت جاذبية دبي أكثر مع الانتشار الواسع لشوكولاتة دبي، ولا سيما شوكولاتة الفستق التي اجتاحت جيل الألفية حول العالم، وبات من الصعب إيجاد متجر أو سوبر ماركت في الولايات المتحدة لا يعرض على الأقل بعض منتجات شوكولاتة دبي، حتى أن ستاربكس وبلانك ستريت باتا يقدمان قهوة الفستق.

دفعت هذه المكانة الثقافية الجديدة “ناصر” إلى إعادة تسمية العديد من المنتجات: فكعكة الفستق من حراز، على سبيل المثال، أُعيد إطلاقها باسم “كعكة دبي” في أعقاب رواج الشوكولاتة. يقول ناصر: “لقد جلب لنا ذلك عملاء جدد كانوا يبحثون عن رواج دبي”.

يقول وليد مهدي، الأستاذ والخبير في الثقافة اليمنية الأمريكية بجامعة أوكلاهوما “إن استخدام علامة دبي التجارية يندرج ضمن تاريخ طويل من استغلال التجار اليمنيين المهاجرين للتصورات الغربية عن الزخارف العربية الغريبة”.

وأضاف مهدي: “لطالما أدت هذه التصورات الاستشراقية إلى ظهور مطاعم يمنية تحمل أسماءً مثل علي بابا، علاء الدين، أو حتى السجادة السحرية”.

هل تنقل المقاهي نمط الخليج؟

بخصوص مدينة دبي، يرى ياسر الششتاوي، الباحث في التخطيط العمراني الخليجي بجامعة كولومبيا، بأنه لا يوجد أسلوب معماري واحد يُحددها، لكن سمتها المميزة هي تحويل الفضاء الحضري إلى سلعة، والنظر إلى الأرض والبيئة المبنية كأصول تهدف إلى تعظيم الربح بدلاً من كونها منافع عامة.

ولهذا الغرض – كما يقول – هُدمت مناطق تاريخية في المنطقة إلى حد كبير وأُعيد بناؤها كـ ‹متاحف مفتوحة› وظيفتها جني أكبر قدر ممكن من عائدات السياحة. ويضيف: “إنها بيئة زائفة، تفتقر تمامًا إلى الأصالة، وهي بالنسبة لي، تُمثل جوهر النموذج العمراني الخليجي”.

وبينما تتميز المراكز الحضرية العربية التاريخية بحيوية غير رسمية تتفاعل فيها فئات اجتماعية واقتصادية متنوعة، يرى الششتاوي أن مدن الخليج تجعل أجزاءً كبيرة منها بعيدة المنال عن معظم الناس الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الإنفاق فيها.

ويقول: “إن أحد المبادئ الأساسية لدى العديد من دول الخليج عند تصميم مدنها وهندستها المعمارية هو محو الماضي وتبني الحداثة الغربية. فمرحلة ما قبل النفط مرتبطة بالفقر والمعاناة، لذا أرادوا الابتعاد عن ذلك نحو رؤية أكثر تقدماً”.

لقد نجحت دول الخليج في محاكاة هذا النمط الحضري النيوليبرالي الغربي لدرجة أنها ربما أصبحت مرتبطة بهذه الظاهرة أكثر من الغرب نفسه. وكما يشير الششتاوي، يُطلق على مشروع هدسون ياردز في نيويورك غالبًا اسم “دبي الصغيرة في مانهاتن”.


نجاح رغم المخاطر

المخاطر التي تواجه المقاهي اليمنية أقل بكثير من تلك التي تواجهها الطموحات الجيوسياسية لبعض دول الخليج، لكن أصحاب المقاهي ومصمميها يسعون أيضاً إلى إظهار رؤية مماثلة للتقدم.

ورغم أن طموحات المقاهي اليمنية لا تُقارن بحجم المشاريع والطموحات الجيوسياسية الإماراتية – وفق المجلة الأمريكية – فإن مالكيها ومصمميها يحاولون أيضًا تجسيد رؤية تعكس النجاح والتطور والحداثة.

يلاحظ مختار الخنشلي – وهو رائد أعمال ساهم بريادة القهوة اليمنية في الغرب – إلى وجود حلقة تأثير ثقافي متبادلة، فالمقاهي في دول الخليج تتبنى التصاميم العصرية المستوحاة من المقاهي الغربية والمهيأة لمنصات مثل إنستغرام، بينما تستلهم المقاهي اليمنية في الولايات المتحدة من نماذج المقاهي الخليجية.

يقول الخنشلي: ‹إنها عملية إعادة تغليف لما أُعيد تغليفه أصلًا، مع إضافة لمسة من الهوية اليمنية›  ويضيف ‹لدينا نوع من عقدة النقص التي تجعلنا نشعر بأن علينا محاكاة المظهر الغربي حتى نبدو متطورين. ولا أعتقد أن الأمر يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بالرغبة في الظهور بمظهر حديث وناجح›.

إذا كانت هذه العلامة التجارية المتميزة تجذب عملاء ذوي إنفاق أعلى، فمن الطبيعي أن يستغلها رواد الأعمال اليمنيون الأمريكيون عندما يكون منتجهم قهوة فاخرة باهظة الثمن.

يقول الششتاوي: “يصبح التصميم الداخلي والهندسة المعمارية أدوات لتحقيق هذا الهدف. إنها تُفيد قاعدة العملاء، وتُفيد المستثمر. أما ما إذا كانت تُسهم في بناء مدينة شاملة، مدينة نابضة بالحياة يشعر فيها الجميع بالترحيب، فهذا موضوع آخر”.

على الرغم من أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك خطأ في امتلاك المقاهي اليمنية لاستراتيجية عمل، إلا أن الششتاوي يرى أن المشكلة تكمن في أن يصبح هذا النموذج هو الخيار الوحيد.

يقول الششتاوي: “إذا كنت ترغب في الذهاب إلى مقهى حيث يمكنك العمل دون أن تُزعجك أصوات الناس الصاخبة، أو تريد بيئة أكثر صخباً وحيوية فيجب أن يكونا ذلك متاحين، تكمن المشكلة في أماكن مثل الخليج في أنها تستهدف بشكل متزايد النوع الأول، أي هذه الأماكن الأكثر رقيًا والمُصممة خصيصًا للتجارة”.

من الواضح أن نموذج العمل هذا ناجح -وفق المجلة الأمريكية- حيث لا توجد أي مؤشرات على تباطؤ موجة شعبية المقاهي اليمنية، لكن هذا يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج على المدى البعيد.

ويرى الخنشلي أن فقاعة المقاهي اليمنية الأمريكية على وشك الانفجار أيضاً. وقال: “كيف يُمكن افتتاح 200 مقهى في عام واحد في جميع أنحاء البلاد وضمان أن كل مقهى يلتزم بمعايير الجودة العلامة التجارية، واستراتيجية التوريد؟ هذا مستحيل”.

المقاهي وصورة اليمن

وما يزال من المبكر معرفة ما إذا كانت المقاهي اليمنية ستواجه موجة تراجع لكن ما دامت تواصل ازدهارها، فإن النقاش حول هويتها وطابعها الثقافي سيبقى حاضرًا.

واعترض “عادل” مالك مقهى «قهوة تايم» على الربط التلقائي بين الفخامة العربية ودبي، وقال: “يعتقد بعض الناس أن اليمن لا يملك شيئًا يُذكر، لكن إذا زرت صنعاء أو عدن فلن تصدق ما ستراه”. وأضاف: “أريد أن أُظهر للناس أن اليمنيين قادرون أيضًا على تقديم الفخامة”.

إن تقديم صورة إيجابية عن اليمن ليس بالأمر الهين، خاصة بالنسبة لبلد ارتبط حضوره في وسائل الإعلام العالمية خلال السنوات الأخيرة بالحرب الأهلية المدمرة المستمرة منذ 12 عاماً.

لذا المقاهي اليمنية لا تقتصر على بيع القهوة، بل تقوم بدور ثقافي يتجاوز الجانب التجاري. وقال مختار الخنشلي: “هذه المقاهي تمتلك أهمية كبيرة للعرب وللمسلمين عمومًا، لأنها تشكل بوابة للتعريف بثقافتهم”.

وأضاف: “معظم الأمريكيين لا يعرفون عن اليمن والشرق الأوسط إلا ما يسمعونه في الأخبار السلبية. لذلك تتحول هذه المقاهي إلى جسر يربط الناس بثقافة مختلفة ويمنحهم صورة أخرى عن المنطقة”.

قد لا توجد طريقة واحدة لتمثيل اليمن داخل مقهى يمني. لكن المؤكد أن الشعبية الكبيرة التي حققتها المقاهي اليمنية أسهمت، أكثر من أي ظاهرة أخرى في السنوات الأخيرة، في تعزيز حضور اليمن ومكانته داخل المشهد الثقافي الأمريكي الأوسع.

وقالت أشرقت صالح، رئيسة رابطة الطلبة اليمنيين في جامعة نيويورك: “بغض النظر عن شكل الديكور أو التصميم الداخلي، سيظل هذا المكان يُقدَّم ويُنظر إليه على أنه شيء يمني، هذا بحد ذاته يحقق فائدة كبيرة للمجتمع اليمني”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks