روكب اليوم
2026-09-22 10:08:00
(روكب اليوم)– بينما كانت ألكسندرا ألفيش غاسبار تغوص في أعماق البحر الأحمر، وتتأمل جدارًا عموديًا من الشعاب المرجانية، انقلب المشهد فجأة، وحدث ما لم يكن في الحسبان.
في غضون لحظات، جرفها تيّار بحري قويّ، مع مجموعة من الغواصين الذين كانوا برفقتها، بعيدًا عن القارب.
وقالت ألكسندرا لـCNN: “جرفنا التيّار خلال 7 أو 8 دقائق.. كان قويًّا إلى درجة أنه فاجأنا”.
وقعت الحادثة في شهر أغسطس/آب 2004، حين كانت ألكسندرا، المحامية البرتغالية البالغة من العمر 29 عامًا، تقضي عطلتها برفقة أصدقاء مُقرّبين.
كانت تُحبّ الغوص كثيرًا، وكانت تتوقّع أن هذه الرحلة ستكون تجربة العمر.
عندما بدأ التيار بسحبهم بعيدًا، لم تشعر ألكسندرا وأصدقاؤها بالهلع في البداية، حيث مكثوا تحت الماء قليلًا قبل أن يصعدوا إلى السطح.
واستذكرت قائلة: “عندما رأيت القارب، أدركت أننا قد ابتعدنا عنه أكثر من ميل.. بدا صغيرًا جدًا، أشبه بلعبة في عرض البحر”.
هكذا بدأت بحسب وصف ألكسندرا “محنة البقاء على قيد الحياة لـ13 ساعة”.
وقعت ألكسندرا في حبّ الغوص قبل سنوات، إذ وجدت في أعماق المياه مزيجًا من المغامرة والحرّية والسكينة التي لطالما أسرتها.
وقالت: “الإحساس بانعدام الجاذبية أشبه بالطيران”.
مع مرور الوقت، أصبحت ألكسندرا، التي تقيم في العاصمة البرتغالية لشبونة والعاملة في أحد المصارف، تُرتّب إجازاتها بما يتناسب مع شغفها بالغوص.
وكانت جزر الإخوة إحدى وجهاتها، إذ حجزت رحلة على متن سفينة الغوص الفاخرة “أويستر”، التي كانت تُشغّلها شركة سياحية محليّة في البحر الأحمر.
بعد إبحار استمر 10 ساعات، وصلت “أويستر” إلى المياه المحيطة بجزر الإخوة، المعروفة أيضًا باسم جزر الأخوين، قبالة السواحل المصرية.
تشتهر هذه الجزر البركانية بمواقع الغوص الخلابة، وأسماك القرش، وحطام السفن، لكنها تُعرف أيضًا بتيّاراتها البحرية المُتقلّبة التي يصعب التنبؤ بها.

وقالت ألكسندرا عن إقامتها على متن “أويستر”: “إذا كنت تُحبّ البحر والغوص، فإنها تُقدّم تجربة رائعة.. تستطيع الوصول إلى مواقع الغوص بسهولة، وخصوصًا أفضلها”.
كان أول يومين أشبه بالحلم، لكن في اليوم الثالث، بدأت الأمور تسير على نحو مختلف.
انتقل الركاب من “أويستر” إلى قاربين أصغر حجمًا بهيكل شبه صلب، للتوجّه إلى موقع الغوص.
تستذكر ألكسندرا قائلة: “كانت الأجواء عاصفة في ذلك اليوم، وكان البحر هائجًا إلى حدّ كبير”.
بمُجرّد أن غاصت ألكسندرا في مياه البحر الزرقاء اللون، لفت انتباهها مشهد المرجان الزاهي بألوانه، حتى سمعت صوت طرق قائد الغوص على خزّان الهواء لتنبيه المجموعة، إلى ما يبدو كأنّه سمكة قرش أمامهم.
منذ تلك اللحظة، بدأت الأمور تتّخذ منحى مُقلقًا.
قالت ألكسندرا: “ابتعدنا عن الجدار لنتمكن من رؤيته، لكن التيّار كان قويًا للغاية، وجرفنا بعيدًا”.
فقدت المجموعة رؤية جدار الشعاب المرجانية، وعندما صعدوا إلى السطح، أدركوا مدى ابتعادهم عن موقع الغوص.
ضمّت المجموعة التي جرفها التيار بعيدًا ألكسندرا والأصدقاء البرتغاليين الأربعة، وخمسة غواصين بريطانيين، وزوجين بلجيكيين.
في البداية، انصبّ تركيز أفراد المجموعة الـ12 على النجاة، وحاولوا لفت أنظار السفن التي تمرّ بالقرب منهم، على أمل أن تُنقذهم.
وأوضحت ألكسندرا: “عندما تغوص في أماكن نائية اليوم، مثل البحر الأحمر، تكون مُزوّدًا بجهاز GPS“.
لكن في عام 2004، كانت تقنيات التتبّع محدودة. وكان الغواصون يدركون أن طاقم القارب سيحتاج إلى بعض الوقت ليدرك ظاهرة اختفائهم، ويبدأ عملية البحث لإنقاذهم.
مع ابتعادهم شيئًا فشيئًا عن نقطة انطلاقهم، تخلّص أفراد المجموعة من وزن الرصاص المُعلّق بأحزمتهم، وربطوا أنفسهم معًا في دائرة، حيث استعانوا بوسائل الطفو القابلة للنفخ للبقاء على سطح الماء.
تستذكر ألكسندرا: “كنّا نصرخ، وكان تركيزنا مُنصبًا بالكامل على رصد القوارب”.
لكن مع مرور الساعات، بدأ الأمل يتلاشى، وتقلّبت مشاعرهم بين الأمل واليأس.

مع غروب الشمس، تلاشى أمل ألكسندرا أيضًا، لكنها ظلّت مأخوذة بجمال الليل الصافي الذي حلّ بعد ذلك.
وقالت: “رأيت فوقي سماءً ليلية مذهلة، تتلألأ بالنجوم.. كانت أمسية جميلة، وكان غروب الشمس رائعًا.. لكن صدقني، كنت أعتقد أنها المرّة الأخيرة التي سأراه فيها”.
مع حلول الظلام، تخلّى الغواصون عن أحاديثهم وأغانيهم التي كانوا يتبادلونها لرفع معنوياتهم، والتزموا الصمت حفاظًا على طاقتهم. كما غيّروا تشكيلهم من دائرة إلى صفّ على شكل حرف “V“.
هنا بدأت آثار حروق الشمس الناجمة عن قضاء ساعات تحت الحرارة المرتفعة، إلى جانب الجفاف والإرهاق، تظهر بوضوح؛ فيما كان شعور الرعب المستمر ممّا قد يكون في المياه المظلمة أسفلهم يزداد حدّة.
وأوضحت ألكسندرا: “لقد نفخنا سترات النجاة كي نطفو على السطح، لكن ظلّت أرجلنا مُعلّقة تحت الماء، ما تركنا تحت خطر التعرّض لأيّ هجوم… مُخيّلتك تجعلك تتصوّر الكثير من الأشياء”.
بعد قضاء ساعات في الظلام، لمحت ألكسندرا أضواء بعيدة في الأفق، فتأكدت من أحد رفاقها بأنها حقيقية وليست مُجرّد خيال.
أخرج اثنان من الغواصين مصابيح يدوية، وأرسلا ثلاث ومضات قصيرة وثلاثة نداءات استغاثة.
من بعيد، استجاب قارب للإشارة، ثم أطلق بوقه.
أشارت تقارير تعود إلى تلك الفترة إلى أن سفن البحرية المصرية وقوارب الغوص الأخرى أسهمت بدور مهم في عملية الإنقاذ، لكن ألكسندرا قالت إن الفضل يعود إلى الصيّادين المحليّين.
وأوضحت: “سمع القبطان عبر اللّاسلكي أن بعض الغواصين فُقدوا في المنطقة، وكان يصطاد بالقرب منها.. وكان يعتمد على النجوم في تحديد طريقه، من دون بوصلة أو أجهزة ملاحية”.
وأضافت: “استنادًا إلى حدسه، أطفأ المحرك وترك القارب ينجرف مع التيار.. بعد ذلك، أخبرنا الصيادون أن الدلافين ظهرت أمام القارب، وكأنها تحاول لفت انتباههم وتوجيههم نحو المكان الذي كانت المجموعة فيه”.

أُنقذت المجموعة على بُعد أميال من المكان الذي بدأوا منه الغوص، واستغرق وصولهم إلى “أويستر” بضع ساعات.
رغم أنه عُرض عليهم خيار العودة إلى ديارهم فورًا، إلّا أنهم اتفقوا جميعًا على مواصلة إجازتهم. وظلّت ألكسندرا طوال ما تبقى من الرحلة، وحتى عودتها إلى البرتغال، تشعر براحة وسعادة كبيرة.
وقالت: “أتذكر أول وجبة تناولناها، كانت رائعة.. كنت سعيدة جدًا لأنني نجوت وعُثر عليّ، ولأنني ما زلت على قيد الحياة.. شعرت بأنني محظوظة للغاية.. وكأن شيئًا لن يمسّني، ولن يحدث لي مكروه بعد الآن”.
عند عودتها إلى البرتغال، فوجئت ألكسندرا باهتمام إعلامي عالمي واسع، وكانت التغطية الإعلامية والمشاعر التي أعقبت الحادث، من امتنان، وغضب، وارتباك، وقلق، أمرًا طاغيًا عليها، وساعدها العلاج النفسي في التعامل مع آثار الصدمة والكوابيس التي استمرّت نحو عامين.

عادت ألكسندرا إلى الغوص بعد الحادث بوقت قصير، لكنها انتظرت 20 عامًا قبل أن تعود إلى البحر الأحمر.
في عام 2024، غاصت في المياه ذاتها التي كادت أن تفقد حياتها فيها، وفوجئت بسرب من الدلافين يحيط بها لأكثر من 45 دقيقة.
حينها، حبست دموعها وهي تتذكر كيف أسهمت هذه الكائنات في إنقاذها قبل أكثر من عقدين، إذ قالت: “إذا لم تكن هذه معجزة، فلا أدري ما هي”.