
روكب اليوم
تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو على نطاق واسع، زُعم أنه يظهر لحظة شن الولايات المتحدة الأمريكية ضربة جوية استهدفت جزيرة لارك الإيرانية حديثا.
وأرفقت الحسابات المقطع المتداول بعبارات تحذر من “تطور خطير” قد يمهّد لتصعيد جديد وشن غارات على إيران.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listوتكتسب جزيرة لارك الواقعة في محافظة هرمزغان قرب جزيرة قشم، عند مضيق هرمز، أهمية إستراتيجية، بحكم موقعها المطل مباشرة على الممرات الملاحية في المضيق، ما يجعل منها نقطة مراقبة لحركة السفن التجارية وناقلات النفط. فهل التقط هذا المشهد فعلا من الجزيرة؟
ماذا يُظهر المقطع المتداول؟
يوثق المقطع تصاعد ألسنة لهب كثيفة، مصحوبة بدوي انفجارات ضخمة من موقع الهجوم المزعوم، الذي قيل إنه استهدف منصات إطلاق وراجمات صواريخ تابعة للحرس الثوري الإيراني في المنطقة.
كما تُسمع في خلفية المقطع أصوات أشخاص يعلقون على هول الانفجار في أثناء توثيقهم المشهد عن بُعد بهواتفهم المحمولة.
من روّج للادعاء؟
تتبّعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار الادعاء، وتبيّن أن حساب “Suhair Al Jumaili” كان أول من نشره على منصة إكس بتاريخ 31 أغسطس/آب 2026.
وتناقلته حسابات أخرى على عدة منصات في وقت لاحق، مكررة الرواية ذاتها: ضربة أمريكية استهدفت الجزيرة، ودمرت منصات وراجمات إيرانية، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف عناصر الحرس الثوري.
عناصر تثير الشكوك
وأثارت عدة عناصر في المقطع المتداول الشكوك حول سياقه الزماني والمكاني، إذ إن حجم الضربة الظاهرة في المقطع لا يتناسب مع البيانات الرسمية التي صدرت لاحقا عن إيران بشأن أول ضربة أمريكية معلنة منذ أكثر من شهر، فضلا عن أن الأصوات المسموعة في خلفية المقطع ليست باللغة الفارسية.
وتشير الروايات المتداولة إلى أن القصف استهدف منصات إطلاق صواريخ، غير أن المشهد نفسه يظهر بوضوح قصفا في محيط يشبه منشأة صناعية أو مصفاة نفط، وهو ما يعززه ظهور أبراج مخططة بالأحمر والأبيض بوضوح في اللقطات.
كما أن التحليل البصري للمشهد يكشف أن اللهب البرتقالي الكثيف والدخان الأسود الغزير يشيران إلى احتراق منتج نفطي مكرر بنزين أو ديزل أو نفط خام، وهو نمط اشتعال مختلف عن باقي الحرائق العرضية.
رواية سبق تدويرها
وعند البحث في تاريخ تداول المقطع تبين أنه سبق أن انتشر برواية مختلفة بتاريخ 28 مايو/أيار 2026، مما يشير إلى أنه ادعاء “معاد تدويره”.
وكانت حسابات إيرانية قد روجت للمقطع حينها على أنه يوثق “أكبر هجوم إيراني على إسرائيل”، وهي رواية مضللة، إذ لم يحدث قصف متبادل بين طهران وتل أبيب خلال تلك الفترة.
البحث العكسي يكشف المصدر
قادنا البحث العكسي عن المقطع المتداول على منصة إكس إلى نتائج مختلفة تماما عن الروايتين السابقتين، إذ يوثق الفيديو في الحقيقة قصفا أوكرانيًا بطائرة مسيرة استهدف مصفاة “نوفوكويبيشيفسك” الروسية، قبل نحو عام من تاريخ التداول الحالي.
كما تبين أن المقطع نفسه نُشر بجودة أعلى على صفحات وقنوات إخبارية على فيسبوك بتاريخ الثاني من أغسطس/آب 2025، وهي أقدم نسخة تمكنت الوحدة من الوصول إليها، مما يرجح أنها المصدر الأول للرواية الحقيقية.
ولمزيد من التحقق، راجعت الوحدة التقارير التي تناولت الحادثة في التوقيت نفسه، فوجدت أن موقع “ميليتارني” (Militarnyi) المتخصص في الشؤون العسكرية نشر تقريرا بتاريخ الثاني من أغسطس/آب 2025 أفاد بأن طائرات مسيّرة هجومية استهدفت في الوقت ذاته مصفاتي “نوفوكويبيشيفسك” في منطقة سمارا و”ريازان” جنوب شرقي روسيا، وأن الضربتين تسبّبتا في اندلاع حرائق واسعة رافقتها أعمدة لهب ضخمة.
كما أوضح موقع “ديفنس ماترز” (Defence Matters)، المتخصص في الشؤون العسكرية، أن هذه الضربات جاءت ضمن موجة تصعيد لافتة في العمليات الأوكرانية بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، طالت في التوقيت نفسه مصافي نفط ومصانع عسكرية وقواعد جوية في منطقتي سمارا وريازان، عقب فترة من التراجع النسبي في وتيرة هذا النوع من الضربات.
تقييد البحث الزمني يعزز الأدلة
لجأت الوحدة إلى تقييد نطاق البحث زمنيا باستخدام أدوات متقدمة، أبرزها أداة “هُوو بوستيت وات؟” (Who Posted What) المتخصصة في إجراء بحث دقيق مقيد بتواريخ محددة على فيسبوك، حيث تم البحث بكلمات مفتاحية باللغة الروسية عن يوم الثاني من أغسطس/آب 2025 تحديدا.
وبالتوازي مع ذلك، قيدنا نطاق البحث على منصة “تلغرام” باستخدام الفلترة الزمنية والبحث ضمن مجموعات وقنوات محلية، وأسفر ذلك عن رصد 6 مقاطع فيديو إضافية توثق الهجوم نفسه من زوايا ومواقع تصوير مختلفة، وقد أكدت جميعها صحة السياق المكاني والزمني للحادثة.
ماذا تُظهر الصور الفضائية؟
لمزيد من التحقق البصري، حصلت الوحدة على صور أقمار صناعية التقطتها شركة “بلانت” (Planet) بين 31 يوليو/تموز و3 أغسطس/آب 2025، أظهرت أضرارا جزئية في إحدى المنشآت داخل مصفاة نوفوكويبيشيفسك النفطية.
وتتقاطع هذه المتغيرات مع المشاهد المتداولة والتقارير التي تحدثت عن تعرض المصفاة لهجوم بطائرات مسيرة أوكرانية فجر الثاني من أغسطس/آب 2025.
وأوردت وكالة رويترز في تقرير نشرته في الرابع من أغسطس/آب 2025 -نقلا عن مصدرين مطلعين في قطاع النفط- أن عمليات المعالجة الأولية في مصفاة نوفوكويبيشيفسك التابعة لشركة “روسنفت” الروسية توقفت بالكامل منذ الثاني من أغسطس/آب.
ووصفت الوكالة هذه الضربة بأنها المرة الأولى التي تتعرض فيها مصفاة روسية كبرى لهجوم بطائرة مسيّرة منذ مارس/آذار 2025، لافتة إلى أن توقيتها تزامن مع مهلة أمريكية حددها الرئيس دونالد ترمب لموسكو مدتها 10 إلى 12 يوما للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع كييف.
لماذا صدق كثيرون الادعاء؟
جاء تداول المقطع في وقت أعلن فيه مسؤول أمريكي أن القوات الأمريكية قصفت، يوم الأحد 30 أغسطس/آب 2026، راجمتي صواريخ تابعتين للحرس الثوري الإيراني في جزيرة لارك بمضيق هرمز، بينما أفادت مصادر إيرانية بسماع دوي انفجار قرب الجزيرة.
وقال المسؤول إن قوات أمريكية استهدفت منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك، موضحا أنه تم رصد قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني وهي تستعد لإطلاق صواريخ محمّلة بألغام بحرية باتجاه مضيق هرمز، كما أشار إلى أن القوات الأمريكية أكملت إزالة الألغام من مسارات الشحن الدولي في المضيق.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري مقتل وإصابة عدد من المقاتلين والمواطنين الإيرانيين في الهجوم، مضيفا أن “عدوان العدو على جزيرة لارك سيقابل بالرد ومعاقبة المعتدي”.
الأهمية الإستراتيجية
وترتبط أهمية جزيرة لارك بموقعها في مضيق هرمز، إذ تتيح مراقبة جزء من حركة الملاحة البحرية والإشراف عليها. وازدادت أهميتها في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وخاصة بعدما وجهت إيران جزءا من حركة سفنها إلى ممر ضيق شمالي لارك داخل مياهها الإقليمية، مما أبرز دورها في إدارة حركة الملاحة البحرية والسيطرة عليها.
ومن الناحية العسكرية، يتيح نشر المعدات والصواريخ في لارك لإيران رصد التهديدات البحرية من موقع قريب من طرق الملاحة الرئيسية. وبذلك، لا تستمد لارك أهميتها من مساحتها، بل من موقعها عند إحدى أكثر نقاط الدخول إلى الخليج العربي والخروج منه حساسية، مما قد يجعلها إحدى النقاط الرئيسية في معادلة أمن الملاحة والطاقة في المضيق إذا تصاعدت المواجهة.