المهمة الجديدة للرؤساء التنفيذيين.. الجمع بين النمو والتحول والمرونة : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-07-09 12:45:00

1700639

بالنسبة إلى قادة الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي، أعادت الاضطرابات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط التأكيد على حقيقة صعبة مفادها أن التقلبات لم تعد اضطراباً عابراً يطرأ من حين إلى آخر، بل أصبحت سمة دائمة في بيئة الأعمال.

فعدم الاستقرار الجيوسياسي، والطفرة التقنية للذكاء الاصطناعي، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، والتغيرات المتسارعة في نماذج القوى العاملة، كلّها تحديات مستمرة تتطلب اهتماماً فورياً ومتواصلاً من الرؤساء التنفيذيين.
وبات على القيادات التنفيذية اليوم التعامل مع هذه القضايا الجوهرية في الوقت نفسه لا تباعاً. ومع ذلك، لا يبدو أن معظمهم يتبنون نهجاً دفاعياً في مواجهة هذه التحولات.

فبحسب تقرير «أجندة الرؤساء التنفيذيين لعام 2026» الصادر عن منتدى أوليفر وايمان وبورصة نيويورك، الذي يستند إلى استبيان شمل 415 رئيساً تنفيذياً يمثلون نحو 10% من القيمة السوقية العالمية، يتعامل 65% من الرؤساء التنفيذيين مع التقلبات الحالية في السوق بوصفها فرصة للتفوق على المنافسين.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن نحو ثلثي القادة يضعون النمو على رأس أولوياتهم، فيما يخطط 94% منهم لعقد صفقات اندماج واستحواذ في المستقبل القريب.

تفرض أجندات التنويع، والتبني السريع للتقنية الحديثة، والاستثمارات واسعة النطاق في البنية التحتية والقطاعات الجديدة، على القادة اتخاذ قرارات متزامنة بشأن تخصيص رأس المال، وبناء القدرات الرقمية، واستقطاب المواهب، وإدارة المخاطر.

ومن نواحٍ عديدة، واجه الرؤساء التنفيذيون في دول مجلس التعاون الخليجي هذا التحول في وقت أبكر، وبوتيرة أسرع، مقارنة بكثير من نظرائهم حول العالم.
لم يعد بإمكان الرؤساء التنفيذيين التعامل مع المهام بالتتابع

لقد بنت دول المنطقة نماذج نمو قائمة على السرعة، والطموح، والاستعداد للتحرك المبكر. ففي دولة الإمارات، يتجلى ذلك في تحولها إلى اقتصاد محوري عالمي، مستفيدة من الانفتاح، والبنية التحتية، والأطر التنظيمية لترسيخ موقعها في قلب تدفقات التجارة، ورأس المال، والمواهب. وبالمثل، تعمل المملكة العربية السعودية على إعادة تشكيل اقتصادها المحلي على نطاق واسع، من خلال توظيف الاستثمار والسياسات القطاعية لبناء قطاعات جديدة بالكامل ومصادر جديدة للنمو. أما قطر، فقد انتقلت من مرحلة الاستثمار المكثف في البنية التحتية المرتبط بتنظيم بطولة كأس العالم 2022 إلى نموذج نمو أكثر تنوعاً يشمل الطاقة، والخدمات المالية، واقتصاد المعرفة المتنامي.

ولا تزال هذه الطموحات مصدر قوة تنافسية للمنطقة، لكن ما تغير هو طريقة تحقيقها؛ فلم يعد كافياً اتخاذ قرار استراتيجي كبير واحد ثم تنفيذه تدريجياً على مدى سنوات، بل بات مطلوباً من الرؤساء التنفيذيين اتخاذ عدة قرارات حاسمة بالتوازي، غالباً في ظل معلومات غير مكتملة، وتحت رقابة أدق من مجالس الإدارة والمساهمين والموظفين.

النمو بات مطالباً بتحقيق اكتفائه التمويلي

في ظل هذه البيئة المتغيّرة، يبقى النمو في صدارة الأولويات، لكن طريقة تحقيقه شهدت تحولاً واضحاً. فالنمو اليوم مطالب بأن يكون أكثر اعتماداً على التمويل الذاتي، وأكثر قدرة على إثبات جدواه باستمرار، وأوثق صلةً بكفاءة المؤسسة في التنفيذ. وعليه، لم يعد الانضباط في التكاليف مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل أصبح وسيلة لتمويل الاستثمار في التقنية الحديثة وبرامج التحول وصفقات الاستحواذ.

ويعتبر هذا أحد العوامل الرئيسية التي تقف وراء ارتفاع نشاط الصفقات؛ إذ يخطط 94% من الرؤساء التنفيذيين لعقد صفقات خلال العامين المقبلين، ليس فقط بهدف التوسع، بل أيضاً للوصول إلى خبرات وقدرات قد يستغرق بناؤها داخلياً وقتاً أطول مما تسمح به وتيرة السوق.

وفي دول الخليج، يبدو هذا التحول واضحاً بالفعل؛ فقد أصبحت صفقات الاستحواذ والشراكات أداةً رئيسيةً لبناء القدرات لا مجرد وسيلة للتوسع، لا سيَّما في قطاعات مثل: الخدمات المالية، والرعاية الصحية، والصناعة، والطاقة.

لكن هذا السعي ذاته نحو السرعة يفرض ضغوطاً جديدة؛ فعلى مستوى العالم، يخصص الرؤساء التنفيذيين حالياً نصف وقتهم في التخطيط لوضع آفاق زمنية لا تتجاوز عاماً واحداً، فيما تزداد مشاركة مجالس الإدارة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالاستراتيجية والمخاطر والقيادة. ويعكس ذلك ضغطاً حقيقياً على المناصب التنفيذية العليا، إذ تم استبدال 11% من الرؤساء التنفيذيين في عام 2025.

وتكمن المخاطرة في أنه كلما ازدادت وتيرة التغيير في بيئة الأعمال، زادت احتمالية التخلي عن الرؤية طويلة المدى لصالح قرارات آنية وردود فعل قصيرة الأمد. أما في دول الخليج -حيث تكتسب المرونة، والاستمرارية، والسيولة، وثقة أصحاب المصلحة أهمية بالغة- فستكون الشركات الأقوى هي تلك التي تستغل التقلبات كفرصة لصقل قرارات تخصيص رأس المال، وتحديد المجالات التي تمتلك فيها أفضل فرص النجاح.

الفارق الحقيقي يكمن في التنفيذ

ربما يكون الذكاء الاصطناعي أوضح مثال على الفجوة بين الطموح والتنفيذ. يُظهر التقرير أن معظم الشركات لا تزال في المرحلة التجريبية؛ حيث يخطط ثلثا الشركات أساسًا لنشر الذكاء الاصطناعي أو تجربته، فيما يرى 53% أنه من السابق لأوانه تقدير العائد على الاستثمار.

ولا تعني هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي مبالغ في تقديره، بل تشير إلى أن التنفيذ أصعب مما كان متوقعاً، وأن الميزة تنتقل تدريجياً إلى الشركات القادرة على تجاوز مرحلة التجربة نحو التطبيق الواسع والمنضبط.

ومع ذلك، بدأت الفجوة تتسع بين الشركات الرائدة والمتأخرة في هذا المجال. فالشركات التي نجحت في توسيع نطاق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تحقق عوائد أقوى ملموسة؛ إذ تزيد احتمالية أن تلبي العوائد توقعات الشركات الرائدة أو تتجاوزها بنحو ثلاثة أضعاف، مقارنةً بالشركات المتأخرة.

وقد وضعت أسواق دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي والقدرات الرقمية في صميم طموحاتها طويلة المدى. لكن الطموح المبكر لا يترجم بالضرورة إلى قيمة تجارية فعلية؛ إذ تكمن الميزة الحقيقية في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في نموذج التشغيل نفسه، وذلك من خلال إعادة تصميم سير العمل، وإعادة تعريف الأدوار، واتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي يمكن لهذه التقنيات أن تدفع فيها عجلة النمو.

وتبدو التداعيات على القوى العاملة أكثر إلحاحاً مما يوحي به النقاش العام في كثير من الأحيان؛ إذ يعتزم 43% من الرؤساء التنفيذيين تقليص حجم العمالة المبتدئة، فيما يتوقع 45% منهم الاحتفاظ بإجمالي عدد الموظفين دون تغيير.

ولا يُعد ذلك مجرد مسعىً لخفض التكاليف بل يمثل إعادة هيكلة جذرية لمنهجية سير العمل

وتزداد أهمية ذلك في الأسواق سريعة النمو؛ فقد استفادت المنطقة من قواعد مواهب طموحة ومرتبطة دولياً. غير أن المرحلة المقبلة من التنافسية لن تقتصر على استقطاب الكفاءات فحسب، بل ستعتمد أيضاً على تبني التقنيات الحديثة دون الإخلال بمسار إعداد قيادات المستقبل. فربما يؤدي التقليص المفرط لحجم العمالة المبتدئة إلى تحسين الكفاءة على المدى القريب، لكنه قد يقوض القدرات القيادية والمؤسسية على المدى الطويل.

إن الدرس الأبرز المستفاد من تقرير «أجندة الرؤساء التنفيذيين لعام 2026» ليس أن العالم أصبح أكثر غموضاً؛ فالقادة في هذه المنطقة يدركون ذلك مسبقاً. بل يكمن الدرس الحقيقي في القدرة على اتخاذ قرارات أسرع وأفضل على جبهات متعددة، وإدارة أولويات متعددة في آنٍ واحد، دون التفريط بما يبني قوة المؤسسة على المدى الطويل من أجل تسريع الوتيرة على المدى القريب.

تم إعداد هذه المقالة لصالح روكب اليوم الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة روكب اليوم الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks