انهيار أسطورة “وستمنستر”.. بريطانيا لم تعد بريطانيا |



روكب اليوم

منذ عام 2016، تعاقب على رئاسة الوزراء في بريطانيا كل من ديفيد كاميرون، وتيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك، وكير ستارمر. وإذا تحققت التوقعات المتزايدة في الأوساط السياسية البريطانية، فقد لا يكون كير ستارمر آخر اسم يضاف إلى هذه القائمة، ونكون على موعد مع السابع.

وللمقارنة، شهدت بريطانيا خلال عقد واحد العدد نفسه تقريبا من رؤساء الحكومات الذي شهدته ألمانيا خلال ربع قرن. وإذا كان تغير الحكومات ظاهرة مألوفة في كثير من الديمقراطيات، فإن ما تشهده بريطانيا يتجاوز مجرد تداول السلطة ليطرح أسئلة أعمق حول فاعلية نموذج الحكم نفسه.

فكيف أصبح البلد الذي صدر نموذج وستمنستر إلى أنحاء واسعة من العالم رمزا لعدم الاستقرار السياسي؟ وهل تعاني بريطانيا مجرد سلسلة من سوء الحظ وقادة لم يرقوا إلى مستوى التحديات، أم إن الخلل أعمق من ذلك، ويكمن في بنية نظام الحكم نفسه؟ وربما لا تعكس هذه التحولات أزمة قيادات سياسية فحسب، بل أزمة أعمق تتعلق بقدرة نموذج وستمنستر ذاته على التكيف مع واقع اقتصادي واجتماعي ودستوري بات أكثر تعقيدا بكثير مما كان عليه عندما تشكلت قواعد هذا النموذج.

أسطورة وستمنستر

تقدَم منظومة وستمنستر عادة بوصفها نموذجا للحكم المستقر والعملي والفاعل، والقادر على إنتاج حكومات قوية وحاسمة. غير أن عددا من المراقبين يشككون في هذه الصورة. ومن أبرزهم الصحفي والكاتب البريطاني إيان دنت، الذي يرى أن كثيرا من التصورات الشائعة عن النظام البريطاني لم تعد تعكس واقع الحكم المعاصر.

ويقدم دنت في كتابه الموسوعي عن الموضوع “كيف يعمل نظام وستمنستر، ولماذا لا يعمل” How Westminster Works, And Why It Doesn’t” صورة مختلفة لـ”وستمنستر”؛ صورة تتسم بتركيز مفرط للسلطة التنفيذية، وضعف أدوات الرقابة والمساءلة، وثقافة سياسية تقوم على المواجهة الحزبية أكثر مما تقوم على بناء التوافقات، فضلا عن اعتمادها على ترتيبات دستورية غير مدونة بصورة كاملة. كما تتركز السلطة الفعلية بدرجة كبيرة في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت ووزارة الخزانة.

ويشير إيان دنت في كتابه إلى أن معدل فترة بقاء الوزير على رأس وزارته في الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ الحرب العالمية الثانية لا يزيد عن سنتين ونصف السنة! وبالتالي فكل وزير يتولى حقيبة وزارية يدرك أن الوقت المتاح أمامه محدود، ما يدفعه غالبا إلى السعي لتحقيق إنجازات سريعة أو رمزية قبل أن يطاله التعديل الوزاري التالي. وكذلك المثل بالنسبة لقيادة جهاز الخدمة المدنية العليا، فهي بدورها تخضع للتدوير بين الوزارات بنفس الوتيرة!

ويذهب دنت وآخرون من نقاد المركزية الشديدة في نظام الحكم البريطاني- مثل أندي هلدين ومعه ويل هتن- إلى أن النظام البريطاني صمم لإنتاج “حكومة قوية”، لكنه لا يضمن بالضرورة إنتاج “حكومة جيدة”. فقد يمنح رئيس الوزراء قدرة كبيرة على اتخاذ القرارات بسرعة، لكنه يوفر في المقابل عددا محدودا من الضمانات المؤسسية عندما تبدأ تلك السلطة في التآكل أو فقدان شرعيتها السياسية.

بريكست.. اللحظة التي كشفت العيوب

في هذا السياق، جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” ليكشف نقاط الضعف الكامنة في النظام السياسي البريطاني.

فقد أدى بريكست إلى انقسامات عميقة داخل حزب المحافظين الحاكم آنذاك، بين مؤيدين لخروج كامل وصارم من الاتحاد الأوروبي، وآخرين فضلوا صيغة أكثر مرونة، إضافة إلى تيار براغماتي سعى إلى تقليل الخسائر الاقتصادية والسياسية. كما أعاد بريكست فتح ملفات دستورية حساسة تتعلق بمستقبل أسكتلندا، وأيرلندا الشمالية، بل وبمستقبل المملكة المتحدة نفسها.

وفوق ذلك، رفع مؤيدو بريكست سقف التوقعات لدى الناخبين، ووعدوا بتحولات اقتصادية وسياسية كبرى. لكن الحكومات المتعاقبة افتقرت إلى القدرات الإدارية والمؤسسية اللازمة لتحقيق تلك الوعود بالسرعة التي توقعها الجمهور. ومن هذا المنظور، يمكن فهم تعثر رؤساء الوزراء المحافظين المتعاقبين بوصفهم، إلى حد بعيد، ضحايا للأزمة التي أطلقها بريكست بقدر ما كانوا مسؤولين عنها.

ساهم هذا الإخفاق في تعزيز حضور الأحزاب الشعبوية واليمينية المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية، وعلى رأسها حزب “إصلاح المملكة المتحدة” “Reform UK”؛ حيث إنه، وعندما تصاعد التنديد بإخفاق قيادات حزب المحافظين المتعاقبة عن تحقيق ما كانوا ينادون به من إيقاف الهجرة غير الشرعية وغيرها من الوعود التي كانت في حقيقة الأمر بعيدة المنال، قام هؤلاء، وعلى رأسهم نايجل فاراج، بتأسيس حزب “الإصلاح” الذي جذب إلى صفوفه عددا من أعضاء حزب المحافظين في البرلمان- منهم وزراء سابقون.

والمفارقة أن الناخبين الذين صوتوا لبريكست؛ احتجاجا على النخب السياسية لم يعودوا ينظرون إلى حزب المحافظين باعتباره أداة للتغيير، بل بات كثير منهم يعده جزءا من المؤسسة السياسية نفسها. ومن هنا جاء صعود حزب “إصلاح المملكة المتحدة” الذي يقدم نفسه باعتباره الامتداد الحقيقي لروح التمرد التي حملها استفتاء 2016.

فوز حزب العمال.. وحدود السلطة

في عام 2024، منح الناخب البريطاني حزب العمال بقيادة كير ستارمر فرصة جديدة لإدارة البلاد، عبر أغلبية برلمانية مريحة. ولم تكن قصة حزب العمال في عهد ستارمر مجرد قصة تعافٍ انتخابي، بل كانت أيضا قصة استعادة للانضباط الحزبي. ففي كتابهما “ادخلوا: القصة من أروقة حزب العمال في عهد ستارمر” “Get In :The Inside Story of Labour Under Starmer”، يصف الصحفيان باتريك ماغواير وغابرييل بوغروند مشروع ستارمر بأنه مشروع شديد المركزية، إداري الطابع، ومكرس بصورة شبه كاملة لهدف واحد: الفوز بالسلطة.

ويشرح الكاتبان كيف أصبح الحزب مهووسا بتحقيق هذا الهدف، حتى غدا الانتصار الانتخابي معيار النجاح الأساسي.

لكن السؤال المطروح اليوم هو: هل يكفي الفوز بالسلطة؟ فالنجاح الانتخابي قد يكون شرطا ضروريا للحكم، لكنه ليس ضمانة للقدرة على ممارسة الحكم.

فقد ورث ستارمر أغلبية برلمانية كبيرة، لكنه ورث أيضا بلدا يواجه تباطؤا اقتصاديا، وخدمات عامة مثقلة بالأعباء، وأزمة إسكان متفاقمة، وفوارق تنموية واسعة بين المناطق. وهي مشكلات لا يمكن حلها بمجرد الانضباط الحزبي أو الإدارة السياسية المحكمة.

زلزال الانتخابات 

نظر كثير من المحللين إلى نتائج الانتخابات المحلية بوصفها مؤشرا على إعادة تشكل المشهد الحزبي البريطاني، حيث برز حزب “الإصلاح” الجديد كأكبر الأحزاب الفائزة كونه حصد أكثر من 1400 مقعد من عدد المقاعد المتنافس عليها، وهي 5 آلاف مقعد، وخسر حزب العمال ما يقارب نفس العدد، يليه حزب المحافظين الذي خسر بدوره ما يقرب من 600 مقعد.

أثارت النتائج موجة واسعة من القلق داخل حزب العمال، وأعادت فتح النقاش حول شعبية الحكومة وقدرتها على الاحتفاظ بأغلبيتها الحالية في الانتخابات المقبلة، مما أدى إلى استقالة عدد من الوزراء، أبرزهم وزير الصحة ويس ستريتنغ وإعلانه الاستعداد لمنافسة ستارمر على قيادة الحزب.

وبمجرد إعلان النتائج توجهت الأنظار إلى الشخصية التي تتمتع بحضور قوي في أوساط الحزب وتحظى بتجربة سياسية كبيرة على مستوى الحكومة المركزية أثناء حكومتي توني بلير، وجوردون براون، ومؤخرا في تحقيق نجاحات ملموسة في قيادة إحدى أهم المناطق في بريطانيا: منطقة مانشستر الكبرى، حيث شغل منصب عمدة المنطقة، وهو أندي برنهام.

لم يخفِ السيد برنهام تتوقه للعودة للعمل السياسي الوطني منذ فترة، وقد حاول ذلك من خلال التقدم للترشح لخوض انتخابات تكميلية في إحدى دوائر منطقته قبل عدة أشهر، إلا أن ستارمر لم يمكنه من ذلك، بعذر أن الحزب لا يمكن أن يخاطر بعمادة أهم منطقة خارج لندن، إذ إنها ستصبح شاغرة في حال عاد برنهام إلى مجلس العموم.

فسر بعض المعلقين القرار بأنه محاولة لتجنب بروز منافس محتمل لستارمر داخل الحزب. أما بعد الزلزال الانتخابي الأخير فقد تغير كل شيء، إذ أثارت النتائج مخاوف جدية داخل الحزب من تراجع حاد في شعبيته إذا استمرت الاتجاهات الحالية حتى موعد الانتخابات العامة المقبلة.

تحت تلك الظروف، وبعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية مباشرة، قام عضو البرلمان العمالي عن دائرة ماركرفيلد، السيد جوش سايمن، بتقديم استقالته من عضوية البرلمان في 14 مايو/أيار 2026، في خطوة فسرها كثير من المراقبين بوصفها محاولة لتمهيد الطريق أمام عودة برنهام إلى السياسة الوطنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الحزب من استمرار تراجع شعبيته أمام الصعود المتسارع لحزب “الإصلاح” .

يوم حاسم أم مجرد فصل جديد من الأزمة؟

تتجه أنظار الساسة والمراقبين إلى يوم 18 يونيو/حزيران، ليس فقط بسبب ما قد يحمله من تغيير سياسي جديد، وإنما لما قد يرمز إليه ذلك التغيير من تحول أعمق في طبيعة الحكم في بريطانيا.

ففي الانتخابات البرلمانية التكميلية في دائرة ماركرفيلد، يسعى عمدة مانشستر الكبرى أندي برنهام إلى العودة إلى مجلس العموم بعد سنوات قضاها بعيدا عن السياسة الوطنية المباشرة. وبالنسبة لكثيرين، لا تمثل هذه العودة مجرد محاولة لاستعادة مقعد برلماني، بل قد تكون بداية مسار جديد نحو قيادة حزب العمال، ومن ثم الوصول إلى رئاسة الوزراء في مرحلة لاحقة.

لكن أهمية برنهام لا تكمن فقط في طموحه السياسي، وإنما فيما يمثله من رؤية مختلفة للدولة البريطانية. فخلافا لكثير من السياسيين الذين صنعوا مسيرتهم بالكامل داخل أروقة وستمنستر، ارتبط اسم برنهام خلال السنوات الأخيرة بتجربة الحكم المحلي في مانشستر الكبرى، حيث برز كأحد أبرز المدافعين عن نقل مزيد من الصلاحيات والموارد من المركز إلى الأقاليم.

ومن هنا تكتسب عودته المحتملة إلى البرلمان دلالة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. فهي تعيد طرح سؤال جوهري حول أسباب الأزمة البريطانية الحالية: هل تكمن المشكلة في الأشخاص الذين يتولون السلطة، أم في طبيعة النظام السياسي نفسه؟ وربما لهذا السبب تحظى تجربة برنهام باهتمام متزايد؛ فهي لا تقدم مرشحا جديدا لرئاسة الوزراء فحسب، بل تطرح تصورا مختلفا لكيفية إدارة الدولة البريطانية نفسها.

هل بريطانيا غير قابلة للحكم أم إن وستمنستر أصبح غير قادر على الحكم؟

يصعب القول إن بريطانيا أصبحت دولة غير قابلة للحكم. فهي لا تزال واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم وأكثرها قدرة على التكيف مع الأزمات.

غير أن التعاقب السريع لرؤساء الوزراء خلال العقد الماضي يوحي بأن عدم الاستقرار السياسي لم يعد مجرد استثناء عابر، بل بات سمة متكررة في الحياة السياسية البريطانية.

ربما لا تكمن أزمة بريطانيا في عجزها عن إنتاج قادة جدد، بل في أن المؤسسات التي صممت لإدارة دولة مركزية مستقرة في القرن العشرين تواجه اليوم واقعا مختلفا تماما: اقتصادا راكدا، وانقسامات مناطقية متزايدة، ونظاما حزبيا أكثر تشظيا. ومن ثم فإن السؤال الأهم لم يعد من سيدخل داونينغ ستريت بعد الانتخابات المقبلة، بل ما إذا كان نموذج وستمنستر نفسه قادرا على التكيف مع بريطانيا الجديدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks