
يعيد ذلك المخاوف من دخول المنطقة في دوامة حرب جديدة بين الطرفين، ما لم تأت وساطة إقليمية أو أفريقية لنزع فتيل الأزمة الأمنية في المنطقة، والتي شهدت في نوفمبر الماضي اشتباكات بين الجيش الاتحادي وقوات تيغراي في منطقة عفر المتاخمة للإقليم شرقاً. من شأن ذلك أن يصعّد تأزم الوضع الأمني ويؤدي إلى سقوط ضحايا إضافيين، ليعيد إلى الأذهان ذاكرة حرب عامي 2020 و2022، والتي أودت بحياة أكثر من 600 ألف شخص.
ورغم اتفاق السلام الذي أنهى القتال، والموقع في جنوب أفريقيا، لا تزال التوترات مرتفعة في إقليم تيغراي، حيث يقدّر أن مئات الآلاف من السكان ما زالوا نازحين، في ظل هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاوف من تجدد النزاع.
- تداعيات أمنية وإنسانية
في هذا السياق، قال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إنه يتابع عن كثب تطورات الأوضاع في عدد من مناطق إقليم تيغراي، معرباً عن بالغ قلقه إزاء المستجدات الأخيرة وما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية وإنسانية.
وأوضح في بيان، اليوم الجمعة، أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت بصعوبة بموجب اتفاق وقف الأعمال العدائية الدائمة يظل أولوية قصوى لا يمكن التفريط بها، مشيراً إلى أن الاتفاق، الذي قاده الاتحاد الأفريقي بين حكومة جمهورية إثيوبيا و”جبهة تحرير شعب تيغراي”، وُقّع في بريتوريا في الثاني من نوفمبر 2022، وشكّل أساساً مهماً لخفض التصعيد وفتح مسار السلام. ودعا يوسف جميع الأطراف إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن أي خطوات من شأنها تقويض الثقة المتبادلة، مؤكداً ضرورة معالجة القضايا العالقة عبر حوار بنّاء، والالتزام الكامل ببنود وروح اتفاق وقف الأعمال العدائية، ولا سيما ما يتعلق بالاعتبارات الإنسانية.
وجدد الاتحاد الأفريقي تأكيد التزامه الثابت بالتنفيذ الكامل والفعال لاتفاق السلام الدائم، مشدداً على استمراره في دعم الأطراف خلال مختلف مراحل عملية بناء السلام والمصالحة. كما أعلن رئيس المفوضية أن الاتحاد الأفريقي، عبر فريقه الرفيع المستوى المعني بإثيوبيا، مستعد لتكثيف جهوده في تيسير الحوار وتعزيز التعاون وبناء الثقة بين الأطراف، بما يخدم ترسيخ السلام والاستقرار المستدامين في إقليم تيغراي.
وعقب انتهاء الحرب في إقليم تيغراي بموجب اتفاقية بريتوريا عام 2022، تغيّر ميزان السيطرة الميدانية، إذ آلت السيطرة على هذه المناطق – ولا سيما الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من إقليم تيغراي – إلى أطراف أخرى، وهي مناطق متاخمة للحدود السودانية الإريترية، ما يمنحها أهمية جغرافية وأمنية بالغة الحساسية. وفي هذا المثلث الحدودي تقع منطقة تُعرف باسم ولقايت، وتتمتع بموقع استراتيجي يجعلها محل تنازع شديد.
وتعتبر “جبهة تيغراي” هذه المنطقة من القضايا الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها في أي حوار سياسي أو تفاهم مستقبلي مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، سواء تعلق الأمر بترتيبات ما بعد الحرب أو بإعادة ترسيم الحدود الإدارية بين الأقاليم.
- نزاع قديم بين إقليم تيغراي وإقليم أمهرة
في هذا الصدد، قال مدير مركز القرن الأفريقي للبحوث والدراسات، الإريتري محمد عمر صالح، في حديث مع “العربي الجديد”، إن الأسباب الرئيسية للمواجهات التي اندلعت خلال الأيام الأخيرة تعود إلى “نزاعٍ قديم بين إقليم تيغراي وإقليم أمهرة، أو بعبارة أدق بين قوميتي تيغراي وأمهرة”.
وتتركز بؤرة الخلاف، وفق صالح، في المناطق التي كانت خاضعة إدارياً لإقليم تيغراي قبل اندلاع الحرب في الرابع من نوفمبر 2020، خصوصاً منطقة ولقايت الخاضعة حالياً لسيطرة جبهة أمهرة، ورفضت الانسحاب منها”. وأوضح أن ذلك “يقوّض بنود اتفاقية بريتوريا بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، والتي نصت صراحة على انسحاب الأمهر من هذه المنطقة، وإعادة توطين السكان الأصليين (تيغراي) الذين نزحوا منها بعد الحرب”.
وأشار صالح إلى أن قبل اندلاع الحرب، كانت هذه المنطقة تتبع إدارياً لإقليم تيغراي، إلا أنها اليوم تخضع لسيطرة قوات إقليم أمهرة بدعم من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، و”الأخطر من ذلك أن الصراع أدى إلى نزوح ما يقرب من مليون شخص من سكان هذه المناطق، في واحدة من أكبر موجات النزوح المرتبطة بالنزاع”.
وبيّن أنه بموجب اتفاق السلام “تم التوصل إلى عدد من النقاط التي نصّت على إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، ومعالجة الخلافات المتعلقة بالسيادة الإدارية ووضع هذه المناطق المتنازع عليها، غير أن هذه البنود لم تُنفَّذ حتى الآن، ولم يتم التوصل إلى أي تفاهم عملي بشأنها، ما أبقى الملف مفتوحاً وأجّج الخلافات بين الأطراف المعنية”.
وفي رأيه فإن “جبهة تيغراي تتبنّى سلوكاً تصعيدياً يهدف إلى فرض سيطرة كاملة على ما تبقى من أراضي الإقليم كما كانت قبل الحرب، وذلك قبل الدخول في أي تفاهمات جديدة مع الحكومة الفيدرالية بشأن القضايا السياسية والأمنية العالقة”.
واعتبر أن هذا التوجه “يأتي في سياق تحالفات إقليمية مستجدة، أبرزها التقارب الأخير مع الجانب الإريتري (مع جبهة تيغراي في 2024، بما يشمل فتح الحدود غير الرسمي)، وهو ما يضيف بعداً إقليمياً معقداً للأزمة”. وتحمل هذه التطورات، وفق صالح، تداعيات خطيرة “إذ قد تؤدي إلى إعادة إشعال الصراع المسلح، وتقويض اتفاق السلام الهش، فضلاً عن تعميق الانقسامات الإثنية داخل إثيوبيا”. وأضاف أن “استمرار الخلاف حول هذه المناطق يهدد الاستقرار في المثلث الحدودي مع السودان وإريتريا، ويزيد من معاناة المدنيين والنازحين الذين ما زالوا عالقين بين وعود الاتفاقات وواقع الصراع المفتوح”.
وأبدى تخوفه من أن تمثّل هذه التطورات “مقدمة لانزلاق إثيوبيا نحو حرب شاملة جديدة، على غرار ما شهدته البلاد في السابق، مع فارق خطير يتمثل في احتمال اتساع دائرة الصراع ليشمل أطرافاً متعددة، لا يقتصر فيها النزاع على بعدٍ جغرافي أو طرفٍ واحد فقط”.
وأوضح أن “إقليم أمهرة يعيش حالة مواجهات وصدامات مستمرة منذ توقيع الاتفاق مع الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات عميقة حول الترتيبات الأمنية ومستقبل القوات المحلية”، أما إقليم تيغراي، فرغم أنه لم يدخل في مواجهة مباشرة أخيراً، إلا أن علاقته بالمركز ظلت متوترة وغير مستقرة، وهو ما يعكس هشاشة التفاهمات القائمة”.
إلى جانب ذلك، بدأت مؤشرات توتر إضافي تظهر في إقليم بني شنقول قماز، شمال غربي إثيوبيا على الحدود مع السودان، وهو إقليم بالغ الحساسية نظراً لموقعه الاستراتيجي وارتباطه بملفات داخلية وإقليمية معقدة. وتراكم هذه الأزمات في أكثر من إقليم يفتح الباب أمام سيناريو حرب أوسع، تتعدد فيها الفاعلون وتتداخل فيها الأجندات، ما يجعل من الصعب احتواء الصراع أو حصر أهدافه.
ووفق صالح، تزداد خطورة هذا المشهد في إقليم تيغراي وغيره من الأقاليم “بسبب قرب مناطق التوتر من الحدود السودانية، الأمر الذي يمنح النزاع أبعاداً إقليمية محتملة، سواء عبر تدفقات اللاجئين أو التداخلات الأمنية، وهو ما قد يحول الأزمة الإثيوبية من صراع داخلي إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي يصعب التحكم في مآلاتها”.
وأضاف أن “خطورة هذا المشهد تتضاعف في ظل الواقع الإقليمي الهش، إذ إن السودان، الذي يعاني أصلاً من حرب ممتدة منذ فترة طويلة (2023)، لا يملك ترف الاستقرار على حدوده الشرقية”. وأشار صالح إلى أنه “رغم أن بعض المناطق السودانية المتاخمة لإثيوبيا كانت تُعد نسبياً أكثر أمناً واستقراراً مقارنة بغيرها، فإنها تظل عرضة للتأثر المباشر بأي تصعيد إثيوبي داخلي”. ويضاف إلى ذلك استمرار التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وهو توتر يحمل “أبعاداً تاريخية وعسكرية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعزز المخاوف من تشابك الصراعات عبر الحدود”.
وبحسب صالح، كل هذه العوامل مجتمعة “تثير القلق من احتمال اندلاع حرب أشمل وأكثر اتساعاً من تلك التي شهدتها البلاد خلال أعوام 2020 و2021 و2022، فيما تزداد هذه المخاوف مع تبادل الاتهامات، إذ يتهم السودان إثيوبيا بفتح معسكرات وتقديم تسهيلات لقوات الدعم السريع داخل أراضيها. وهو ما – إن ثبت – قد يدفع النزاع إلى مستوى جديد من التصعيد الإقليمي، ويحوّل منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. ومع بروز التوترات في منطقة تيغراي منذ الأشهر الأخيرة، تبرز مخاوف من وجود عوامل خارجية تغذي الصراع الإثني في إثيوبيا، ودفعها من جديد إلى أتون حرب داخلية مريرة، وهو ما يمكن أن يضع الحكومة الإثيوبية أمام تحديات جديدة تعقد جهود المصالحة وتعرقل مسار الانتخابات المقبلة المقررة منتصف العام الحالي.
- جر إثيوبيا إلى حرب أخرى
في هذا الصدد، قال المحلل الإثيوبي، عبد الصمد عبد الشكور، في حديث مع “العربي الجديد”، إن ما يجري في إقليم تيغراي “لا يمكن فصله عن محاولات مدروسة لجرّ إثيوبيا مجدداً إلى مواجهة عسكرية مع إقليم تيغراي، على نحو يتجاوز الصراع الداخلي ليأخذ طابعاً إقليمياً أوسع”.
وأوضح أن “إعادة إشعال التوتر في مناطق متنازع عليها، وتداخل أدوار قوى محلية وإقليمية، قد يفتح الباب أمام انخراط أطراف أخرى مثل إريتريا والسودان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر”، معتبراً أن مثل هذا السيناريو “من شأنه أن يحوّل الأزمة من نزاع إثيوبي داخلي إلى حرب إقليمية معقّدة، تتقاطع فيها الحسابات السياسية والأمنية، وتُستخدم فيها الجغرافيا والحدود الهشة كأدوات ضغط، بما يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله”.
كما أن هذه الحرب، وفق عبد الشكور، جزء من الضغوط التي تمارس ضد إثيوبيا “لتتراجع عن ملفات مثل مياه النيل والمنفذ البحري والدور الإقليمي الذي تهدف لأن تلعبه مستقبلاً”.
وفي رأيه فإن “الحكومة الإثيوبية باتت أكثر وعياً بهذه المخاطر، ومدركة لحجم الكُلف التي قد تترتب على الانجرار إلى حرب جديدة”، لافتاً إلى أن “التجربة المريرة للصراع السابق، وما خلّفه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية جسيمة، جعلت القيادة في أديس أبابا أكثر حذراً في التعاطي مع الاستفزازات والتطورات الميدانية”.
كما أن الحكومة، وفق عبد الشكور، تدرك أن “أي تصعيد واسع لن يخدم مسار التعافي الداخلي ولا جهود إعادة بناء الدولة، بل سيقوّض اتفاق السلام الهش، ويعيد البلاد إلى مربع الاستنزاف”. وأضاف أنه لذلك “من المرجح أن تسعى إثيوبيا إلى احتواء الأزمة عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، وتفادي الوقوع في فخ حرب جديدة قد تتجاوز حدودها وتخرج عن السيطرة”.