ثورة المصانع الذكية.. عندما يتولى أوبتيموس وفيغر العمل البدني الشاق | تكنولوجيا



روكب اليوم

بعد سنوات من السيطرة على عالم البرمجيات والنصوص والصور، يخطو الذكاء الاصطناعي اليوم خطواته الأولى في العالم الفيزيائي، حيث يحمل الأثقال، ويشغل آلات اللحام، ويرتب أرفف المستودعات، ويتعلم كيفية طي الملابس.

وقد يمثل الانتقال من الذكاء الاصطناعي البرمجي إلى الذكاء الاصطناعي الفيزيائي أحد أكبر التحولات الصناعية منذ الثورة الصناعية الأولى.

وفي قلب هذا التغيير يستأثر الروبوتان البشريان “أوبتيموس” (Optimus) و”فيغر” (Figure) اللذان طورتهما الشركات الأمريكيتان تسلا و”فيغر إيه آي” (Figure AI)، بالاهتمام العالمي.

وخلف هذين الروبوتين، تظهر شركة “إنفيديا”، التي تطمح إلى لعب دور مشابه للدور الذي يؤديه نظام التشغيل “أندرويد” في الهواتف الذكية.

تطور مفهوم الذكاء الاصطناعي من البرمجي إلى الفيزيائي

خلال السنوات الماضية، تمحورت ثورة الذكاء الاصطناعي حول البيانات والنصوص والصور والأصوات، ولكن هذه الثورة ظلت محصورة داخل العالم الرقمي، حيث تتعامل النماذج مع معلومات مجردة يمكن معالجتها بالحوسبة فقط، في الوقت الذي كان فيه العالم الفيزيائي لا يزال حكرا على الإنسان.

وتغيرت المعادلة مع ظهور الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، وهو المجال الذي يسعى إلى السماح للروبوتات بفهم البيئة المحيطة بها والتفاعل معها واتخاذ قرارات لحظية داخل العالم الحقيقي.

ويدمج هذا المجال أنظمة الذكاء الاصطناعي في أجساد قادرة على التفاعل في العالم الحقيقي باستخدام الكاميرات والحساسات ومحركات تحريك الأطراف الميكانيكية، وينتقل من معالجة البيانات اللغوية إلى معالجة البيانات الحسية والحركية، مما قد يفتح الباب أمام قفزة اقتصادية وإنتاجية واسعة.

وجاء ظهور الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بسبب توفر البنية التحتية الحاسوبية، وتطور نماذج الذكاء الاصطناعي الإدراكية التي تسمح للروبوت البشري بفهم تعليمات اللغة الطبيعية وترجمتها إلى حركات جسدية.

إعلان

كما ساعد التراجع التدريجي في تكاليف إنتاج الروبوتات البشرية في ظهور الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، مع الإشارة إلى التكلفة التقديرية لإنتاج روبوت “أوبتيموس” تبلغ حاليا ما بين 50 و100 ألف دولار، في حين تستهدف “تسلا” ما بين 20 و30 ألف دولار للروبوت الواحد عند الوصول إلى مرحلة الإنتاج الضخم.

وعلى مدى عقود اعتمدت المصانع على أذرع روبوتية متخصصة تؤدي مهام محددة بكفاءة عالية، لكن هذه الأنظمة تحتاج عادة إلى بيئات مصممة خصيصا لها، ما يحد من قدرتها على التكيف مع التغيرات.

وبسبب أن العالم الذي نعيش فيه بُني وفقا لمقاييس الإنسان، فإن ذلك يعني أن الروبوت البشري قادر نظريا على العمل داخل هذه البيئات دون الحاجة إلى إعادة تصميمها.

ومن هذا المنطلق، تراهن الشركات على أن الروبوتات البشرية قد تصبح يوما ما قادرة على أداء آلاف المهام المختلفة بدلا من الاكتفاء بمهمة واحدة محددة.

ولا يتعلق الأمر بالشكل الخارجي فقط، بل بالقدرة على استخدام البنية التحتية البشرية الموجودة، وهو ما قد يخفض تكاليف الأتمتة ويجعل نشر الروبوتات أكثر سهولة مقارنة بالحلول التقليدية.

الروبوت العامل في مصانع “تسلا”

عندما كشفت “تسلا” أول مرة عن مشروع “أوبتيموس”، تعامل كثيرون معه باعتباره فكرة طموحة أكثر من كونه منتج حقيقي.

لكن الشركة واصلت تطوير المشروع بوتيرة متسارعة، وبدأت تعرض نسخ متقدمة من الروبوت قادرة على المشي وحمل الأشياء وترتيب المكونات داخل خطوط الإنتاج.

وتصف الشركة “أوبتيموس” بأنه روبوت عام مصمم للتعامل مع الأعمال الخطرة أو المملة أو المتكررة، وهي الفئة من المهام التي تعاني الشركات عادة من نقص العمالة فيها أو ارتفاع تكلفتها التشغيلية.

ويعكس المشروع رؤية أوسع لدى “تسلا”، تقوم على نقل الخبرات التي اكتسبتها من أنظمة القيادة الذاتية إلى عالم الروبوتات البشرية.

وبحسب الشركة، فإن الكاميرات وأجهزة الاستشعار وخوارزميات الرؤية الحاسوبية المستخدمة في السيارات الذاتية القيادة قابلة للتوظيف من أجل فهم البيئة المحيطة بالروبوت واتخاذ قرارات حركية معقدة.

ولا تنظر “تسلا” إلى “أوبتيموس” بصفته منتج استهلاكي فقط، إنما أصل إنتاجي قد يصبح جزء من القوى العاملة داخل المصانع.

وفي العام الحالي، أعلن إيلون ماسك إنهاء إنتاج سيارات “موديل إس” (Model S) و “موديل إكس” (Model X) في مصنع فريمونت، مع تحويله إلى قاعدة إنتاج واسعة لروبوت “أوبتيموس”.

ويمتلك الروبوت الثنائي القدمين ذراعين وأيد متعددة المفاصل قادرة على الإمساك بالأشياء ومعالجتها، الأمر الذي يسمح له بالتعامل مع الأجسام الدقيقة وأداء مهام التجميع.

وتعتمد “تسلا” على منصة “كورتكس” (Cortex) الحاسوبية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في منتجاتها المختلفة، بما في ذلك “أوبتيموس”، التي تغذيه بنماذج محسنة مستمدة من بيانات الأداء الميداني.

الروبوت الذي دخل مصانع “بي إم دبليو”

في السياق نفسه، تقدم شركة “فيغر إيه آي” روبوت عمل في مصنع حقيقي وساعد في بناء سيارات فعلية تباع للناس. وخلال عام 2025، نشرت “بي إم دبليو” (BMW) الجيل الثاني من روبوت “فيغر” في مصنع سبارتنبرغ بولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية، وهو أكبر مصانع “بي إم دبليو” من حيث الإنتاج.

إعلان

وعلى مدار 11 شهرا، شارك الجيل الثاني من روبوت “فيغر” في عمليات مرتبطة بإنتاج أكثر من 30 ألف سيارة “إكس 3” (X3)، حيث عمل بنظام المناوبات لمدة 10ساعات يوميا.

وتولى الروبوت البشري مهمة وضع أجزاء الصفائح المعدنية وإزالتها بدقة لعملية اللحام، وهي مهمة تتطلب سرعة ودقة عاليتين، فضلا عن كونها مرهقة بدنيا.

ونقل الروبوت البشري إجمالا أكثر من 90 ألف قطعة، وأدى نحو 1.2 مليون حركة روبوتية خلال نحو 1250 ساعة تشغيل.

وكشفت شركة “فيغر إيه آي” في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن الجيل الثالث من الروبوت الأصغر والأخف، الذي يتميز بأطراف أصابع حساسة وشحن لاسلكي مدمج في القدمين.

وعلى صعيد الأعمال، افتتحت “فيغر إيه آي” مصنعها للروبوتات “بوت كيو” (BotQ) بطاقة إنتاجية أولية قدرها 12 ألف روبوت سنويا، مع خطط لرفعها لاحقا، مستخدمة الروبوتات نفسها في تجميع روبوتات أخرى.

“إنفيديا” تريد أن تصبح “أندرويد” الروبوتات

من غير الممكن استيعاب ثورة الروبوتات البشرية دون الاطلاع على الدور المحوري الذي تلعبه شركة “إنفيديا” بصفتها مصدرا للشرائح والنماذج والبنية التحتية السحابية.

وتمتلك “إنفيديا” منظومة متكاملة لتطوير الروبوتات البشرية تعتمد على “غي آر 00 تي” (GR00T) و”نيوتن” (Newton) و “أومنيفيرس” (Omniverse) و “كوزموس” (Cosmos) و “إسحاق لاب أرينا” (Isaac Lab-Arena).

وتمثل “غي آر 00 تي” منصة ونموذج أساسي للروبوتات البشرية يوفر بنية نظام مزدوج تحاكي الإدراك البشري لمعالجة التفاعلات السريعة والانعكاسية والتخطيط المنهجي للمهام المعقدة.

ويحصل النموذج الأساسي على بيانات الروبوتات الحقيقية ومقاطع الفيديو البشرية والبيانات التركيبية من منصتي “نيوتن” و”أومنيفيرس”.

وتتيح هذه المنظومة المحاكاة الفيزيائية الدقيقة لتدريب الروبوتات البشرية قبل الاختبار الحقيقي، إلى جانب توليد بيانات اصطناعية ضخمة باستخدام منصة “كوزموس”.

كما أطلقت “إنفيديا” منصة “إسحاق لاب أرينا” لاختبار أداء الروبوتات في سيناريوهات متنوعة قبل نشرها في العالم الحقيقي، مما ساعد في تخفيف مشكلة نقص البيانات الحركية، التي كانت تكبل تطور الروبوتات البشرية لعقود.

نهاية عصر العمل البدني الشاق

بدأت فكرة الروبوتات البشرية في أفلام، مثل “ميتروبوليس” (Metropolis)، لكن التحديات التقنية، مثل الحفاظ على التوازن على قدمين والبرمجة الدقيقة للحركات المعقدة والتكلفة العالية واستهلاك الطاقة، أبقتها في المختبرات.

وساهمت التطورات في المعالجات والذكاء الاصطناعي والمحاكاة الرقمية في خفض تكاليف التطوير وتحسين القدرات التشغيلية، وأصبحت الروبوتات قادرة على التعلم من التجارب الحقيقية، الأمر الذي ساعدها في التكيف مع البيئات غير المنظمة ودخول ساحات العمل البدني.

وأصبح الروبوت البشري يمثل حل اقتصاديا في مجالات، مثل اللوجستيات والتصنيع والبناء، حيث يسبب العمل المتكرر إصابات جسدية ويكلف الشركات المليارات سنويا في التعويضات وفقدان الإنتاجية.

وفي العديد من الاقتصادات المتقدمة،  قد تتجاوز تكلفة العامل عشرات آلاف الدولارات سنويا، بالإضافة إلى تكاليف غير مباشرة كالتأمين الصحي والإجازات المرضية وتقلب الأداء ومخاطر السلامة.

وفي المقابل، فإن الروبوت البشري قادر على العمل بالكفاءة نفسها لساعات أطول بكثير من العامل البشري دون شكوى أو إصابة، وتبقى تكلفة الطاقة الكهربائية منخفضة نسبيا مقارنة بتكلفة العمالة البشرية.

وتستهدف الروبوتات البشرية المهام المتكررة أو التي تتطلب جهد بدني كبير أو العمل في بيئات خطرة، وقد تتراجع الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية مع توسع استخدامها، لكن قد تنشأ في المقابل وظائف جديدة مرتبطة بتشغيل الروبوتات وصيانتها وإدارتها وتدريبها وتحليل بياناتها.

إعلان

وبغض النظر عن “تسلا” و “فيغر إيه آي”، تطور عدة شركات نماذج مشابهة، مثل روبوت “أطلس” (Atlas) من “بوسطن داينامكس” (Boston Dynamics) الذي أعلنت “هيونداي” عن خطط لنشره في مصنعها الأمريكي.

كما يستخدم روبوت “ديجيت” (Digit) من “أغيليتي روبوتيكس” (Agility Robotics) في مصنع “تويوتا” الكندي.

في حين تستثمر شركات السيارات والتصنيع الكبرى في اختبار الروبوتات البشرية داخل مصانعها، مثل “أمازون” التي تجرب الروبوتات البشرية في عمليات التوصيل إلى جانب السائقين البشريين.

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الروبوتات البشرية قد تعيد تشكيل سوق العمل على نطاق واسع خلال السنوات المقبلة، بحيث تصبح المهارات التقنية والتحليلية والإشرافية أكثر أهمية من المهارات القائمة على التكرار البدني.

وقدرت “غولدمان ساكس” (Goldman Sachs) أن سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر قد تصل إلى 38 مليار دولار بحلول عام 2035، بينما قدرت “فورتشن بيزنس إنسايتس” (Fortune Business Insights) أن ينمو السوق بشكل أسرع ليصل إلى 66 مليار دولار في عام 2032.

بينما يرصد تقرير “المنتدى الاقتصادي العالمي” ظهور 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إلغاء 92 مليون وظيفة.

ونتيجة لذلك، تبدو الروبوتات في المدى القريب بمثابة عنصر مكمل لليد العاملة أكثر من كونها بديل عنها، لا سيما في الاقتصادات التي تعاني شيخوخة ديمغرافية كاليابان وألمانيا.

من بطارية تدوم لساعتين إلى التشريعات الغائبة

بغض النظر عن التطورات الكبيرة، فإن الطريق أمام الانتشار الواسع لهذه الروبوتات البشرية لا يزال محفوف بالتحديات، مثل العقبات التقنية والتنظيمية والقانونية.

وتمثل مدة عمل البطارية العائق التقني الأكبر أمام تحقيق نوبات عمل كاملة، حيث تتراوح مدة التشغيل في العديد من النماذج الحالية ما بين ساعتين وأربع ساعات.

إلى جانب تحديات التنسيق الحركي الدقيق في البيئات غير المنضبطة، والاعتماد على سلاسل توريد مكونات معقدة ونادرة لم تتشكل بعد بصورة كافية.

كما لا يوجد إطار تشريعي واضح ينظم عمل الروبوتات البشرية إلى جانب البشر في بيئات العمل، حيث يفرض الاتحاد الأوروبي متطلبات تنظيمية صارمة على بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي العالية المخاطر.

بينما طرحت في بعض الدول والأوساط السياسية الأوروبية مقترحات لفرض ضرائب على الأتمتة أو الروبوتات.

وإلى جانب ذلك، تطفو على السطح تساؤلات أخلاقية واجتماعية، تشمل المسؤولية القانونية عن أخطاء الروبوت في بيئة العمل المشتركة، ومعالجة البيانات البيومترية والحركية التي تجمعها، وموازنة المجتمعات بين الكفاءة الاقتصادية وتكاليفها الاجتماعية في سوق العمل.

ختاما، بدأت الروبوتات البشرية تشكل ملامح الاقتصاد العالمي الجديد، وتساعد الإنسان في التحرر من العمل البدني الشاق الذي سيطر على الاقتصاد البشري لقرون. لكن النجاح يعتمد على وجود سياسات تضمن العدالة والاستفادة المشتركة وعدم تركز ثمار زيادة الإنتاجية في يد نخبة محدودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks